فطيرة السعادة ودق البصل: طقوس «صعيدية» في شم النسيم؟
كتبت: أسماء منتصر وجاسمين مهني وأماني خيري
في شم النسيم تتجدد طقوس ممتدة من عمق التاريخ، تمتزج فيها ملامح التراث الشعبي بالعادات الغذائية والموروثات الرمزية. ففي الصعيد تتصدر الموائد أطباق الفطير المشلتت والكشك، وتستعيد البيوت أجواء اللمة والفرح، بينما تحضر طقوس شعبية مثل «دق البصل» كجزء من ذاكرة ريفية مرتبطة بالمعتقدات القديمة. وعلى امتداد الجذور الفرعونية، ظل الاحتفال بالربيع قائما بطقوسه من تناول الفسيخ والبيض والخضراوات، ليبقى شم النسيم عيدا يجمع بين الماضي والحاضر.
الفطير المشلتت.. ملك المائدة
في محافظة المنيا، تتنافس ربات البيوت على إعداد الفطير ، حيث يتحول هذا الطقس إلى مشهد تراثي نابض بالحياة. وفي إحدى تجمعات النساء اللاتي يصنعن الفطير المنزلي استعدادا للعيد، التقينا بمجموعة من السيدات اللاتي استعدن ذكريات الزمن الجميل، وروين حكايات إعداد الفطير، وأسرار الفطير المشلتت التي تتوارثها الأجيال.
تقول الحاجة أمال كمال، بالمعاش، من أبوقرقاص، إن الفطير المشلتت يعد طقسا أساسيا من طقوس الاحتفالات بشم النسيم والأعياد في الريف، ويعتبر ملك مائدة عيد الربيع، منافسا الرنجة والفسيخ. حيث تتصدر صينية الفطير، إلى جانب البيض والجبنة القديمة والمش والعسل والجرجير والخس والبصل الأخضر، موائد شم النسيم في الصعيد.
وتضيف أن يوم إعداد الفطير يعد مناسبة عائلية، تتجمع فيها السيدات حول “الطبلية” لفرد طبقات العجين. ثم يتم خبزه في فرن الطين على نار هادئة، أو في فرن البوتاجاز حسب المتاح. ومع خروجه من الفرن يدهن بالسمن والقشطة.
وتؤكد أم كرولس، ربة منزل، من مركز أبوقرقاص، أن الفطير المشلتت ارتبط منذ القدم بعيد شم النسيم. حيث تفوح رائحته في المنازل ليلة العيد، كما تحرص بعض السيدات على توزيعه على الجيران. وأثناء الخبز، يتجمع الأطفال حول الفرن في أجواء من الفرح، انتظارا لتناول الفطير الطري صباح العيد مع البيض المقلي.
وتشير إلى أن الفطير لا يقتصر على الأعياد فقط، بل يعد من طقوس العرس والزفاف. حيث ما زالت الأسر الصعيدية ترسل صينية الفطير مع الحلويات هدية للعروس في “الصباحية”. وهو تقليد موروث لا يزال حاضرا في الريف والمدن.

من “فطيرة السعادة” إلى تنوع الحشوات
توضح الحاجة توفيقية علي، من قرية بني سعيد بأبوقرقاص، أن الفطير المشلتت كان يعرف قديما بـ”فطيرة السعادة”. ويمر بعدة مراحل تبدأ بالعجين، ثم إراحة العجين. تليها مرحلة الفرد التي تعد من أجمل لحظات إعداده. حيث تتحول قطعة العجين إلى فطيرة كبيرة.
وتضيف أن الفطير تطور من شكله التقليدي السادة إلى أنواع متعددة محشوة، مثل الفطير باللحمة المفرومة، والجبن والزيتون، والمش والجبنة القديمة، ليصبح أكثر تنوعا ومذاقا.
أما عن أسرار النجاح، فتؤكد أن السمن البلدي هو “سر الصنعة” والنكهة الأصيلة، إلى جانب أهمية راحة العجين. ثم مرحلة “التوريق” التي تمنح الفطير قوامه المميز، وصولا إلى الخبيز في فرن شديد السخونة. ليخرج الفطير طريا من الداخل ومقرمشا من الخارج، ويقدم مع الجبن القديم أو المش أو العسل.
اقرأ أيضا: «مدفون البيض والطعمية».. أبرز أكلات أسبوع الآلام في أسوان
الكشك الصعيدي.. سلطان الموائد
لا تكتمل موائد شم النسيم في الصعيد دون “الكشك الصعيدي”، الذي يعد سلطان الموائد وملك اللمة العائلية، ويتواكب إعداده مع فصل الربيع.
تبدأ صناعة الكشك بفرك القمح وخلطه باللبن الحامض. ثم تشكيله إلى كرات صغيرة تُجفف على أسطح المنازل تحت أشعة الشمس. وبعد جفافها، يطهى الكشك مع المرق الدسم، سواء مرق اللحوم أو البط، ليمتص النكهات. ثم تضاف إليه “التقلية” من الطماطم والبصل المحمر.
وكان يقدم قديما في طواجن فخارية كبيرة تكفي أفراد العائلة، ويؤكل مع العيش الشمسي. ولا يزال حتى اليوم يحتفظ بمكانته كطبق تراثي أصيل في قرى المنيا.

أسيوط.. طقوس لا تغيب
لا تقتصر احتفالات شم النسيم في محافظة أسيوط على الفسيخ والرنجة أو الخروج إلى الحدائق، بل تمتد إلى طقوس شعبية متوارثة، من أبرزها “دق البصل” أمام الأبواب.
تقول سميرة السيد، سيدة خمسينية، إنها اعتادت منذ صغرها على الاستيقاظ مبكرا في شم النسيم ودق البصل على باب المنزل. ثم رش الماء عليه، وهي عادة ورثتها عن والدتها وجدتها، ولا تزال تحرص على تعليمها لأبنائها. وتضيف أن هذه العادة ليست مجرد طقس بسيط، بل جزء من التراث. ويعتقد أن جذورها تعود إلى العصور الفرعونية، حيث كان يستخدم البصل لطرد الحسد والأرواح الشريرة، نظرا لرائحته القوية.
وتستعيد سميرة ذكريات الماضي، حيث كان الأطفال يشاركون في هذا الطقس وسط أجواء من الفرح، ويجوبون الشوارع لمشاركة الجيران. في مشهد يعكس روح التآلف بين الجميع. تقول: “كنا زمان بنلف على البيوت ونشوف مين بيعمل كده زيّنا. وكان فيه إحساس إننا بنشارك بعض نفس الطقس. مسلمين ومسيحيين والفرحة تملى البيوت والحارات. دلوقتي بقى أقل شوية، لكن لسه موجود وبنحاول نحافظ عليه”.
وتضيف: “البصل ليه ريحة قوية، وكانوا بيقولوا إنه بيخلي الشر يهرب. يمكن الناس دلوقتي ما تصدقش الكلام ده، بس إحنا اتعودنا عليه وبنحبه وبنعمله”.
دق البصل مع شروق الشمس
يوضح حسين محمود، 60 عاما، من مركز صدفا بأسيوط، أن “دق البصل” كان يتم مع شروق الشمس. سواء بطرقه على الأبواب أو تعليقه، اعتقادا بأنه يجلب البركة ويحمي المنازل طوال العام. مشيرا إلى ارتباط هذه العادة بمعتقدات المصريين القدماء.
ويتابع أنه رغم التغيرات الاجتماعية وتسارع نمط الحياة، لا تزال هذه العادة حاضرة في بعض البيوت، حتى وإن لم يعد الجيل الجديد يدرك أبعادها القديمة بنفس العمق، مضيفا: “حتى لو الدنيا اتغيرت، في حاجات بنتمسك بيها علشان تفكرنا إحنا مين وجايين منين”.
ويؤكد أن دق البصل على الأبواب رغم بساطته، يظل طقسا يحمل دلالة خاصة. فليس مجرد صوت على الخشب، بل استدعاء لذاكرة ممتدة من التاريخ والحضارة، تتجدد مع كل شم نسيم.

تعزيز الترابط الاجتماعي
تشير شيماء محمد، 35 عاما، معلمة، إلى أن هذه العادات الشعبية رغم بساطتها. تلعب دورا مهما في تعزيز الترابط الاجتماعي والحفاظ على الهوية الثقافية، قائلة: “هذه الممارسات تصنع حالة من الاستمرارية بين الأجيال، وتمنح الأبناء إحساسا بأنهم جزء من تاريخ ممتد وليسوا منفصلين عنه”.
وتضيف أن الممارسة نفسها، حتى لو تراجع الإيمان بتفسيرها الغيبي، أصبحت رمزا للانتماء ووسيلة لإحياء الذاكرة الجماعية. خصوصا في المناسبات المرتبطة بالاحتفال بالحياة والطبيعة.
كما تروي سميرة السيد قصة “الشمامة”، وهي حكاية شعبية تناقلتها الأجيال. تقول إن كائنا يدعى “الشمامة” يزور البيوت في ليلة شم النسيم ليفاجئ النائمين. ما كان يدفع الأسر إلى تجهيز الملابس الجديدة للأطفال والاحتفال بالعيد في أجواء من البهجة والاستعداد.
اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور
جذور فرعونية لعيد شم النسيم
منذ آلاف السنين، يحتفل المصريون بعيد “شيمو”، الذي يعرف اليوم بشم النسيم، ولا تزال طقوسه وعاداته حاضرة حتى الآن. ومنها تناول الأسماك المملحة والبيض والخضراوات مثل الخس والبصل، على ضفاف نهر النيل وفي الحدائق العامة. في احتفال يعكس ارتباط المصريين بالطبيعة.
يقول الطيب غريب، الباحث الأثري ومدير عام معابد الكرنك سابقًا، إن المصري القديم احتفل بعيد “شمو”، الذي كان يشير إلى أحد فصول الدورة الزراعية. وجاء الاحتفال مع بداية الربيع كعلامة على اعتدال الجو. ويضيف أن المصريين القدماء مارسوا طقوسا استمرت حتى اليوم. مثل تزيين الزهور كاللوتس والسوسن والفل، وصناعة تيجان وقلائد منها.

برديات تؤكد فوائد السمك المملح
يوضح مدير عام معابد الكرنك السابق أن بعض البرديات المصرية القديمة كشفت عن وصفات للسمك المملح. إلى جانب الإشارة إلى فوائده في علاج بعض الأمراض. كما عكست النقوش على جدران المعابد والمقابر مشاهد غنية للحياة الطبيعية في مصر القديمة. شملت البساتين والحقول الخضراء والبحيرات وزهور اللوتس والسوسن. فضلا عن مناظر صيد الأسماك والطيور في أحضان الطبيعة.
ويشير إلى أن هذه المناظر وثقت أيضا شكل موائد الطعام عند المصريين القدماء. والتي كانت تضم الخبز والأسماك واللحوم والطيور، إلى جانب الخضراوات مثل الخس والثوم والبصل والخيار، والفواكه مثل الرمان والعنب والكمثرى. إضافة إلى مشروبات مثل الماء والجعة واللبن. حيث كانت هذه المأكولات تقدم أيضا كقرابين للآلهة في المناسبات الدينية.
الاحتفال على ضفاف النيل
يؤكد صلاح الماسخ، المشرف العام على آثار معابد الكرنك، أن المصري القديم كان يحتفل بعيد شم النسيم باهتمام كبير. يبدأ بالاستعدادات من تجهيز الأدوات والأطعمة والأغاني. وفي الليل كان يتجه بالدعاء والتمنيات، ثم يستيقظ في الصباح الباكر قبل شروق الشمس. اعتقادا بأن من يفوته استقبال الشمس يصيبه الكسل والحظ السيئ طوال العام.
ويضيف أن الاحتفال كان يبدأ بخروج الناس في جماعات إلى الحدائق والحقول والمتنزهات لاستقبال الشمس حتى غروبها. حاملين أدوات اللعب والآلات الموسيقية، بينما تتزين الفتيات بعقود الياسمين ويحمل الأطفال سعف النخيل المزينة بالألوان والزهور.
وتقام الاحتفالات على أنغام الناي والمزمار والقيثارة ودقات الدفوف، مع الرقص والغناء على ضفاف نهر النيل. كما كانت تنظم مباريات رياضية وعروض تمثيلية. وتزين القوارب بالزهور وأغصان الأشجار المثمرة المحملة بعبارات الترحيب والتهنئة.

مائدة شم النسيم عند المصريين القدماء
يضيف الماسخ أن المصري القديم خص هذا اليوم بمائدة طعام مميزة، اعتبرت جزءا أساسيا من طقوس الاحتفال، وتضمنت خمسة أطعمة رئيسية هي: البيض، الفسيخ، البصل الأخطر، الخس، الحمص، حيث ارتبط البيض بفكرة إعادة الحياة ورمزا لعناية الإله بالإنسان.
أما الفسيخ، فقد عرفه المصري مع معرفته بنهر النيل الذي كان يقدسه، كما عرف دورة حياة الأسماك ومنعوا صيدها لمدة ثلاثة شهور مع انخفاض منسوب مياه النيل، وأراد بذلك إفساح المجال لزيادة الثروة السمكية. ويشير المؤرخ اليوناني هيرودوت إلى براعة المصريين في تمليح الأسماك وصناعة الفسيخ، وكانوا يفضلون نوعا يعرف باسم “بور”، والذي أصبح يعرف لاحقا بـ”البوري”.
كما ورد في بردية “إيبرس” الطبية وصف للسمك المملح باعتباره وسيلة للوقاية والعلاج من بعض الحميات الموسمية وضربات الشمس.
ويشير الدكتور بهاء عبد الجابر، مدير عام آثار البر الغربي، إلى أن السمك كان من أهم الأطعمة منذ العصور القديمة، واستمر حضوره في تاريخ المسيحية الأولى، حيث كان بعض الحواريين يمارسون مهنة الصيد، وأصبح السمك رمزا للتعارف بين المسيحيين وشعارا سريا في فترات اضطهاد الأباطرة مثل دقلديانوس وغيره من ولاة الإمبراطورية الرومانية.
تقديس البصل واستخدامه في التحنيط
يضيف عبد الجابر أن المصري القديم أولى البصل مكانة خاصة، وأعتقد أنه يرمز إلى الحياة الأبدية، وظهرت نقوش هيروغليفية تشير إلى تقديسه، رغم أنه لم يظهر على موائد القرابين إلا في عهد الأسرة الخامسة.
وكان يعرف قديما باسم “بدجر” أو “بصر”، ومع مرور الزمن تحولت بعض الحروف في اللغات السامية ليصبح الاسم قريبا من صورته الحالية. وبدأ استخدامه ضمن طقوس شم النسيم في أواسط الأسرة السادسة، كما دخل في صناعة الوصفات الطبية لعلاج عدد من الأمراض.
ويؤكد أن المصريين القدماء وضعوا البصل داخل المقابر مع المتوفين، اعتقادا بأنه يرافق أرواحهم في الحياة الأخرى، كما استخدم في التحنيط ووضع في مناطق مختلفة من الجسد مثل الحوض والصدر والأذنين والقدمين. كما ظهرت رسوماته على جدران المقابر.
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن الخس أيضا كان له مكانة مقدسة، حيث عرف منذ الأسرة الرابعة باسم “عب”، واعتبر نباتا مقدسا، وظهر في النقوش تحت أقدام الإله آمون- من، إله الخضوبة.
اقرأ أيضا: «المنجأونة».. حكاية فطيرة تروي ذاكرة بورسعيد في شم النسيم


