دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

رمضان زمان.. حكايات المدفع والفانوس وسهرات المنادر في القرى

لم يكن رمضان في الماضي مجرد شهر للصيام والعبادات، بل كان موسما اجتماعيا وإنسانيا تتجدد فيه الروابط بين الناس، وتنبض فيه الشوارع والبيوت بطقوس بسيطة لكنها عميقة الأثر. من مدافع الأطفال المصنوعة يدويا، إلى الفوانيس التي تضيء الأزقة، ومن سهرات المنادر وتلاوات القرآن، إلى أكلات البيوت، كانت تفاصيل الحياة أكثر بساطة. هنا نعود بالذاكرة إلى تلك الأيام، نرصد ملامح رمضان كما عاشه الكبار قديما في قوص.

مدفع رمضان 

يقول أحمد محمد حسن، 70 عامًا، إن شهر رمضان الكريم كان بالنسبة لنا، ونحن أطفال، بمثابة احتفال تاريخي وموسمي، كنا ننتظره بشوق. ويتذكر أنه منذ أكثر من ستين عامًا، وهو صغير، كان يذهب إلى الحداد لصناعة مدفع رمضان. من خلال مسمار حديد كبير يقوم الحداد بوضع فتحة صغيرة فيه ليتم وضع الكبريت فيها، ويركب له يدا. ثم نضربه على حجر كبير، فيخرج صوت كالمفرقعات أثناء الأذان.

وكان قبل الأذان نجتمع جميع أطفال الشارع، ويلعب معنا المؤذن، كان يختفي خلف المئذنة ولا يظهر، ونقوم بالبحث عنه حتى نمسك به. ثم يعلو المئذنة ويعلن أذان المغرب، ونبدأ بضرب المدافع جميعا، ذكورا وإناثا، ولا يختلف شكل المدفع بالنسبة للذكور أو الإناث.

فانوس بشمعة

يشير حسن إلى أن الفانوس كان من أساسيات الاحتفال بشهر رمضان في كل منزل. ويقول: “كنا نذهب إلى العسقلاني السمكري ليصنعه من الزجاج والصفيح، وبعضها كنا نشتريه جاهزًا، فانوسا بشمعة وسعره لا يتجاوز 5 قروش.

لم تكن المدينة مرتبطة بالكهرباء في بداية القرن الماضي، فكنا نعيش في الظلام. فلم يكن في الشارع حول المسجد العتيق سوى فانوس “كلوب” مجلس المدينة الكبير، الذي يتم تعبئته بالجاز ليضيء للمصلين والمارة في الشارع. وينتهي جازه ويطفأ قبيل الفجر. وكنا نقول: “الفانوس طقطق”، أي انتهى وانطفأ”.

ويلفت إلى أننا كنا نشعل الفوانيس في المنازل ونذهب إلى المسجد ونضيء المكان حول المسجد لنبدأ في صلاة التراويح، بالإضافة إلي فانوس المجلس. فكان الفانوس والمدفع أهم مظاهر الطفولة بالنسبة لنا قديمًا في رمضان، ولا يستغني عنهما أي طفل في مدينة قوص.

فانوس الجاز زمان مصنوع بيد عم علي القاضي بقوص.. تصوير: أسماء الشرقاوي
فانوس الجاز زمان مصنوع بيد عم علي القاضي بقوص.. تصوير: أسماء الشرقاوي
“النعارة” لإيقاظ المتسحرين

يقول الحاج رشاد تميرك، 80 عامًا: “كنا صغارا نستيقظ في السحور خلال شهر رمضان على صوت “النعارة”. وهي عبارة عن ميكروفون قديم يشبه البوق، تطلق صوتًا لتوقظ الصائمين في رمضان، وتقع في قلب المدينة، وصوتها مرتفع جدًا.

وكانت ساحة المسجد العمري الواسعة، أو ساحة مسجد أبو العباس قديمًا، يُقام فيها أمسيات رمضانية كبيرة. يأتي إليها في رمضان الشيخ صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد، يحيون هذه الليالي بقراءة القرآن الكريم. وكان يحضرها صغار المبتهلين والقراء في المدينة. كما يأتي من جميع القرى من حولنا الرواد لسمع أصوات القرآن العذبة منهم”.

حلويات وأكلات زمان

يضيف تميرك أننا لا نغفل حلويات رمضان المميزة التي كنا ننتظرها طوال الشهر الفضيل من العام إلى العام. منها صناعة الكنافة البلدي، التي كانت أساسية في كل منزل، والقليل كان يصنع الرواني، التي كانت بمثابة تورتة في أيامنا. والكيكة الصغيرة تصنع في العيد في نهاية الشهر الفضيل.

وأيضا صينية المخروط التي كانت تُصنع من الفطير على شكل مستطيل أو مثلث. ويُضاف إليها السمنة البلدي وذرات من الدقيق، ثم نضع فيها الفول والسمسم، ونصنع منها عدة طبقات. وكانت السيدات يصنعنها باستخدام “سكين” وبدقة تامة. وتحتاج إلى مهارة معينة ووقت كبير، لكن هذه الصينية اختفت صناعتها من المنازل الآن.

كما اختفت أكلة “الطشة” التي كانت موجودة قديما، وهي عبارة عن قلي الثوم في السمن البلدي. ثم يُغلي أو “يُطش” فيه الماء، وكانت هذه أكلة الفقراء.

الفرن البلدي.. تصوير: أسماء الشرقاوي
الفرن البلدي.. تصوير: أسماء الشرقاوي
مرق وخلق وحلق

يوضح تميرك أن أجدادنا كانوا يطلقون على رمضان ثلاثة: “عشرة مرق” يعني اللحمة والأكل، و”عشرة خلق” يعني تفصيل الملابس”، و”عشرة حلق” يعني المخبوزات وهي كحك العيد.

كما كنا نغني: “حالو يا حالو”، ونغني أغنيات التراث في الإذاعة المصرية في بدايتها. وكنا نردد الأهازيج التراثية الشعبية، وكنا نركز على الحواديت، فكنا نلتف حول جدتنا وعماتنا يحكون لنا حواديت زمان. كلها حواديت تراثية فيها الحكمة والفرحة والخيال. ويعلموننا منها رسالة: فمثلا كانت جدتي تحكي لي حدوته عن الطمع في رمضان، وعن الكذب، حتى لا نتعلم الطمع والكذب في رمضان.

الكنافة البلدي

تقول زينب على دردير، 77 عامًا: “كنا نعجن الكنافة البلدي في رمضان. إذ نقوم بوضع الدقيق البلدي والمياه والملح، والبيض وقليل من الزيت، ثم نصفيها بمصفاة مصنوعة من الصفيح وبها فتحات صغيرة. ثم نضع صينية صاج كبيرة على موقد من النار، ونرش عليها عجينة الكنافة حتى تستوي. وهكذا كنا نلتف، الجيران والأسرة، ونصنع كمية كبيرة نوزعها على بعضنا البعض. حتى يأكل الجميع منها وقت إفطار المغرب فقط بالسكر كحلويات بجوار الطعام”.

وتشير دردير إلى أننا كنا نشتري قمر الدين والتين البرشومي باللفات الكبيرة. ونقوم بنقعها في المياه حتى تذوب، ثم نشربها كعصير في وقت الإفطار، وكانت لفات قمر الدين والتين البرشومي أفضل كثيرًا من المصنوع الآن.

وتلفت إلى أنها كنت تطبخ “الجلبان”، وكان يُزرع قديمًا أثناء فيضان النيل قبل إنشاء السد العالي، وهو زراعة تشبه الملوخية. تُقطف منها الثمرة “الجغليلة” أو “الزرزورة”، وتوضع في مياه تغلي وتقطع بصلة فيها. ثم يتم وضع قليل من “الدشيشة” (غلة الذرة الشامية)، ويتركون ليغلوا في المياه حتى يقاربوا على الاستواء. ثم يتم فركها بمفرك من الخشب، وتؤكل في إفطار المغرب.

كما يتم طبخ العدس الأخضر في إفطار أو سحور المغرب، وكنا نصنع البتاو من الشعير والعدس، أو الرغيف الشمسي، ويتم خبزه في أفران الطين القديمة.

الرحايا زمان.. تصوير: أسماء الشرقاوي
الرحايا زمان.. تصوير: أسماء الشرقاوي
سهرات رمضان

تقول الحاجة زينب إن المنادر في القري جميعها كانت مفتوحة لصلاة العشاء والتراويح في رمضان. حيث كانت لكل عائلة مندرة خاصة بها، يتجمع فيها أفراد العائلة، ليصلوا التراويح، ثم يبدؤون السهرة الرمضانية.

وكان يأتي شيخ أو قاريء ليقرأ لهم آيات من القرآن الكريم أو بعض التواشيح الدينية والابتهالات قبيل السحور. ويقاضونه أجرا بسيطا، خمسة جنيهات أو “كيلة” من القمح أو بعض الأكلات الأخرى يقدمونها له، ليستمر في القراءة معهم طوال الشهر. وكان يفرحون بتجمعهم في تلك السهرات. فيما كان القاريء يقرأ دون ميكروفون، ويتجمع حوله المستمعون ويرددون خلفه الابتهالات أو بعض آيات القرآن. وكان تجمع المنادر في وقتها بديلًا عن المساجد، حيث لم تكن هناك مساجد كثيرة في القرى.

وتستطرد الحاجة زينب حديثها وتقول إننا نشتري الملابس لنا ولأطفالنا من نصف رمضان. فكنا نشتري القماش أو الثوب الكامل من مدينتي قوص والأقصر، حتى نقوم بحياكته عند الخياطة على ماكينات صغيرة يدوية. وتضيف: كنا نكسو الطفل حتى يرتدى في العيد ملابس جديدة بـ60 قرشا فقط. وكنا نحن السيدات نشتري أثواب الحرير بـ170 قرشا فقط، أو أثواب القطن أو الكتان بسعر أقل من الحرير.

اجتماع السيدات أمام المنزل

تحكي الحاجة زينب: “كنا نقضي وقتنا في نهار رمضان في تهوية غلة القمح والذرة الرفيعة والشامية، ثم نتجمع لطحنها في رحايا قديمة من الحجر، نشتريها من بعض التجار من نقادة عبر نهر النيل بالمركب، ويجلبونها لقرى الشرق. حيث تجلس سيدتان من المنزل في مواجهة بعضهما لإتمام عملية طحن الغلال، فغلة القمح لصناعة الدقيق، أو الذرة الشامية لصناعة البتاو، والذرة الرفيعة لصناعة أعلاف الماشية داخل المنزل”.

وتشير إلى أن السيدات في الشارع كن يتجمعن في رمضان عندما يقمن بقطف الملوخية أو الجلبان بكميات كبيرة، وتقول: “كنا نتبادل فيها أحوالنا الشخصية. ثم نتجمع مرة أخرى بعد صلاة التراويح حتى السحور، ثم نصلي الفجر وننام، ونستيقظ في الصباح لنقوم بغسل ملابسنا يدويًا، إذ لم تكن الغسالات قد صنعت وقتها”.

وتكمل أن كل منزل كان يجهز “طبليته” وعليها بلح وزلابية وعدس أو جلبان، أو كنافة بلدي بالسمن البلدي والسكر، ويأخذها إلى الشارع الرئيسي. وهكذا كان كل شخص في المنطقة يتجمعون ليأكل المارة من طعامهم بما يجودون به. وتري أن رمضان زمان اختلف كثيرًا عن رمضان الحالي، فكانت الأطعمة والمشروبات قديما قليلة، ولم تكن هناك كهرباء أو أجهزة حديثة أو فاكهة كثيرة، بينما أصبحت الآن أصبحت جميع الوسائل متاحة ومتوفرة للأغنياء والفقراء.

اقرأ أيضا:

«فول نابت طاب واستوى».. حكاية مهنة لم تخرج من يد عائلة «الترامسية» في قوص

عميد كلية الفنون بجامعة الأقصر: «الفنان الملتزم ببيئته المحلية هو الأقدر على تمثيل مجتمعه»

من المزود إلى شجرة الميلاد.. طقوس عيد الميلاد المجيد في قنا

Back to top button
باب مصر
Close

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.