دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«عيد المحمل».. تقليد مملوكي ما زال حيًا في شوارع القصير

في النصف من شعبان.. عيد المحمل شاهدُ على دور مصر في خدمة الحرمين

في موكب احتفالي ومشهد مهيب، احتفلت مدينة القصير بيوم النصف من شعبان، المعروف بـ«عيد المحمل»، وهو اليوم الذي ينتظره الأهالي كل عام، حيث تتعالى نغمات المزمار والطبول وأصوات الذكر في شوارع المدينة، فيما تسير الجمال حاملة هودجا مزينا بالألوان الزاهية والنقوش الإسلامية، في استحضار رمزي لمشهد إرسال كسوة الكعبة المشرفة إلى بلاد الحرمين، وعلى جانبي الطريق تقف النساء والأطفال في الشرفات، وعلى أبواب المنازل يلقون الحلوى والتمور على الموكب تعبيرا عن الفرح والبهجة بهذه المناسبة التي تحتفظ بمكانتها في وجدان المدينة.

تجهيز الأثواب والأضرحة

حول التنظيم هذا الاحتفال، يقول عبد السلام البيجاوي، المسؤول عن تنظيم الاحتفال وخادم ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني: “تبدأ الاستعدادات لموكب عيد المحمل قبل حلول النصف من شعبان بنحو أسبوعين. حيث يتم تجهيز الأثواب والأضرحة والانتهاء من الترتيبات الخاصة بالموكب. إلى جانب التنسيق مع فرق الإنشاد الديني والمزمار البلدي. بهدف إحياء الذكرى الشعبية للمحمل في مدينة القصير. وهو مشهد ينتظره الصغار والكبار كل عام”.

ويضيف البيجاوي أن الأطفال والنساء يشاركون في الاستعدادات من خلال تجهيز الحلوى والتوزيعات من الفشار والتمور والحلويات. حيث يتم توزيعها على المشاركين يوم المحمل، أو إلقاؤها من الشرفات تعبيرا عن الفرح والاحتفال بمرور الموكب.

اثنا عشر جملا يشاركون في الاحتفال

يتابع البيجاوي أن عدد الجمال المشاركة في موكب المحمل يصل إلى اثني عشر جملا، بعدد أولياء الله الصالحين والأضرحة الموجودة في المدينة. حيث يخرج من كل ضريح جمل يحمل هودجا مغطى بكسوة جديدة مزخرفة. تعبيرا عن الاحتفال بكسوة الكعبة المشرفة.

ومن بين هذه الأضرحة: ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ عبد الغفار البغدادي، والشيخ أبو الحسن الشاذلي، والشيخ أحمد رضوان، وساحة الحج زكية، والشيخ أحمد حسان. إلى جانب عدد من أضرحة العلماء وأولياء الله الصالحين الذين مروا بمدينة القصير. سواء لنشر الدعوة أو توفاهم الله أثناء التوجه إلى الحج أو العودة منه.

يوم المحمل جزء أصيل من تكوين المدينة

يقول نصر حسين عبد الله،67 عاما، ومن مواليد مدينة القصير، إنه نشأ على أن يوم المحمل جزء أصيل من تكوين المدينة. ومشهد لا يمكن فصله عن الذاكرة الجمعية. لما يحمله من دلالات دينية وروابط شعبية متينة بين العائلات والقبائل.

ويشير إلى أن القصير كانت واحدة من الموانئ الرئيسية لمغادرة واستقبال الحجاج القادمين من الجزيرة العربية والمغرب وغرب إفريقيا. حيث كان مبنى الحجر الصحي المقام أمام الشاطئ هو المكان المخصص لفحص الحجاج القادمين، وحجز بعضهم لفترات قد تصل إلى ستين يوما.

عدد كبير من أضرحة الأولياء الصالحين بالقصير

يوضح نصر أن مدينة القصير تضم عددا كبيرا من أضرحة الأولياء الصالحين الذين توفاهم الله أثناء الذهاب إلى الحج أو العودة منه. وتعد هذه الأضرحة شواهد حية على مشقة رحلة الحج في ذلك الوقت. ويضيف أن الرحلة كانت طويلة وشاقة، وتتطلب قدرة كبيرة على التحمل، سواء عبر السفر برا أو بحرا. وهو ما جعل لأهالي القصير، ولا سيما أبناء قبيلة العبابدة، دورا بارزا في استقبال الحجيج والتعامل معهم وتقديم سبل الراحة لهم. إلى جانب مشاركتهم في استقبال كسوة الكعبة المشرفة والاحتفال بمرورها.

ومن جانبه يقول عادل عايش، رئيس مجلس إدارة جمعية المحافظة على التراث بالقصير، إن أصول أصحاب الأضرحة الموجودة في المدينة تعود إلى عدد من البلدان. من بينها غرب إفريقيا واليمن والسعودية والمغرب والصومال والهند. وهو ما يعكس تنوع جنسيات الحجاج الذين مروا بمدينة القصير عبر تاريخها. ويشير إلى أن شواهد المقابر توضح أن الوفاة أثناء رحلة الحج لم تكن أمرا نادرا، بل كانت تنظر إليها باعتبارها وفاة مباركة.

تجهيزات يوم المحمل – تزيين المنازل

يضيف عادل أن مظاهر الاحتفال لم تقتصر على تزيين الأضرحة أو الطواف بالهودج فقط، بل امتدت إلى شوارع المدينة. حيث تزينت جدران المنازل برسومات شعبية تعبر عن فرحة الأهالي باستقبال موسم الحج ومرور حجاج بيت الله الحرام. ما منح المدينة طابعا احتفاليا مميزا يعكس عمق ارتباطها بهذه المناسبة الدينية والتاريخية.

وتقول روميساء محمود، من أبناء مدينة القصير، إنها اعتادت منذ طفولتها المشاركة في تجهيزات يوم المحمل. حيث كانت تشارك في إعداد التوزيعات وتجهيز البخور، وإرسال الأثواب الخاصة بالهودج للغسيل والكي. إلى جانب المساهمة في تزيين الهودج وتلبيسه، وهو ما زرع بداخلهم شعورا بالتقدير والعرفان لأصحاب المقامات في المدينة. ورسخ لديهم عظمة الكعبة المشرفة ومكانتها خاصة مع مرور كسوتها عبر مدينة القصير.

تجهيز الهودج

توضح صفاء سيد عايش أن الاحتفال بيوم المحمل يبدأ في وقت مبكر من الصباح، وتحديدا في السادسة. حيث يتم تجهيز الهودج الخاص بكل مقام وضريح، ثم تصل فرق المزمار البلدي والإنشاد الديني لتبدأ من أول ضريح. ويتم إحضار الجمل الخاص به والتوجه به إلى ساحة الشيخ عبد الغفار. ثم تعود الفرق لجلب باقي الجمال واحدا تلو الآخر. ويتقدم الموكب في مشهد منظم للمرور على جميع الأضرحة، مع إنزال الجمال أمام كل ضريح في فترة الصباح.

وتضيف صفاء أن فترة العصر تشهد استكمال المشهد الاحتفالي من خلال الطواف بالهودج حول الأضرحة سبع مرات. مع ترديد الذكر والإنشاد الذي يعظم شعائر الحج ويمجد الكعبة المشرفة. ويبرز مكانتها في قلوب المسلمين، وهو ما يمنح اليوم طابعا روحانيا مميزا.

وفي السياق نفسه تشير مروة سعدون أحمد إلى أن أهالي المدينة يحرصون على إقامة ليلة للذكر وتلاوة القرآن في ليلة النصف من شعبان، في أكبر ساحة وضريح بالمدينة. حيث يجتمع الأهالي لإعلان أن اليوم التالي هو يوم المحمل، والتأكيد على المشاركة في الاحتفال، والانتهاء من جميع التجهيزات اللازمة. وهو ما يعكس روح المشاركة والتكافل بين أبناء القصير في إحياء هذا الموروث الشعبي والديني العريق.

رمز سياسي وديني

يؤكد المؤرخون أن عيد المحمل ليس يوما عاديا أو مجرد مهرجان شعبي، بل هو مشهد احتفالي نجح في الحفاظ على هويته عبر مرور قرون عديدة.

ويقول الدكتور طه حسين الجواهري، صاحب كتاب حول تاريخ القصير: “عيد المحمل، أو المحامل، أحد الأعياد الرئيسية في القصير. وقد ارتبط بوصول قافلة تحمل كسوة الكعبة المشرفة، في تقليد أرساه سلاطين المماليك في مصر. وكان المحمل عبارة عن هودج فارغ، بينما كانت الكسوة تنقل في صناديق مغلقة على ظهور الجمال،. تسير في طريق طويل ومنظم نحو أرض الحجاز، ومع مرور الزمن لم يعد المحمل مجرد وسيلة نقل، بل تحول إلى رمز سياسي وديني يؤكد دور مصر وسلاطينها الذين لقبوا بخدام الحرمين الشريفين”.

ويضيف أن المؤرخين رصدوا أن بداية فكرة المحمل تعود إلى نقل الكسوة إلى أرض الحجاز في عهد شجرة الدر، حيث خرج أول محمل في عهد المماليك. وكان المحمل نفسه عبارة عن هودج فارغ، يقال إنه هودج شجرة الدر. بينما كانت الكسوة توضع في صناديق مغلقة وتحملها الجمال في طريقها إلى الحجاز. إلا أن الاحتفال بالمحمل بشكله المميز ازدهر في عهد الظاهر بيبرس. حيث كان سلاطين مصر المملوكية يلقبون بخدام الحرمين الشريفين.

تعريف المحمل

يقول الباحث مصطفى محمد رمضان، في دراسته بعنوان (مصادر تاريخ مصر الحديث)، إن إطلاق كلمة “المحمل” جاء
نسبة إلى الجمل الذي كان يحمل الهدايا العينية والنقدية إلى البيت العتيق. وكان يغطى بقبة من الجوخ، ويصاحب قافلة الحج في كل عام، بدءا من حج شجرة الدر، زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب، عام 645هـ. أو منذ سلطنة الظاهر بيبرس عام 670هـ.

ويعتقد بعض الباحثين أن كلمة “المحمل” تشير أصلا للهيكل الخشبي المخروطي المُحلى بالزينة، والذي كان مخصصا لجلوس السلطان إذا خرج لأداء فريضة الحج. ويظل خاليا إن لم يذهب السلطان رفقة الحجيج.

شكل المحمل

يصف هاني ضوه، في بحثه بعنوان “رحلة كسوة الكعبة من مصر للحجاز”، شكل المحمل بأنه إطار مربع من الخشب، هرمي القمة، مغطى بستار من الديباج الأحمر أو الأخضر. وغالباً ما يزدان بزخارف نباتية وأشرطة كتابية مطرزة بخيوط من الذهب، وينتهي من الأسفل بشراشيب.

ويضم المحمل أربع قمم من الفضة المطلية بالذهب في زواياه الأربع. ويوضع بداخله مصحفان صغيران داخل صندوقين من الفضة المذهبة معلقين في القمة، إضافة إلى الكسوة الشريفة. ويوضع المحمل على جمل ضخم يسمى “جمل المحامل”، ويتمتع هذا الجمل بإعفائه من العمل بقية أيام السنة.

كسوة الحجرة النبوية الشريفة

عن وصف الكسوة، يقول عمرو حسن في بحثه بعنوان “من الفاطميين إلى عبد الناصر .. حكاية كسوة الكعبة المشرفة وأفراد رحلة المحمل من مصر إلى أرض الحجاز”، إن الكسوة يبلغ ارتفاعها 14 مترا. ويحليها في الثلث الأعلى منها حزام يعرف بحزام الكعبة، مطرز بأسلاك من الفضة المحلاة بالذهب. ونقشت عليها عبارات: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، و “الله جل جلاله”، و “سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم”، و”يا حنان يا منان”. وتحتها مباشرة سورة الإخلاص داخل مربعات مطرزة بالطريقة نفسها.

كما كانت الكسوة تشمل العتبة والطراز، والقائم الصغير، والقائم الكبير، والوصلة. إضافة إلى كسوة مقام إبراهيم عليه السلام، وستارة باب مقصورة إبراهيم عليه السلام، وستارة باب التوبة، وستارة باب منبر الحرم المكي. ثم كيس مفتاح الكعبة المشرفة، بالإضافة إلى كسوة الحجرة النبوية الشريفة وستارة المنبر النبوي.

ويذكر أنه حفاظ على شرف إرسال كسوة الكعبة المشرفة، تم إنشاء “دار الكسوة” عام 1233هـ بحي الخرنفش في القاهرة. وهو حي عريق يقع عند التقاء شارع بين السورين وميدان باب الشعرية. وما زالت هذه الدار قائمة حتى الآن، وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة داخلها، وظلت تعمل حتى عام 1962م.

شكل الاحتفال بالمحمل في مصر

يتابع الدكتور طه الجواهري أن المحمل كان يطوف شوارع القاهرة يصاحبه الطبول والمزامير. إلى جانب العديد من مظاهر الاحتفالات، مثل تزيين المحال التجارية والرقص بالخيول. وكان الوالي، أو من ينوب عنه، يحضر خروج المحمل بنفسه، ويستمر طوافه في القاهرة نحو ثلاثة أيام.

ويضيف أن موكب المحمل كان يتكون من جمل يحمل كسوة الكعبة. وخلفه الجمال التي تحمل المياه وأمتعة الحجاج، وخلفه الجند الذين يحرسون الموكب حتى الحجاز. ومن ورائهم رجال الطرق الصوفية الذين يدقون الطبول ويرفعون الرايات، وبصحبتهم مهرجون يسمون “عفاريت المحمل”.

اقرأ أيضا:

سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟

«باحة الفنون للتراث والتنمية».. أول مساحة آمنة للكتابة والإبداع في القصير

«تجفيف السمك» في القصير.. موروث شتوي من ذاكرة البحر الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.