«غرب سهيل».. قرية نوبية تتحول إلى وجهة سياحية عالمية
وسط سحر الطبيعة ودفء التراث النوبي، تقع قرية «غرب سهيل» بأسوان كواحدة من أبرز الوجهات السياحية التي تجمع بين بساطة الحياة وجمال التفاصيل. هناك، حيث تلتقي ألوان البيوت الزاهية بضفاف النيل، وتتناغم العادات القديمة مع حركة السياحة الحديثة، تقدم القرية تجربة فريدة لا تقتصر على المشاهدة فقط، بل تمتد إلى معايشة حقيقية لثقافة المكان.
أفضل القرى الريفية السياحية
في عام 2024، فازت قرية غرب سهيل ضمن أفضل القرى الريفية السياحية، وذلك خلال مشاركة وزارة السياحة والآثار في اجتماعات الدورة الـ122 للمجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism)، والتي عقدت بمدينة كارتاخينا دى إنديس بدولة كولومبيا. وجاء هذا التكريم تقديرا للمجهودات الكبيرة التي بذلها أهالي القرية في الحفاظ على البيئة المحيطة وتطوير السياحة البيئية.
وتواصل القرية جذب السائحين من جميع أنحاء العالم. حيث تشهد إقبالا سياحيا غير مسبوق، مع تزايد أعداد السائحين الوافدين إليها يوميا. لما تتمتع به من طابع تراثي فريد وتجارب سياحية مميزة، تتيح التعرف على القرية ومشاهدة منازلها الملونة التي تشكل لوحة فنية تنبض بالحياة، وتعكس عراقة وأصالة سكانها.

تنوع الأنشطة السياحية بالقرية
تتنوع الأنشطة السياحية بالقرية، حيث يمكن للسائح الاستمتاع برحلات القوارب الشراعية التي تمنحه فرصة لا تنسى للاستمتاع بجمال نهر النيل والتلال الرملية المحيطة والمناظر الطبيعية الخلابة. كما توفر القرية تجربة استثنائية لتذوق المأكولات النوبية، مثل الخبز النوبي والأكلات النوبية المميزة المضاف إليها التوابل الخاصة التي تضفي مذاقا فريدا.
ومن أبرز الأنشطة السياحية ركوب الجمال، والتي يحرص السائحون على تجربته عند زيارة القرية. حيث تمنحهم هذه التجربة فرصة للاستمتاع بجمال الطبيعة النوبية الفاتنة وأجوائها الأصيلة. من خلال التجول في المسارات الرملية المحيطة بنهر النيل. بما يتيح لهم الاستمتاع بالهدوء والمناظر الخلابة التي تميز القرية .
ويعد هذا النشاط جزءا من التراث النوبي، حيث يربط السائحين بالثقافة والتقاليد النوبية. إذ يستقبل السكان الزوار بحفاوة، ويوفرون لهم الجمال المدربة والمجهزة لهذه الرحلات. مما يعزز تجربة التعرف على أسلوب الحياة النوبي.
سوق غرب سهيل
يبرز سوق غرب سهيل كأحد أهم المعالم السياحية في القرية النوبية الساحرة. ويمثل وجهة فريدة تجمع بين التسوق والاستمتاع بجمال الثقافة النوبية الأصيلة. في أجوائه المفعمة بالحيوية وألوانه الزاهية التي تعكس روح النوبة وتراثها العريق.
ففي أزقة السوق تنتشر الأكشاك والمحلات الصغيرة التي تقدم مشغولات يدوية فريدة تعكس الحرف التقليدية التي توارثتها الأجيال. ومن أبرزها الأقمشة المطرزة يدويا، والجلباب النوبي، والحقائب، والتماثيل النوبية، والإكسسوارات المصنوعة من الخرز والخيوط الملونة. بالإضافة إلى العطور والزيوت العطرية النوبية التي تستقطب الزوار بتنوعها وجودتها.
ومن أبرز محلات السوق تلك المخصصة لبيع التوابل. حيث تتوافر تشكيلة متنوعة من الأعشاب والتوابل التي تضفي نكهات مميزة على الأطعمة، مثل الزعتر والكمون والكركم، وغيرها، والتي تباع في أكياس صغيرة بألوان جذابة. ويحرص البائعون على تقديم نصائح حول استخدامها.
الهدايا التذكارية
يعد سوق غرب سهيل وجهة مثالية لشراء الهدايا التذكارية. حيث يجد السائح مجموعة واسعة من المنتجات التي يمكنه اصطحابها معه إلى بلاده، منها المشغولات اليدوية مثل الحقائب المصنوعة من سعف النخيل، والمشغولات التراثية المصنوعة من الخيوط الملونة، والمشغولات الفضية. بالإضافة إلى اللوحات والرسومات التي تجسد الحياة اليومية في النوبة .
يقول سامبا، صانع مشغولات يدوية في القرية، إن الإقبال السياحي الكبير دفعه إلى تطوير منتجاته بما يجذب الزائرين، موضحا أن أشهر ما يصنعه هو الإكسسوارات التقليدية مثل “الحظاظات” التي تلبس في اليد، والمصنوعة من الخيوط الملونة المميزة للنوبة. إلى جانب القلادات والأقراط المستوحاة من التراث النوبي.
وأشار سامبا إلى أنه يصنع أيضا الأطباق النوبية الملونة الشهيرة، والتي تعد من أبرز المنتجات التذكارية التي يحرص السائحون على شرائها. كما يقوم بتحنيط التماسيح صغيرة الحجم وبيعها كعنصر جاذب للزائرين الباحثين عن تجربة فريدة، مضيفا أن هذه المنتجات تشترى كهدايا تذكارية أو للاستخدام الشخصي.
محال العطارة
تشهد محلات العطارة في سوق غرب سهيل إقبالا كبيرا من السائحين والزائرين. حسب ما أشار محمود محمد حسان، بائع بأحد محلات العطارة بالسوق، حيث قال لـ«باب مصر»: “تعد العطارة النوبية من أشهر المنتجات التي تميز أسوان. إذ تضم أعشابا ونباتات طبيعية ارتبطت بالبيئة النوبية منذ القدم. ومن أبرزها الكركديه والتمر الهندي، إلى جانب مجموعة من البهارات الخاصة بأسوان.
ويختلف السائحون في مدى معرفتهم بهذه المنتجات. فبعضهم لديه دراية كاملة باستخداماتها، ومنهم طهاة عالميون، بينما يحتاج آخرون إلى شرح. وهو ما يدفع أصحاب المحلات إلى توضيح أنواعها وفوائدها وطرق استخدامها، سواء الطبية أو المرتبطة بوصفات طعام محددة”.
وأضاف أن السائحين يحرصون على شراء منتجات العطارة كهدايا تذكارية لذويهم، فيما يفضل البعض شراء الأعشاب والتوابل لاستخدامهم الشخصي. كما يقبل الزائرون المصريون من محافظات الوجه البحري على شرائها لتقديمها كهدايا للأقارب والأصدقاء.
تجربة ثقافية متكاملة
لا يقتصر سوق غرب سهيل على التسوق فقط، بل يوفر للزوار تجربة ثقافية متكاملة، فالبائعون، بكرمهم النوبي المعروف، يستقبلون السائحين بابتساماتهم الدافئة. ويحرصون على تعريفهم بالقصص وراء المنتجات المعروضة. كما يمكن سماع الموسيقى النوبية التقليدية في الخلفية، مما يضيف طابعا خاصا لتجربة التسوق.
كما تتضمن الزيارة فرصة للتعرف على الضيافة النوبية التي يشتهر بها أهل القرية، من كرم الاستقبال وحسن الضيافة. حيث يحرصون على تعريف الزائرين بتقاليدهم وعاداتهم من خلال معايشة الحياة النوبية داخل البيوت بكل تفاصيلها. ويمكن للسائحين أيضا المشاركة في الفعاليات الثقافية والعروض الفنية، التي تشمل الرقص والغناء النوبي التقليدي. ما يعكس التنوع الثقافي الغني.
وتعد مشاهدة التماسيح والتقاط الصور التذكارية معها من أبرز التجارب التي تستقطب السائحين داخل قرية غرب سهيل. حيث تحرص بعض البيوت النوبية على تربية تماسيح صغيرة بشكل آمن، في مشهد يجمع بين الإثارة والفضول. ويقبل الزائرون من مختلف الجنسيات على التقاط الصور معها في أجواء منظمة وتحت إشراف الأهالي. مع تقديم شرح مبسط لطبيعة التمساح وعلاقته بالتراث النوبي ونهر النيل. وتمثل هذه التجربة عنصر جذب سياحي فريد يضيف بعدا مختلفا لزيارة القرية. ويعكس قدرة الأهالي على توظيف موروثهم البيئي والثقافي في تنشيط السياحة ودعم مصادر رزق الأسر النوبية.
تربية وبيع التماسيح المحنطة
داخل أحد البيوت النوبية بقرية غرب سهيل، وتحديدا في منزل الحاجة “سومة”، أكد طه، شقيقها، أن تربية التماسيح تمثل أحد عناصر الجذب السياحي التي تشتهر بها القرية. مشيرا إلى أن الأهالي يحرصون على تربيتها بهدف إتاحة تجربة فريدة للزائرين.
وأوضح أنهم يحصلون على التماسيح وهي صغيرة من بحيرة ناصر خلال شهر يونيو، في الفترة التي تكون فيها التمساح في مرحلة وضع البيض. حيث يتراوح عمره بين يوم واحد وشهر أو شهرين، ثم يتم الاعتناء بها حتى تصل إلى عمر يقارب 18 شهرًا.
وأضاف أنه يقوم بتدريب التماسيح منذ صغرها، بما يسمح للسائح أو الزائر بحملها والتقاط الصور التذكارية معها في أجواء آمنة. مشيرا إلى أنها تدخل خلال فصل الشتاء في حالة من الصيام تعرف بـ”البيات الشتوي”. بينما تنشط خلال فصل الصيف وتتغذى جيدا، مكونة طبقات من الدهون في منطقتي الظهر والذيل، تعتمد عليها طوال أشهر الشتاء.
قرية وصلت للعالمية
فيما أكد حمزة المغربي، أحد أبناء قرية غرب سهيل، أن القرية دخلت العالمية وأصبحت مقصدا سياحيا مهما. بعد أن تحولت إلى محطة رئيسية ضمن البرامج السياحية التي يقبل عليها الزائرون من مختلف الجنسيات.
وأوضح أن رحلة السائح تبدأ عادة من “جزيرة بربر”. حيث يستمتع الزائر بالسباحة ومشاهدة الطبيعة، قبل الانطلاق في جولة على ظهور الجمال، باعتبارها نقطة البداية للرحلة السياحية وسط مناظر طبيعية خلابة. وأضاف أن الجولة تستكمل بعد ذلك إلى قرية غرب سهيل، باعتبارها المحطة الثانية. حيث يلتقي مشهد الصحراء بمياه النيل والبيوت النوبية التي تجذب السائحين.
وقال المغربي إن الجمال المستخدمة في الرحلات السياحية يتم شراؤها من سوق دراو، بعد التأكد من صلاحيتها وأمانها. موضحا أنه يتم اختبار الجمل بربطه وتمرير سيارة أو دراجة بخارية أمامه. للتأكد من ثباته وعدم خوفه من الأصوات المرتفعة، قبل اعتماده في الجولات السياحية داخل القرية. وأشار إلى أن الزينة والألوان التي تتزين بها الجمال تعكس التراث النوبي الأصيل، وتستخدم لجذب السائحين لالتقاط الصور أو القيام بجولات داخل القرية، مؤكدا أن هذه الأنشطة تمثل مصدر دخل مهم لأهالي غرب سهيل.
اقرأ أيضا:
جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي
حوار| الأثري أحمد مسعود: جبانة الاغاخان تكشف الحلقة المفقودة في تاريخ جبانات أسوان
«شبابيك للثقافة والفنون».. ملتقى يفتح نوافذ الإبداع على مواهب الجنوب









