د.ليندا هيريرا: لا يوجد تعليم خارج السياسة لأنه يُشكل وعي المواطن
على مدار قرن كامل، ظل التعليم المصري ساحة صراع مفتوحة بين السلطة والمجتمع، حول ما يُراد تعليمه وما يُعاش فعليًا داخل الفصول الدراسية. في كتابها «تعليم المصريين»، تقدم الباحثة الأمريكية والأنثروبولوجية الاجتماعية ليندا هيريرا قراءة معمقة لتاريخ التعليم المصري. ليس بوصفه سياسات ومناهج فقط، بل باعتباره ممارسة يومية تعكس تحولات السلطة والثقافة والهوية. وتكشف عن المعارك الخفية والمعلنة داخل أسوار المدارس وخارجها.
يُبنى الكتاب على عقود من البحث الميداني والمقابلات والتاريخ الشفهي، ليتتبع كيف شكّل التعليم صورة المواطن المثالي. وكيف ظل مجالًا للتجاذب بين الدولة والمعلمين والأسر والطلاب، منذ عصر بناء الدولة الحديثة وحتى زمن التحول الرقمي.
في هذا الحوار، نتوقف مع ليندا هيريرا، أستاذة سياسات وتنظيم وقيادة التعليم بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، عند أسئلة التعليم والسلطة، وحدود سيطرة الدولة، ودور المدرسة في تشكيل الوعي الجمعي. وما إذا كان ما نعيشه حاليًا امتدادا لتاريخ طويل من الصراع أم بداية لمرحلة مختلفة تمامًا.
-
ما الذي دفعك لاختيار التعليم الحكومي في مصر تحديدًا كموضوع للبحث في هذا التوقيت؟
في المرحلة الجامعية درست في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكنت أسكن في بيت الشباب القابع في وسط البلد. وكانت غرفتي تطل مباشرة على مدرسة الفلكي. كل يوم كنت أسمع الطلاب يرددون النشيد الوطني. ومن هنا تكونت لدي الرغبة في معرفة ما يحدث داخل المدرسة. لاحقا، وعندما استكملت دراسة الماجستير، أصبحت الرغبة مُلحة لفهم الحياة اليومية داخل المدرسة المصرية. فتوجهت إلى هذه المدرسة لمدة عام كامل، وعشت مع المدرسين والطلاب تفاصيل الحياة داخلها.
-
رغم سيطرة الدولة على التعليم، تؤكدين أن هذه السيطرة لم تكن كاملة. من الذين نافسوا الدولة على التأثير في التعليم؟
أنا أحب دراسة التعليم لأنه مجال معقد للغاية، والسلطات داخله متعددة وليست مقتصرة على جهة واحدة أو شخص محدد. فهناك سلطة الدولة، وسلطات فوق الدولة، وسلطة الأمهات والطلاب. فضلا عن سلطة التعليم في تغيير الثقافة عبر الطبقات والمستويات الاجتماعية. وهذا هو السبب الذي دفعني لدراسة العلاقة بين السلطة والثقافة التعليمية.
في مصر، داخل المدرسة، يمكن أن نجد ثقافة الحركة الإسلامية، أو تأثيرات ثقافة أجنبية في الموسيقى والفن مثلا. وهنا يأتي دور العمل الأنثروبولوجي، الذي يعطينا أدوات لفهم تطور وتربية الطلاب من مرحلة المراهقة وما بعدها.
هناك أيضًا المنظمات الدولية والحكومات الأجنبية التي تشارك في إصلاح سياسات التعليم من خلال المشروعات والقروض وأشكال أخرى من المساعدات. كل هذه العناصر المختلفة- الدولة، وثقافات الشباب، والحركات الاجتماعية، والفاعلون الدوليون- تؤثر في النظام التعليمي بسبل غير متوقعة.
-
هل ترين أن التكنولوجيا غيرت طبيعة الصراع حول التعليم، أم أعادت إنتاجه بأشكال جديدة؟
بالطبع، في كل مرحلة، تغير التكنولوجيا مهنة التعليم، بداية من القلم والكتاب، مرورًا بالسوشيال ميديا، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي. وكلما تدخلت الأدوات التكنولوجية في التعليم تغير شكله وطبيعته، سواء على مستوى التفاهم والعلاقات بين الطلاب بعضهم البعض، أو بين الطلاب والمعلمين. كما غيرت التكنولوجيا طريقة التفكير والاستيعاب، وكذلك العلاقات السياسية. ودوري كباحثة هو فهم كيف يحدث هذا التغير، خاصة أنه يحدث بصورة سريعة جدًا.
-
اعتمدتٍ على المقابلات والتاريخ الشفهي.. ما الذي كشفته لكٍ الممارسات اليومية في المدارس؟
الكتابة عن التعليم في مصر اعتمدت على 30 عاما من البحث، بعضه إثنوغرافي. وبعضه قائم على تحليل السياسة التعليمية، وأجزاء أخرى اعتمدت على دراسة السوشيال ميديا وتحليل التعليم الرقمي.
أما الممارسات، فقد أظهرت أن طرق التعليم في مصر تغيرت بسرعة كبيرة بفعل الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الكمبيوتر. ففي مطلع التسعينيات، كنت أذهب إلى المدرسة يوميا مع الطلاب. واستمر هذا النمط البحثي حتى عام 2000، وخلال هذه الفترة تغيرت حياة الطلاب تماما، وبالتالي تغيرت أدوات البحث. ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت أدرس حياة الطلاب من خلال المقابلات على مجموعات فيسبوك وواتساب. أي أن طريقة البحث نفسها تطورت مع تطور الطلاب.
أما الآن، فتشير الملاحظات إلى أن غالبية المدارس في المدن سواء القاهرة أو الإسكندرية، لم يعد الطلاب يذهبون إليها بانتظام، وأصبحت الفصول شبه خالية. كما أن المدرس لم يعد يدخل الفصل بشكل مستمر. باتت الممارسات التعليمية تحدث خارج المدرسة والفصل، خاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية. كما أن ضغط الكثافات ونظام الفترات الدراسية أديا إلى تقليص زمن الدراسة داخل المدرسة.
-
بعد سنوات طويلة من البحث داخل المدارس وبين الشباب، ما أكثر ما فاجأك في علاقة المصريين بالتعليم؟
أمور عديدة، وليس أمرا واحدا فقط، لكن أبرزها هو الانتشار الواسع للدروس الخصوصية مقارنة ببلدان أخرى. كما لاحظت أن مرحلة الثانوية العامة غير صحية في مصر، سواء للطلاب أو للأمهات أو للأسرة بشكل عام. يضاف إلى ذلك أنها مرحلة مكلفة اقتصاديا للأسرة. وهو وضع مستمر منذ التسعينيات وحتى الآن، ما يجعل تأثيره سلبيا على المجتمع ككل.
-
هل ترين أن ما يحدث اليوم في التعليم هو استمرار لصراعات قديمة أم بداية لنوع جديد من الصراع؟
مشكلات التعليم اليوم تختلف عما كانت عليه في السابق. حاليا، يوجد نحو 25 مليون طالب، ما يعني أن المشكلات تتزايد يوما بعد يوم نتيجة الزيادة السكانية، في ظل نقص المدارس والمعلمين، وهو ما يضع التعليم تحت ضغط شديد.
لكن في المقابل، هناك بعض الإيجابيات، مثل الابتكار الرقمي، وبنك المعرفة المصري الذي يتيح كتبا ومصادر عالمية وفيديوهات تعليمية لكل الطلاب.
-
أشرت من قبل إلى أن السياسة تظلل التعليم، ما المقصود بذلك؟
لا يوجد تعليم خارج السياسة، لأن التعليم يسهم في تشكيل صورة المواطن، الذي يمتلك بدوره وعيا وفكرا سياسيا. التعليم يتأثر دائماً بالسياسة، ولا ينبغي أن يكون معزولًا عنها، نظرا لارتباطه بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وبالتالي التعليم والسياسة وجهان لعملة واحدة.
-
في كتاباتك عن التعليم المصري يظهر الفصل الدراسي كساحة اشتباك يومي بين المعلم والطالب وولي الأمر.. ما الذي تغير في هذا الاشتباك عبر العقود، وما الذي بقي ثابتًا؟
هناك العديد من الأمور التي تغيرت على مر التاريخ، لكن الهاتف المحمول كان أكبر تغيير خلال الثلاثين عاما الماضية. بالنسبة للطلاب، أصبح كل طالب تقريبا يملك هاتفا، وبالتالي لم يعد ولي الأمر على دراية بما يحدث مع ابنه كما كان في السابق. ومع دخول الهاتف في العملية التعليمية، نجد أن بعض أشكال التكنولوجيا غيرت طبيعة علاقات الشباب ببعضهم البعض، وكذلك علاقتهم بالكبار.
قديمًا كان الهاتف موجودا في المنزل، وكان ولي الأمر يعرف ما يفعله ابنه، وبالتالي كانت هناك درجة من الرقابة. أما حاليا، فالكبار في كثير من الأحيان غير مدركين لما يحدث فعليا أو لما يدور في عالم الشباب. لذلك، فإن تغير التعليم من خلال الاعتماد على الهاتف المحمول لم يؤثر فقط على المدرسة، بل غير عادات المجتمع نفسه.
-
هل هناك دروس يمكن أن تتعلمها دول الجنوب العالمي من التجربة المصرية في إصلاح التعليم؟
على مدار ما لا يقل عن 75 عامًا، كان لمصر تأثير كبير في أنظمة التعليم عبر العالم العربي والإفريقي، لكن طبيعة هذا التأثير تغيرت مع الوقت. ففي القرن الماضي، تبنت العديد من الدول العربية المناهج المصرية واستقدمت معلميها. أما في السنوات الأخيرة، فتسعى مصر لإدخال طرق جديدة لتدريس اللغة العربية، ودمج التكنولوجيا في التعليم. في محاولة لتكييفه مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.
منذ عام 2018، على سبيل المثال، كانت مصر رائدة في التحول الرقمي للتعليم من خلال مبادرات مثل بنك المعرفة المصري، والتلفزيون التعليمي مع إتاحة فيديوهات تعليمية على يوتيوب. إضافة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم عبر منصات مثل «فهيم». ويُعد دمج الرقمنة في التعليم عملية معقدة. وأعتقد أن دولًا أخرى تعمل على إصلاح أنظمتها التعليمية تتابع التجربة المصرية لترى كيف تسير هذه التجارب من حيث المكاسب المحتملة والخسائر.
-
هل يمكن الحديث عن ثقافة مدرسية واحدة في مصر، أم أن دور المدرسة بات يتغيّر بحسب المكان؟
ثقافة التعليم المدرسي شديدة التنوع والاختلاف. يكفي أن نفكر في الفروق بين مدرسة حكومية في إحدى مدن الدلتا، وأخرى أزهرية في صعيد مصر، أو مدرسة لغات خاصة في القاهرة أو الإسكندرية. من المؤكد أن أنماط التعلّم الاجتماعي تختلف بشكل كبير في كل حالة.
ومع ذلك، قد تشترك كل هذه الأنواع من المدارس في شيء واحد، وهو اعتمادها على امتحانات مصيرية بالغة الأهمية. وبناء على ذلك، من المرجح أن يكون لدى كثير من الطلاب خبرة ما مع الدروس الخصوصية. وبما أن المنهج الدراسي موحد – باستثناء المدارس الدولية-. فإن معظم الطلاب المصريين يمتلكون قاعدة معرفية أكاديمية مشتركة تتعلق بالتاريخ والثقافة والدين المصري والعربي. وإن كان هذا لا يعني بالضرورة أن لديهم فهمًا موحّدًا لهذه الموضوعات.
-
أخيرًا، بعد هذا الكتاب، هل تغيّرت نظرتكِ إلى مفهوم «الإصلاح التعليمي» نفسه؟
لا، لأن عملي يعتمد على فهم ما الذي يعنيه الإصلاح، ولماذا يبدأ، ومن أي سياق ينطلق. لذلك، أحاول دائما فهم الإصلاح كأساس اقتصادي وسياسي وأربط بينهم.
اقرأ أيضا:
«أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»
من فم إلى أذن.. كيف حفظت الكنيسة الألحان واللغة القبطية؟
الباحث «يوسف طيبة»: الترجمة المباشرة أهم عامل في فهم اللغة المصرية القديمة

