دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«رشيد» بين ظلال النخيل وسيرة البيوت

عندما زار السفير الفرنسي بالقاهرة، إريك شوفالييه، وزوجته ماتيلد شوفالييه، مدينة رشيد في سبتمبر الماضي، خرج في جولة نيلية لرؤية المدينة في مشهد بانورامي، وتجربة الاستلقاء على كرسي مصنوع من جريد النخيل، وزيارة منزل الأمصيلي، المعروف بين سكان المدينة خطأ ببيت شامبليون. وصف ديوان محافظة البحيرة الزيارة في بيان رسمي بأنها فرصة لتأكيد العلاقة بين فرنسا ورشيد، التي تعتبر مدينة التاريخ وزهرة النيل، ومتحفا مفتوحا يعكس أصالة التاريخ المصري.

ينسب لاسم المدينة «حجر رشيد»، المكتشف عام 1799، الفضل في فتح آفاق فهم اللغة المصرية القديمة لاحتوائه على نص واحد بثلاث لغات مختلفة على الحجر نفسه (اللغتان الأخريان هما الديموطيقية واليونانية القديمة). يُعرض الحجر الآن في المتحف البريطاني بلندن، ويضم متحف رشيد نسخة طبق الأصل دون الإشارة إلى أنها نسخة. وبعض المعلومات عن الاكتشاف. وتمثال نصفي كبير لبيير فرانسوا بوشار، مكتشف الحجر.

من رشيد إلى فرنسا

العلاقة بين رشيد وفرنسا تتخطى اكتشاف حجر رشيد، لتشمل تسجيل المدينة دخول الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وخروجها كذلك. وبينهما علاقة مصاهرة بزواج زبيدة ابنة محمد عبد الرحمن البواب الميزوني، والجنرال جاك فرانسوا مينو (عبد الله مينو).

أما شامبليون، العالم الفرنسي مكتشف طريقة فك رموز كتابات حجر رشيد، فنسب إليه سكان المدينة خطأ بيت من أهم بيوتها الأثرية. يقول محمود القصراوي، وهو يشير إلى “بيت الأمصيلي”: “أسكن بالمدينة طوال عمري وأعرف هذا البيت بأنه بيت شامبليون. كنت أمر عليه كل يوم أثناء رحلتي إلى المدرسة الثانوية القريبة، وبالصدفة عرفت مؤخرا اسمه وقصته الحقيقية”.

ويفسر محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار رشيد سبب التسمية الخاطئة للبيت ويقول لـ«باب مصر»: “شامبليون لم يسكن هنا. ويعتقد سكان المدينة هذا بسبب زيارة تاريخية للحفيد الأصغر هيرفيه شامبليون وزوجته كاثرين كولينز، مديرة متحف الفنون الجميلة بفرنسا، للمدينة وهذا المنزل بعد تجديده عام 2017”.

أرشيفية من زيارة حفيد شامبليون لمدينة رشيد.. بإذن من صفحة محمود سعد الحشاش
أرشيفية من زيارة حفيد شامبليون لمدينة رشيد.. بإذن من صفحة محمود سعد الحشاش
غادة رشيد 

من قصص ارتباط المدينة بفرنسا، سيرة زواج زبيدة ابنة محمد عبد الرحمن البواب الميزوني، والجنرال جاك فرانسوا مينو (عبد الله باشا). من أكثر القصص الإنسانية تعقيدا في تاريخ الحملة الفرنسية، أعيد تجسيدها في رواية الشاعر علي الجارم “غادة رشيد“، التي كتبها بالتناص مع رواية “غادة الكاميليا”.

تبدأ الرواية بزبيدة التي لا تريد أن تنسى نبوءة “رابحة العرافة”، التي أطلعتها على ما تقوله النجوم بأنها ستصبح حاكمة لمصر. وبرغم حبها لابن عمها محمود، تعرض عن الزواج منه متطلعة إلى نبوءة الحكم. وفي تلك الفترة، تزوج مينو من زبيدة، وعندما اغتال سليمان الحلبي كليبر، خلفه مينو لتتحقق نبوءة زبيدة وتصبح زوجة الحاكم. وعندما انتهت الحملة الفرنسية ورحل الفرنسيون عن مصر، سافرت زبيدة مع مينو، الذي تركها هناك وانصرف لحياته، وعهد بولده (سليمان) لإحدى الأسر النبيلة لتربيته.

في المتحف حاليا تُعرض وثيقة إسلام مينو وعقد زواجه من زبيدة البواب، التي يعرف بيت والدها باسمها رغم تسجيل المنزل في السجلات الرسمية ببيت “الميزوني”.

ما هو أهم من متحف رشيد 

الوصول إلى رشيد أسهل من الإسكندرية ويستغرق الطريق ساعة واحدة تقريبا. ومع اقتراب المدينة، تظهر حدائق النخيل الممتدة كحاجز جنوبي. ومنه تسير نحو شوارع المدينة ومعالمها التي تضم نحو 22 منزلا وحماما وطاحونة. بالإضافة إلى أحد عشر مسجدا وزاوية وثلاثة أضرحة، كثاني أكبر المدن المصدرية تسجيلا للآثار الإسلامية بعد القاهرة.

متحف رشيد يخضع حاليا لعملية ترميم لمبنى أثري يتكون من ثلاثة طوابق. يرجع لعصر الدولة العثمانية وكان في الأصل بيت عرب كلي محافظ رشيد في ذلك الوقت. وفي الستينات تم تحويل المبنى إلى متحف صغير لإبراز دور المدينة في مقاومة الحملة الفرنسية ثم حملة فريزر الإنجليزية. ويعرض المتحف 700 قطعة، أهمها العملات الذهبية والبرونزية التي تعود للعصرين الأموي والعثماني، ونسخة من “حجر رشيد”.

إلا أن المنزل الذي أصبح متحفا ليس بنفس روعة المنازل التي تم ترميمها حديثًا على بُعد خطوات قليلة. وفي حالة زيارة رشيد من أجل مشاهدة الحجر، فإنه أقل ما يثير الاهتمام في المعالم السياحية  للمدينة. السير في مدينة رشيد يستلزم مرافقا محليا، فالتجول في الأزقة والشوارع الضيقة يحتاج إلي دليل للوصول إلى البيوت الأثرية. ومنها بيت الميزوني وبيت حسيبة غزال وبيت عصفور والقناديلي وبيت الأمصيلي، أشهر المنازل المتاحة للزيارة حاليا.

أبو شاهين والأمصيلي 

يجمع بين منزل الأمصيلي و طاحونة أبو شاهين وحدة الطراز المعماري في شكل البناء الخارجي. الطاحونة الأقدم في مصر لطحن الغلال، تم تشييدها في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي، بناها عثمان أغا الطوبجى باشا، المالك الأول لبيت الأمصيلي. زُخرفت جدران الطاحونة وبيت الأمصيلي بالطوب المنجور (الأحمر والأسود). بالإضافة إلى الاستعانة بالعقود الثلاثية أو المدائنية في بناء الجدران الحاملة للأسقف.

يقول محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار رشيد لـ«باب مصر»: “تشتهر البيوت في رشيد باسم المالك الأخير لها، ولكن يسجل أيضا أسماء المالك الأول وباني البيت. هذا المنزل منسوب إلى أحمد الأمصيلي، وهو آخر من سكنه. وبناه عثمان أغا الطوبجي عام 1808، وكان ضابطا في الجيش العثماني”.

ويضيف: “رشيد كانت مدينة تجارية مزدهرة، وأغلب المنازل المسجلة كآثار حاليا كان يملكها تجار. لذا كان الدور الأرضي مخصصا كمخازن للغلال والتجارة. إلا منزل الأمصيلي خصص الدور الأرضي ليكون إسطبلا وحظيرة خيول مخصصة للأغا لكونه ضابطا لأحصنة عرباته وحصانه الخاص”.

مكونات المنزل

بحسب وصف سعد الحشاش، “يتكون المنزل من ثلاثة أدوار، الأرضي به حجرة الاستقبال وبها قواطع من الخشب تتخللها أعمدة رخامية. ويوجد بالدور الأرضي المخزن والحظيرة المخصصة لركوب (الأغا). بالإضافة إلى الصهريج الذي تخزن فيه المياه ودورات المياه. فيما تتشكل واجهة المنزل بكتابات بالخط الكوفي وزخارف جصية وفخارية، كما تكثر فيها (المشربيات) أعمال الأرابيسك”.

وملحق بالمنزل بيت آخر كان مخصصا للخدم. وهو منزل «حسيبة غزال»، والذي يشّكل مع منزل الأمصيلي وطاحونة أبو شاهين وحدة معمارية متكاملة.

من أين يأتي الطوب المنجور؟

واجهة منزل الأمصيلي تتشابه مع بيوت ومساجد مسجلة كآثار، وتشتهر بالطوب الأسود والأحمر. ويقول سعد الحشاش: “الطوب المنجور صناعة اشتهرت بها رشيد ويميز طرازها المعماري. مع بعض المساجد بمدينة فوه على الجانب المواجه لفرع نهر النيل. واستخدم عدد محدود في واجهات الأبواب في مدينة إسنا جنوب مصر”.

ويشرح: “لم يعد هذا النوع من الطوب ينتج حاليا بسبب قلة طمي النيل. لذا يعتمد مرممو الآثار على نوع من الصبغات لمحاكاة اللون الأساسي للطوب”.

تسجيل مدينة رشيد باليونسكو

في عام 2003، سجلت مدينة رشيد ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي باليونسكو، وبحسب تقرير المنظمة: “ما زالت بعض أحياء المدينة تحتفظ بشوارعها الضيقة المتقاطعة بزوايا قائمة. وهي آخر بقايا التخطيط العمراني الذي كان سائدا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وتصطف على جانبيها منازل من طابقين أو ثلاثة، تضم مساجد وحمامات وأكواخا”. ومع تشييد السد العالي في أسوان، لم يعد طمي النيل يصل إلي المدينة مع الفيضان. مما قلل صناعة الطوب الشهير بالمدينة.

ويضيف تقرير اليونسكو: “في بداية القرن العشرين، صنفت لجنة صيانة الآثار العربية 38 منزلا كمعالم تاريخية. لم يبقَ منها اليوم سوى 22 منزلاً. نقلت ملكيتها إلى المجلس الأعلى للآثار وبدأ بترميمها. كان تصميمها متشابها في الغالب، طابق أرضي وطابق أو طابقين. وكان جزء من الطابق الأرضي مخصصا للأعمال التجارية والمخازن.

أما الطابق الأول فكان للرجال والثاني للنساء. زُيّنت بعض الواجهات بالطوب متعدد الألوان، الأحمر والأسود والأبيض. وهي فريدة من نوعها في مصر. يتميز الطابقان الأول والثاني، اللذان يمتدان دائمًا إلى الشارع، بنوافذ خشبية رائعة مزخرفة. كما استُخدمت بلاطات خزفية تُعرف باسم “الزليج”، كما هو الحال في بلاد المغرب العربي”.

صانع الأقفاص من جريد النخيل.. تصوير: محمد عوض
صانع الأقفاص من جريد النخيل.. تصوير: محمد عوض
سردية النخيل 

تتجلى سردية رشيد في لقبها الشهير “بلد المليون نخلة”، وهو لقب يعكس واقعا ديموغرافيا واقتصاديا. حيث استخدمت أخشاب النخيل في أسقف البيوت، وجريدها في صناعة الأقفاص والأواني. في وسط بوابة رشيد البحرية القديمة ومنزل “الميزوني” تقع ورشة صغيرة لصناعة الأقفاص من جريد النخيل. يتجاور فيها شيخان جاوزا الستين من عمرهما ويحفظان سر الصناعة القديمة ويتمسكان بها.

يجلس حسني العشري، 66 عاما، ويجهز أعواد الجريد بالتقطيع إلى قطع متساوية الأطوال. ويقول: “اتعلمت المهنة دي وأنا عندي ست سنوات ودلوقتي بقيت 66 عاما. ولا أعمل بغيرها، برغم أنها لم تعد مربحة ماديا”.

لا تختلف قصة مبروك حميدة كثيرا عن العشري، فكلاهما يجلسان بورشة واحدة يقضيان اليوم من الثامنة صباحا إلي العاشرة مساءً، لصنع ما يقرب من 20 قفصا لحفظ الخضراوات ليحصلوا على ما يكفي من تكلفة العمل اليومي. يقول حسني العشري: “الجريد كله خير نستخدمه في الأقفاص. وهناك من طور في الصناعة وأصبح ينتج أثاثا ومقاعد وكراسي. ولكننا لم نستطع مجاراة هذا التطور ومازلنا نصنع الأقفاص”.

كل نتاج الجريد له استخدام، بحسب مبروك حميدة. حيث يطوع لصنع الأقفاص وحتى القطع الصغيرة المتبقية من عملية التقطيع يمكن حرقها في أفران طهي الطعام في المنازل.

جمار النخيل

على بُعد شارعين من ورشة مبروك والعشري، يقف شاب  اسمه “صالح” أمام نهر النيل يقطع قلب النخل ويبيع قطعا صغيرة صالحة للأكل يسميها أهل المدينة “جُمار”.

يقول محمود القصراوي: “نعرف الجٌمار من الصغر، هو قلب النخلة التي تقطع مع التقليم بعد موسم البلح. إذ أكل رطبا يكون في الصيف أكثر حلاوة بسبب عطش النخيل بفعل الحرارة”. تعتمد حرفة مبروك والعشري وأيضا صالح على النخيل والجريد الذي يتم تنظيفه بعد موسم الحصاد. تتطلب العملية صبرا وقوة تحمل. إذ يتم تقشير الجريد وتشكيله ليصبح أقفاصا وجٌمارا يأكله المارة لفائدته الصحية.

عمل الثلاثة لا ينفصل عن تاريخ رشيد المعماري؛ إذ إن الأدوات والتقنيات التي يستخدمونها هي ذاتها التي وفرت المادة الخام لصناعة الأثاث والمشربيات التي تزين بيوت رشيد الأثرية.

اقرأ أيضا:

«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

«السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

«القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.