روائح الكستور وأغاني الزمن الجميل.. جولة في شارع القماشين بالمنيا
مع اقتراب الأعياد والمواسم، تنشط حركة البيع في سوق الأقمشة، خاصة الأقمشة الحريمي، وتشهد منطقة الفكرية وشارع القماشين جنوب محافظة المنيا- المرتبطان بتجارة الأقمشة كإحدى المهن التقليدية والقديمة في صعيد مصر- حالة من النشاط الملحوظ.
ولا يزال الشارع يحتفظ، بين أزقته وحواريه، بدوره كسوق رئيسي لشراء الأقمشة، لا سيما خلال مواسم الأعياد. التقى «باب مصر» بالحاج أحمد العربي، صاحب أقدم محل لبيع القماش في الشارع، ليروي لنا حكاية الأقمشة قديما وحديثا.
شارع القماشين بالمنيا
لوحة فنية تفوح منها رائحة الزمن الجميل، تتغنى بألحان الماضي، تسمع صداها بين أزقة وحواري منطقة الفكرية. يتميز الشارع بجاذبية فريدة لا تنطفئ بمرور الزمن. إذ يعد سوقا رئيسيا لتجارة الأقمشة، ويحكي تاريخا طويلا من حواري مصر القديمة، والمنيا على وجه الخصوص.
على يمين الشارع، تجد كميات كبيرة من الأقمشة الملونة يعرضها الحاج احمد العربي، صاحب أقدم محل قماش في المنطقة. وهو يدندن بأغنية “يا رايحين الغورية هاتوا لحبيبي هدية” للمطرب محمد قنديل، في مشهد يعيدك إلى الماضي. يحكي لنا عن تاريخ صناعة القماش والأنسجة منذ مصر القديمة.
البزازين وصناعة القماش
يقول العربي إن مصر اشتهرت منذ القدم بأجود أنواع الأقمشة، وعلى رأسها الكتان ثم القطن. وكان يطلق على تجار الأقمشة وأصحاب مهنة النسيج في مصر قديما اسم “البزازين”. وكان يقصدهم تجار العالم للبيع والشراء. إذ كانت صناعة النسيج المصرية آنذاك قادرة على المنافسة عالميا.
ويضيف: “اللي بني مصر كان نساج”، معبرا عن فخره بالمهنة. موضحا أن الأقمشة في مصر قديما كانت تعكس مكانة الفرد الاجتماعية، فالأقمشة الفاخرة مثل الحرير والكشمير كانت تدل على الثراء. بينما خصص الكتان للطبقات الفقيرة.
“مش كل من مسك المقص بقى قماش”
عن ذكرياته مع المهنة يقول العربي: “ورثت المهنة عن والدي، وعشقتها من خلاله. وتعلمت أسرارها وطريقة إمساك المقص منذ كان عمري 6 سنوات”.
ويتابع: “مش كل من مسك المقص بقى قماش. المحل ده بقاله أكثر من 60 سنة في بيع القماش. ورغم إني خريج كلية شريعة وقانون، إلا أني عشقت المهنة وقررت أشتغل فيها”. ويشير إلى أن والده كان يحكي له عن زبائنه من الأعيان والبهوات الذين كانوا يأتون إليه من مختلف الأماكن.
ويؤكد العربي أن والده كان يبيع أجود أنواع الأقمشة، خاصة الجلاليب البلدي الرجالي، والصوف الأصلي والإنجليزي. إلى جانب أشهر خامات الأقمشة الحريمي، وأقمشة السهرات والأفراح.

“تيل نادية” وقماش المرايل في الخمسينيات
يوضح العربي أن الأقمشة قديما كانت تختلف كثيرا عن الآن. وكانت محدودة في أنواعها مثل الكستور، والكتان، والحرير، والقطيفة، إلى جانب “تيل نادية”، الذي كان يعد الراعي الرسمي لمريلة المدرسة الابتدائية للبنين والبنات.
وكان التلاميذ يرتدون فوقه كرافتة حمراء قصيرة مربوطة بإستيك حول الرقبة، وبنطالا من نفس القماش البيج، مع حذاء “باتا” المصنوع من الجلد الأسود. وكان “تيل نادية” يصرف عبر بطاقة التموين، بلونه البيج بدرجاته المختلفة.
ويضيف أن مريلة “تيل نادية” كانت تساوي بين الفقراء والأغنياء، بين ابن العامل والفلاح والصنايعي والبائع، وابن الناظر والمدرس. فكانت تمثل حماية نفسية للتلاميذ، وتذويبا للفوارق الطبقية. أما الآن، فأصبحت الخامات كثيرة ومتنوعة، وتواكب الموضة، ولكل طبقة زيها الخاص.
“هوانم جارد سيتي” وسواريهات الأفراح
يطلق العربي أسماء جذابة على الأقمشة التي يبيعها. ويتخصص في أقمشة المناسبات والسواريهات، قائلا: “أنا متمسك بالتراث والأذواق القديمة اللي كان لها سحر ورونق خاص. اختار أقمشة المناسبات بعناية، خاصة الشغل اليدوي (الهاند ميد)، وأبيعها بأسعار مناسبة”.
ويضيف: “أنا عاشق لموضة زمان، وأطلقت على الأقمشة اللي بختارها اسم (هوانم جاردن سيتي). لأنها تعبر عن سيدات وفنانات زمان. وموضة زمان رجعت تاني، وما زالت نجمات الزمن الجميل ملكات في عالم الأناقة حتى الآن”.
ويشير إلى تأثره بتصميمات الخمسينيات والستينيات، التي تميزت بالفساتين المنفوشة والمونوكروم الأنيق، والتي أبرزت أنوثة المرأة وجمالها. موضحا أن هذه الموضة عادت مجددا في العديد من دور الأزياء العالمية، مثل الفساتين المنقوشة، والكرانيش، والبليسيه، والجيبات الكلوش.
ويختتم: “طوال العام لينا مواسم، وتبدأ مع موسم الأفراح. وتعد أعياد رأس السنة وعيد الميلاد من أهم مواسم الزفاف. وتمتاز أقمشة المناسبات السوارية بجاذبية خاصة. مثل الستان بالترتر، والجوبير المطرز بأجود أنواع الخرز، والأقمشة المطرزة بالترتر. إضافة إلى الشيفون والتل الملون والمطرز برسومات مبهرة”.
الجلاليب البلدي
يبيع العربي الأقمشة الرجالي، وعلى رأسها أقمشة الجلاليب البلدي. يقول: “أقمشة الجلاليب البلدي زمان كانت للعمد والبهوات والفلاحين، وكانت مميزة ولها طابع خاص. منها الصوف الإنجليزي، وصوف المحلة والكستور، وقماش “الشاهي” بتاع البشوات زمان. أما الآن، فهناك خامات مثل “جولدن تكس” والصناعة المصرية، إلى جانب الشغل الإنجليزي والجابردين المصري. والخامات اختلفت عن الأول، وأعلى أنواع الصوف حاليا هو الصوف المصري”.
قماش الكستور
يتحدث العربي عن قماش “الكستور”، الذي يعد من أكثر الأقمشة شهرة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وحتى التسعينيات، قائلا: “قماش الكستور له مكانة خاصة في وجدان المصريين، لأنه ارتبط بالدعم الحكومي. حيث كان يصرف على بطاقة التموين مع الزيت والسكر، وكان يعد الكساء الشعبي للمصريين، نظرا لأنه الأكثر استخداما”.
ويضيف أن الكستور كان جزءا أصيلا من تاريخ السينما في زمن الفن الجميل. ويتذكر الجميع أفلام الأبيض والأسود، وحسين رياض، وإسماعيل ياسين، ببيحامات الكستور. ويؤكد أن كثيرين يتمنون عودته مرة أخرى، إلا أنه أصبح نادر الوجود حاليا بسبب ارتفاع سعره، إلى جانب زيادة الإقبال على الأقمشة المستوردة.
وانتشر البوليستر، الأقل جودة وخامة، ليحل محل الكستور. رغم أن الكستور يتميز بملاءمته لفصلي الصيف والشتاء، إذ يمتص حرارة الصيف، وله قدرة على التدفئة شتاء. لكنه اختفى تدريجيا نتيجة إهمال زراعة القطن، ومشكلات التصنيع.
أقمشة اندثرت مع الزمن
يشير العربي إلى اختفاء العديد من الأقمشة القديمة التي اندثرت بمرور الزمن، وكان لها رونقها وجمالها. منها قماش “الكلمنضو” الذي كان يصنع منه بنطلون الرجال، و”البروكار”، و”السوكو سوكو”، الذي يحتوي على الخيط الأسود المقصب. وكان يستخدم في فساتين السهرة.
ويضيف أن هناك أقمشة أخرى اختفت، مثل: الدامسكو، والكازو، والتركال، والتفتا، والقطيفة، و”لحم الهوانم”، و”رمش العين”، و”عين الكتكوت”، و”موج البحر”، و”رقبة اليمامة”.
ويوضح أن لكل قماش قديم اسم “دلع” لجذب السيدات لاختياره، ومن القصات الشهيرة آنذاك “عضة الأفندي”، وهي دائرتان مفتوحتان على الأكتاف. و”عين الحبيب” أو “اللمبة”، وكذلك “الشمامة” التي تظهر الكتفين، و”دلع الهوانم” وهو تصميم الكرانيش.
عودة صناعة الغزل والنسيج
يطالب الحاج أحمد العربي بعودة صناعة الغزل والنسيج، التي تراجعت مع تراجع زراعة القطن، قائلا: “نتمنى عودة القطن لعرشه القديم، لتعود معه صناعة الغزل والنسيج، ونشاهد مرة أخرى أفراح جني القطن في الحقول. كان حصاد القطن موسم الأفراح، وموسم الرواج لنا في بيع الأقمشة، ونتذكر جميعًا أغنية: “نورت ياقطن النيل.. يا حلاوة عليك يا جميل”.
اقرأ أيضا:
أفراح البطاطس في «البرجاية».. موسم الحصاد وفرحة الفلاحين
«الليلة الكبيرة».. مسرح العرائس يحيي التراث المصري في قرى المنيا







