ضحايا التعليم الموازي في معهد السينما!

لا يخفى على الداني والقاصي حال التعليم في مصر. ولو بدأ المرء في الحديث عن سلبياته ومثالبه فلن ينتهي. ومن آفات التعليم في مصر ما يطلق عليه الجامعات الخاصة والتعليم الموازي، الذي يعني باختصار أن أصحاب الدرجات و”المجاميع” الرديئة يستطيعون دخول أي كلية تحلو لهم، طالما أن “بابا” و”ماما” يملكون من المال ما يطلبه أصحاب هذه الدكاكين.

وربما يردد البعض أن الجامعات كلها خاصة في أمريكا وبلاد أخرى، وأن التعليم الموازي موجود في كل العالم. وهي قولة حق لا يراد بها سوى باطل. فالكل يعلم أن الجامعات المحترمة تتنافس على ضم المتفوقين قبل الأغنياء، بينما لدينا تفصل شروط القبول على مقاس أبناء الذوات، ومستوى التعليم متدني حتى في أفضل الجامعات الخاصة في مصر وألمعها اسما.

وليس معنى هذا أن التعليم الحكومي مثالي أو أنه يخلو من هذه المثالب. ولكن على الأقل هناك شروط وقواعد للقبول يتم تطبيقها (مع قليل أو كثير من التحايل) وهناك حد أدنى من مستوى الخريجين.

الفنون موهبة أولا

من أسباب اختراع ما يسمى بالتعليم الموازي أنه يوفر فرصا لمن حرمته الشروط والقواعد من تلقي العلم. ولكن بما أن دفع الأموال شرط أساسي للحصول على هذه الفرصة، فإن من يحصل عليها هو من يملك المال، وليس الأكثر استحقاقا، أو شغفا بالدراسة. وينطبق هذا حتى على دراسة الفنون التي يجب أن تشترط الموهبة والثقافة فوق كل شيء آخر.

ولعقود طويلة ظل المعهد العالي للسينما في مصر هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه تعلم السينما. حتى بات من الصعب على أي شخص لم يحصل على شهادة المعهد أن يلتحق بالمجال، مع استثناء الممثلين وكتاب السيناريو لأسباب تتعلق بطبيعة مهنتيهما. فليس هناك قسم تمثيل في معهد السينما، وكتابة السيناريو لا تتطلب تقنيات دقيقة ومعقدة مثل الإخراج أو التصوير أو المونتاج.

ورغم أن الدنيا تغيرت بعد ظهور التكنولوجيا الرقمية وانتشار الجامعات والأكاديميات الخاصة التي تقوم بتدريس الفنون. لكن يظل معهد السينما هو الجهة الرسمية الوحيدة التي تمنح الخريج شهادة بأنه “سينمائي” يحق له الانضمام لنقابة السينمائيين والعمل في المجال بدون مشاكل قانونية.

لكن شروط المعهد، ومنها قلة عدد الطلاب الذين يتم قبولهم سنويا، وضرورة ألا يزيد عمر الطالب المتقد للدراسة بالمعهد عن 26 سنة. وأحيانا عدم وجود واسطة أو عدم التوفيق في اختبارات القبول بسبب وجود واسطة لدى طالب آخر. فقد حدث كثيرا أن حرم طلبة يتمتعون بالموهبة من دخول المعهد، وحرمت السينما المصرية من موهوبين ربما كان سيصبح لهم شأن إذا دخلوا المعهد.

كورونا فاقمت المشكلة

منذ عشر سنوات تقريبا تم اعتماد ما يعرف بالتعليم الموازي (أي التعلم في جامعات الحكومة بمصاريف مثل التعليم الخاص) في معهد السينما. وعلى مدار هذه السنوات كان هناك عدد عن الايجابيات والسلبيات (من الإيجابيات إتاحة فرص لعدد كبير ممن يستحقون أو يحلمون، ومنها تخرج عدد من الموهوبين كسبتهم المهنة، ومن السلبيات تخرج عدد من الفشلة نجحوا بفلوسهم في أن يصبحوا أعضاء بنقابة المهن السينمائية بمجرد تخرجهم. ومنها أشياء أخرى تتعلق بطريقة القبول ودخول عنصر المال والواسطة بشكل بارز في تحديد من يدخل التعليم العادي ومن يدخل الموازي ومن لا يدخل أصلا).

.. لكن خلال السنوات الثلاث الماضية تبلورت مشكلة كبيرة تعرض لها كثير من طلبة التعليم الموازي. من المعتاد في التعليم الموازي أن بعض الطلبة ينفقون بأنفسهم على هذا التعليم. خاصة إذا كان الدراسة تتعلق بتخصص يعشقونه ويحلمون بالعمل فيه مثل الفن، على عكس ما نرى في تخصصات أخرى لا يبدي الطالب استعدادا لتعلمها إلا إذا كان أهله سيتكفلون بنفقات هذا التعليم.

من المعتاد، إذن، في التعليم الموازي بالمعهد العالي للسينما أن يعمل بعض الطلبة طوال فترة الصيف وحتى أثناء الدراسة ليسددوا المصاريف التي تتراوح بين 30 وأربعين ألف جنيه سنويا، حسب القسم والفصل الدراسي.

ولكن قواعد الدراسة في المعهد تتطلب نسبة حضور كبيرة يحرم الطالب من الامتحانات إذا لم يحققها. وبالتالي يفشل بعض الطلبة في التوفيق بين عملهم وتحقيق نسبة الحضور المطلوبة. ومن ناحية ثانية تعرض بعضهم لمشكلة أخرى خلال فترة التوقف والكساد الطويلة التي حدثت بسبب كورونا وما أعقبها. فأصبحت فرص العمل شحيحة جدا، وبالتالي لم يستطع بعضهم توفير المصاريف المطلوبة.

وحتى عندما حاول بعض الأساتذة التدخل لإعفاء بعض هؤلاء الطلبة من سداد المصاريف أو تخفيضها اصطدموا بتحويل الطلبات إلى المستشار القانوني الذي رفض رفضا باتا السماح بذلك. رغم أنه عرف وتقليد موجود في كل مدارس وجامعات العالم حتى الخاصة!

والنتيجة أن هناك عددا كبيرا من طلبة التعليم الموازي بمعهد السينما تركوا الدراسة، أو لا يستطيعون استكمالها.

تحفظات وإجراءات

ربما يجب أن يتحفظ المرء هنا، منوها بأن بعض الطلبة يتقاعسون عن تسديد المصاريف ليس لأنهم لا يملكونها، ولكن لأنهم لا يريدون سدادها. وهذا للأسف سلوك معتاد أيضا لدى كثير من الطلبة الذين قد يأخذون الأموال من أهاليهم ولا يقومون بتسديدها. لذلك لابد من وجود إجراءات للتعرف على من لا يملك قيمة المصاريف بالفعل. وهذه أيضا مهمة سهلة تقوم بها جامعات ومدارس العالم وفقا لنظام محدد.

المهم ألا نفقد طالبا موهوبا يمكن أن يكون له مستقبل فني بسبب بضعة آلاف من الجنيهات لا يستطيع سدادها. وتعليم الفنون في العالم كله يختلف عن التعليم العادي. فالموهبة تجب أي شرط آخر. والمواهب نادرة تحتاج لمن يكتشفها ومن يرعاها.

فهل يدرك المسؤولون في معهد السينما، وبقية المعاهد الفنية التابعة لأكاديمية الفنون ذلك؟

أرجو أن تجد شكاوى هؤلاء الطلاب آذانا صاغية لدى الدكتورة غادة جبارة رئيس أكاديمية الفنون وعمداء المعاهد الفنية. وأن يضعوا آلية لمساعدة مشاريع فنانين يحتاجون إلى الدعم والرعاية.

اقرأ أيضا

نور الشريف خواطر واستنتاجات.. حول قصة المقتنيات!

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر