دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

عبد العزيز مخيون: رجل من هذا الزمان

رجلٌ نحيل، يرتدي ملابس بسيطة وتقليدية؛ إما قميصًا بمفرده، أو بدلةً فوق قميص بلا رابطة عنق دائمًا. يزين وجهه وشعره القليل من الشيب الذي يضفي عليه وقارًا وحكمةً، تزداد جلاءً عندما يفتح فمه وينطلق صوته الرخيم بهدوءٍ قلما فارقه، حتى في تجسيده لأدواره. يسهل أن تتخيله جدك وهو يروي لك حكايات ما قبل النوم، غير أن عينيه العميقتين ترمقانك بنظرات تشعرك دائمًا بأن داخلهما غضبًا دفينًا وطيبةً في آنٍ واحد، مما يضعك في حيرة وحالة تأهب دائم.
يُعد الفنان والمخرج عبد العزيز مخيون – الذي توفي الأربعاء الماضي – أحد أكثر الفنانين تميزًا؛ ربما ليس لاتباعه طريقة أداء معينة، بل بفضل شخصيته الفريدة التي ميزته عن الكثيرين من أبناء جيله، وتجاربه الممتدة والمتنوعة بين المسرح والسينما والتلفزيون. وإذا أردنا تجميع كل تلك التجارب تحت مظلة واحدة، فربما تكون مظلة “الالتزام” كما فهمها مخيون وعاشها.
قد تبدو جملة “الفنان الملتزم” أشبه بـ “كليشيه” مستهلك الآن، لكنها تظل الوصف الأبلغ لمخيون. فما هو الالتزام؟ وماذا عنى له بالأساس؟ لكي نفهم ذلك، علينا العودة إلى أصوله وتكوينه الثقافي الذي طالما ميزه، وطالما افتخر هو به.

***

ولد عبد العزيز مخيون في فبراير عام 1946 في قرية “أبو حمص” بمحافظة البحيرة؛ تلك القرية التي تركت أثرًا بالغًا في وجدانه وشكلت هويته. ونشأ في عائلة إقطاعية ثرية تُعد من كبار عائلات البحيرة، وسُمي على اسم عمه “عبد العزيز بيه مخيون”، عضو مجلس الأمة وأحد أعيان المنطقة وشعرائها. كان لجلسات الشعر التي يعقدها عمه، واحتفالات الفوز بمقعد مجلس النواب، وتنافس الشعراء والخطباء في تهنئته، وقع محبب في نفس “مخيون” الطفل، حتى وإن لم يستوعب معاني الكلمات حينها. تحول هذا الوجدان البكر لاحقًا إلى حب جارف للفن، عززه والده بشغفه بالموسيقى، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب تحديدًا، والحرص على سماع الأغاني عبر الراديو في مواعيدها الأسبوعية المقدسة.

اقرا أيضا: «داوود عبد السيد».. من واحد إلى عشرة!

وفي مدرسة دمنهور الثانوية، خطى خطواته الأولى في عالم الفن بتعلم مبادئ العزف على آلة الكمان، لكنه لم يصبح عازفًا ماهرًا قط؛ إذ سرعان ما ترك الكمان ليطارد حلمه الأكبر في التمثيل. شد الرحال إلى القاهرة للتقدم للمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1963، ليتخرج فيه عام 1967، وهي الدفعة نفسها التي تخرج فيها الفنان نور الشريف.
بعد التخرج، امتحنه المخرج محمد فاضل لبطولة مسلسل “القاهرة والناس”، مع نور الشريف، ليفوز الأخير بالبطولة وتتأخر على “مخيون” قليلًا، حتى قيامه بدور منصور باهي في مسلسل “ميرامار” 1969. ويصبح منصور باهي الشخصية المترددة والضعيفة امام اخيه بداية لسلسلة من شخصيات “المثقف المنهزم” التي سيقوم بها عبد العزيز مخيون وستصبح بمثابة انعكاس له هو نفسه كمثقف بأحلام العصر الناصري لا يوافق زمنه يؤمن بموقف “الفنان الملتزم” حيث الفن يحمل رسالة مجتمعية وحتى سياسية وهو موقف أكثر من أي شيء آخر.

صباح الخير - عدد 841 - 17 فبراير 1972
صباح الخير – عدد 841 – 17 فبراير 1972
***

في السبعينيات، حاول “مخيون” الاندماج في الوسط الفني المصري؛ فانضم إلى مسرح الطليعة، ليُفاجأ بانحدار مستوى المسرحيات المُقدمة، والتي لم تكن تكشف عن موهبته بما يكفي. وعندما حاول الاعتراض برفقة زملائه، أُحيل إلى التحقيق الإداري! ففي نهاية المطاف، تحولت وظيفة مسرح القطاع العام في تلك السنوات- التي كان ينحدر فيها بسرعة- إلى جهاز بيروقراطي إداري لتدجين الفنانين، وليس فضاءً لاستخراج قدراتهم. إزاء هذا الإحباط، هجر “مخيون” المسرح الرسمي، وعاد إلى قريته “أبو حمص” وتحديدًا عزبة “زكي أفندي”، ليصنع مسرحه الخاص.

عبد العزيز مخيون يرفض العمل في مسرحية في مسرح الطليعة - الأهرام - 23 يناير 1975
عبد العزيز مخيون يرفض العمل في مسرحية في مسرح الطليعة – الأهرام – 23 يناير 1975

في “زكي أفندي”، دشّن “مخيون” مسرحًا “شعبيًا” حقيقيًا؛ إذ أقنع الفلاحين بلعب أدوار في مسرحية توفيق الحكيم الشهيرة “الصفقة”. لم يتدخل مخيون إلا بالقدر الضئيل في الإخراج وتدريبهم على التمثيل، تاركًا كل العمليات—من تمثيل وديكور وإضاءة وتجهيزات—يقوم بها الفلاحون بأنفسهم، حتى إنهم تجرأوا وغيروا نهاية توفيق الحكيم، واضعين نهايتهم الخاصة للمسرحية. عُرضت المسرحية في “زكي أفندي” أولاً، ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث حظيت باحتفاء نقدي هائل؛ احتفاءٍ لفت انتباه الفرنسيين، فمنحوا “مخيون” منحة لثلاث سنوات بدراسة “طرق العمل في المسرح الحديث” بفرنسا.

***

عاد “مخيون” في بداية الثمانينيات ممثلاً ومخرجًا بخبرة تقترب من خمسة عشر عامًا، ولكنه مع ذلك ظل في عيون السوق “ممثلاً واعدًا وصاعدًا”. يعلق “مخيون” على ذلك دائمًا بأنه لم يتعامل مع نفسه كمحترف قط؛ فلم يملك يومًا مديرًا لأعماله، ولم يرضَ بأن يقدم إلا ما يناسب هواه ويتسق مع “موقفه الفكري”، أو بمعنى آخر: الأعمال التي تحمل “قيمة” حقيقية وفقًا لمعاييره.
دائمًا ما يؤكد “مخيون” على دور الحظ في حياته؛ فحظه أوقعه في زمنٍ به قامات مثل أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد، الذين رأوا في ملامحه وشخصيته مادة رائعة لتجسيد “المثقفين المنهزمين” في أعمالهم. قدمه الأول في بدايات الثمانينيات بتنويعات على تلك التيمة في مسلسل “أبواب المدينة” (1981) و”الشهد والدموع” (1983)، غير أن أداء “مخيون” الهادئ والحساس جعل دوره في تلك المساحات الصغيرة يمر مرور الكرام؛ يشهد له الجميع بالتألق، ولكن دون صخب جماهيري. حتى جاء عام 1986، ليظهر في مساحة أكبر نسبيًا بدور “عادل” في مسلسل “سفر الأحلام”؛ ذلك المثقف المنهزم الذي ترك بيته وأهله وهام في الشوارع بحثًا عن النظام. وفي العام نفسه (1986)، قدم فيلم “الجوع” أمام سعاد حسني ومحمود عبد العزيز ومن إخراج صديقه علي بدرخان؛ حيث جسد تنويعة أخرى على الدور ذاته، ولكن في عالم فتوات نجيب محفوظ، متمثلاً في شخصية “جابر الجبالي” الذي يواجه شقيقه الفتوة الظالم “فرج الجبالي” عبر توعية الأهالي والثورة معهم.

***

وفي عام 1991، لعب “مخيون” دور الضابط المثقف أيضًا، واضطر لمواجهة مبادئه في عملين مختلفين عُرضا في العام نفسه؛ الأول هو فيلم “الهروب” مع المخرج عاطف الطيب-الذي ملك اهتمامًا أثيرًا بشخصية المثقف في مواجهة السلطة- ، جسّد “مخيون” شخصية الرائد “سالم”، صديق طفولة البطل “منتصر”، والمضطر بحكم وظيفته إلى مطاردته، ليعيش صراعًا مريرًا بين الالتزام بالقانون أو إرث الصداقة، إلى أن ينتهي به المطاف لمواجهة السلطة الغاشمة نفسها. وفي فيلم “شحاذون ونبلاء”، قدم شخصية الضابط “نور الدين”، الذي يتعين عليه الحفاظ على القوانين وقيم المجتمع، في حين أنه يعيش صراعًا مع هويته وميوله، ويصطدم بمبادئ مجموعة من المثقفين العدميين أمثال “جوهر” و”الكردي” و”يكن”.
في سياق تلك الأعمال، نلمح تميز “مخيون”، ولكننا نلحظ أيضًا تميز النص والفريق الفني المحيط به؛ إذ لم يكن مخيون من نوعية الممثلين الذين يتركون بصمة أدائية صارخة تطغى على الشخصيات التي يجسدونها، بل كان يقدمها بأداء هادئ ورصين، قد يميل أحيانًا إلى المبالغة الطفيفة—كما في بعض مشاهد شخصية “عادل” في مسلسل “سفر الأحلام”—فهو يمنح الشخصية مقدارها الضبوط تمامًا، لا أكثر ولا أقل. بناءً على ذلك، جاءت أدواره شديدة التميز في سياق الأعمال الجيدة التي تضم فريقًا متناغمًا، بينما مرت مرور الكرام في أعمال أخرى أقل جودة. وبين هذا وذاك، تظل جرأة “مخيون” في اختيار أدوار خاصة ومركبة هي ميزته الكبرى؛ ميزةٌ قد لا نجدها لدى فنانين آخرين ربما فاقوه موهبة، حتى وإن كرر مخيون أحيانًا نمط المثقف الملتزم الذي يشبه شخصه الحقيقي أكثر مما يشبه الشخصيات المكتوبة على الورق.

اقرا أيضا: «هامنت» لـ«كلوي چاو»: ثنائية الحياة والموت في فيلم يعيد تعريف شكسبير
***

كان “مخيون” واعيًا بتكرار هذا النمط؛ ولذلك عندما عُرض عليه دور “عادل أبو ليلة” في مسلسل “زيزينيا” (1997)، أخبره الكاتب أسامة أنور عكاشة بأنه يريده أن يتحدى نفسه في هذا الدور. وقد أُعجب مخيون بالشخصية لأنها—على حد تعبيره—”شخصية لذيذة في الأداء، تختلف عن شخصيات المثقفين النمطية، وكنت مبسوط بيها لأن فيها لعب وفيها تمثيل”. فعادل أبو ليلة، وإن بدا في البداية مثقفًا ومناضلًا في مساحة لا تبتعد كثيرًا عن فضاء مخيون المعتاد، إلا أننا سرعان ما نكتشف أن كل تلك الثقافة وذلك النضال ليسا سوى زيف، وأنه في الحقيقة مجرد نصاب كريه، بل ومضحك في بعض المفارقات الكوميدية.
ومع مطلع الألفية الثالثة، تجلى “الالتزام” بمعناه السياسي الواضح في شخصية “مخيون”؛ إذ انخرط في العمل العام وصار أكثر تسيّسًا، فشارك في تأسيس حركة “كفاية” عام 2004. وفي العام التالي، تصدرت أخبار محاولة قتله من قِبل زوجته صفحات الصحف، وخضعت تلك الحادثة لتحليلات سياسية شتى، بالتوازي مع تصريحاته السياسية المستمرة. وعلى النقيض من هذا الصخب، بدأ موقفه المتشدد تجاه جودة الأعمال المعروضة عليه يلين نسبيًا؛ فبدأ يظهر بكثافة في أعمال ليست بالضرورة مميزة، وبأدوار لم تضف لرصيده الكثير، حتى صار يشارك في خمسة أو ستة أعمال في العام الواحد، مدفوعًا بإدراكه لضرورة استمرار الممثل المحترف في العمل واختيار المتاح أمامه، بدلًا من الانزواء والغياب الذي تسبب في تأخير مسيرته طويلاً.

مخيون
مخيون

لم تحمل تلك السنوات الكثير من الأدوار الفارقة، باستثناء محطات قليلة؛ حيث ظهر في فيلم “دكان شحاتة” (2009) للمخرج خالد يوسف مجسدًا دور المثقف الناصري مجددًا، وفي مسلسل “شيخ العرب همام” (2010) قدم شخصية “إسماعيل”، ابن عم الشيخ همام الذي يحبه ويدعمه، لكنه يحمل في الوقت ذاته غيرة خفية تجاهه تنتهي به إلى الخيانة وتكون سببًا في هزيمته. في هذا الدور تحديدًا، ظهر أثر السن والخبرة على عبد العزيز مخيون؛ إذ قدم الشخصية بهدوئه المعتاد، لكنه عرف هذه المرة كيف يبرز تقلباتها النفسية وتحولاتها الدرامية ببراعة.

***

وفي العقدين الأخيرين، تزايدت أعماله بشكل مطرد، وحتى مع انشغاله بالمشاركة في أحداث ثورة يناير وما تلاها، ظل ضيفًا دائمًا على مسلسلات الموسم الرمضاني من بوابة الأدوار الثانوية، وهو ما أتاح له الوجود في عدد كبير من المسلسلات (بواقع ثلاثة أعمال على الأقل في كل موسم). ويتذكر الجمهور له جيدًا دوره المميز عقب الثورة مباشرة في مسلسل “بدون ذكر أسماء” (2013) في موسم استثنائي صاغه كاتبُه المفضل وحيد حامد. تكرر هذا النجاح لاحقًا في مسلسل “الجماعة 2” (2017) بدور مرشد الإخوان حسن الهضيبي، ثم شخصية محمد بديع في مسلسل “الاختيار 3” (2022)، إلى جانب أدوار صغيرة في سنواته الأخيرة في مسلسلات تحاول إعادة إنتاج “الخلطة الشعبية” مجددًا، كمسلسلات مصطفى شعبان وعمرو سعد. وباستثناء “بدون ذكر أسماء”، لم تسعفه الكتابة ولا المستوى العام لتلك الأعمال بأن يتألق، وحتى دوره في “الجماعة 2- الذي حظي بمديح نقدي كبير- كان دائم الشكوى منه بسبب ظروف العمل القاسية التي باتت سمة للصناعة، والتي تمتد أحيانًا إلى 24 ساعة عمل متواصلة.
دومًا ما يتحدث عبد العزيز مخيون في لقاءاته بحنين جارف إلى فترتين متناقضتين: الملكية والناصرية؛ بوصف الأولى منبع “الأساتذة والمثقفين والفنانين الذين تعلم منهم”، والثانية بوصفها المناخ الفكري الذي نشأ فيه ووجد فيه ضالته. وأفكر دائمًا: لو أن عبد العزيز مخيون ظهر في ستينيات القرن الماضي، لربما صار نجمًا كلاسيكيًا على غرار العديد من نجوم تلك الحقبة، لكنه لم يكن يومًا نجمًا بالمعنى “الهوليوودي” الذي طالما احتقره. لقد كان فنانًا يؤمن إيمانًا شبه تام بمفهوم “الالتزام” في زمن يتفكك فيه هذا المفهوم ويغيب رغم حاجة الفن إليه. ولهذا، اشتهرت مواقفه الإنسانية والسياسية بقدر ما اشتهرت أدواره الكثيرة، ونجح بأسلوبه الهادئ وحضوره المميز-وإن كرر نفسه أحيانًا- في إضافة لون فريد وصادق للسينما والدراما المصرية؛ قد لا يكون الأكثر موهبة أو الأوفر حظًا، ولكنه بالتأكيد أحد أكثر الفنانين قبولًا وحضورًا ووقارًا.

اقرا أيضا:

داود عبد السيد: الهامش، التصوف، الاقتباس

«حسن الإمام»: الجسد الحر مجازا للأمة المستقلة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.