دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

دينا الضيف مؤلفة كتاب «مذاق مصر»: المطبخ المصري متنوع إقليميا وعميق في بساطته

منذ اللحظة الأولى لابتعادها عن أسرتها، تشكلت علاقة دينا الضيف بالطهي المصري كهوية وذاكرة. لم يعد الطعام بالنسبة لها مجرد وجبة تعد أو تؤكل، بل رابطا يصلها بالبيت والدفء، ومن ثم تجاوز حدود الضرورة اليومية ليصبح شغفًا حقيقيا.

هذا الشغف دفعها إلى فتح نافذة واسعة على المطبخ المصري من خلال كتابها «مذاق مصر» The taste of Egypt، كما عرفته وعاشته. ورغم انفتاحها على مطابخ وثقافات متعددة حول العالم، اختارت أن تكرس مشروعها للطعام المصري، إيمانًا منها بأنه يستحق حضورًا أوسع وتمثيلًا أكثر صدقا على المستوى العالمي.

في هذا الحوار، تتحدث دينا الضيف لـ«باب مصر» عن أسباب اختيارها لوصفات وأكلات دون غيرها، ودور الذاكرة والهوية في تشكيل أطباقها، كما تكشف كيف تسعى، من خلال كتابها وورشها التعليمية، إلى نقل روح المطبخ المصري للأجيال الجديدة، خاصة من غير المصريين، دون أن تفقده بساطته ودفئه الأصيل.

  • متى أصبحت علاقتك بالمطبخ شغفا وهواية ذات معنى شخصي، وليس مجرد طبخ يومي؟

في اللحظة التي غادرت فيها المنزل للالتحاق بالجامعة. قبل ذلك، كانت والدتي دائمًا هي من تعد الطعام للأسرة. وحتى بعد إقامتي في السكن الجامعي، كانت تواصل الطهي لي، إذ كانت تجمد الوجبات وتضعها في علب صغيرة كي لا أحرم من طعامها خلال الأسبوع. مشاركة تلك الوجبات مع أصدقائي، ثم مع زوجي لاحقًا، جعلتني أدرك مدى عمق العلاقة التي يصنعها الطعام بين الناس.

كما أن رغبتي في استعادة نكهات البيت، خاصة وأنا على بعد ثلاث ساعات منه، دفعتني إلى تعلم الطهي بإتقان. وما بدأ بدافع الحاجة تحول سريعا إلى شغف، ثم إلى وسيلة للحفاظ على أجزاء من هويتي التي لم أكن أُدرك قيمتها تمامًا في سنوات طفولتي.

  • رغم سفرك واطلاعك على مطابخ وثقافات مختلفة، لماذا اخترتِ المطبخ المصري تحديدًا ليكون محور كتابك؟

الطعام المصري هو لغة طفولتي. ورغم استمتاعي باستكشاف مطابخ أخرى، لا شيء يمنحني الإحساس بالانتماء مثل الأطباق المصرية. فهي تحمل قصصًا عن أمي، ووجبات والدي المفضلة، ومصايف كنا نجفف فيها الباذنجان تحت الشمس، والتجمعات العائلية وعشاء المنزل الهادئ.

وحين كان الناس يسألون: “ماذا يأكل المصريون؟” أدركتُ كم أن مطبخنا يفتقر إلى التمثيل عالميا. لذلك شعرت أن كتابة هذا الكتاب وسيلتي لتكريم عائلتي، ومشاركة تقاليدنا، ومنح الطعام المصري المكانة التي يستحقها عالميًا.

  • لمن يوجه الكتاب بصورة أساسية: القارئ الأجنبي، أم القارئ المصري؟

كلاهما، ولكن بطرق مختلفة. فبالنسبة للمصريين، خاصة المقيمين في الخارج، يعد الكتاب وسيلة للعودة إلى نكهات الوطن. فأنا أؤمن أن وصفات التراث المصري لم تعد تورث بين الأجيال كما كانت في السابق.

أما القارئ العالمي، فيفتح له الكتاب بابًا على مطبخ غالبًا ما يتم تجاهله، رغم غناه التاريخي وتنوع نكهاته. لذلك كتبته على أمل أن يتمكن أي شخص، مهما كانت خلفيته، من اقتنائه والشعور بالثقة في طهي الطعام المصري في مطبخه.

غلاف الكتاب.. الصورة من دينا الضيف
غلاف الكتاب.. الصورة من دينا الضيف
  • كيف اخترت الوصفات التي يضمها الكتاب؟ وما المعايير التي استندت إليها؟

بدأتُ بالأطباق التي لا أستطيع تخيّل حياتي بدونها، تلك التي كانت تصنعها أمي وشكلت جزءا من طفولتي. ثم أضفت وصفات تحمل ذكريات قوية أو تمثل عناصر أساسية في الطهي المنزلي المصري.

كما راعيت سهولة الوصول إلى المكونات: هل يستطيع القارئ العثور عليها؟ وهل يمكنه إعادة إنتاج النكهة دون الحاجة إلى أدوات متخصصة؟ وبذلك عكست المجموعة النهائية توازنًا بين الحنين، والعملية، والرغبة في حفظ وصفات قد تندثر مع الوقت.

  • من وجهة نظرك، ما أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا عن المطبخ المصري لدى غير المصريين؟

يعتقد كثيرون أن الطعام المصري هو نفسه طعام الشرق الأوسط عمومًا، أو أنه كله ثقيل أو حار أو معقد. في الواقع، المطبخ المصري متنوع إقليميًا، وغني بالنكهات، وعميق في بساطته المريحة.

فهو يعتمد على مكونات بسيطة مثل الأرز، والعدس، والأعشاب، والطماطم، واللحوم. التي تتحول عبر تقنيات متوارثة إلى أطباق مميزة. ومن المفاهيم الخاطئة أيضًا أنه صعب التحضير، بينما يُفاجأ كثيرون بمدى سهولة إعداده وطابعه المنزلي الدافئ وقيمته الغذائية عند تجربته.

  • يخلو الكتاب من وصفات الخبز، رغم أنه عنصر أساسي في المطبخ المصري. هل كان ذلك معتمدًا؟

نعم، إلى حد ما. فالخبز مجال متخصص في الطهي المصري ويستحق مساحة مستقلة. فعلى سبيل المثال، يتطلب الخبز التقليدي تقنيات خاصة قد يصعب تكرارها في المنزل.

كما أن والدتي لم تكن تُعِد الخبز الطازج كثيرًا خلال طفولتي. لذلك شعرت أن تضمين نسخ مبسطة لن ينصفه، ففضلت التركيز على الأطباق التي أستطيع تعليمها بأصالة وثقة. وربما يكون للخبز مشروع خاص مستقبلًا.

  • هناك تركيز واضح على أطباق اللحوم في الكتاب؛ هل يرتبط ذلك بذكرياتك الشخصية أم بتصور أوسع عن تقاليد الضيافة المصرية؟

كلا الأمرين معًا. في طفولتي، كانت أطباق اللحوم عنصرًا أساسيًا على المائدة، وكان والداي حريصين على أن تتضمن وجبة العشاء التي نجتمع حولها مصدرًا للبروتين الحيواني في أغلب الأحيان.

وهكذا ارتبطت اللحوم في ذاكرتي بالوجبات الرئيسية، والاحتفالات، والتجمعات العائلية. كما أن الضيافة المصرية كريمة بطبيعتها؛ فالتعبير عن المحبة يكون غالبًا عبر الوفرة، وتعلب اللحوم دورًا محوريًا في ذلك. وفي الوقت نفسه، ترتبط أقوى ذكرياتي بأطباق مثل الكفتة، والدجاج المشوي، والكبيبة، لذلك كان من الطبيعي أن تحظى بمكانة بارزة في الكتاب.

  • يضمّ الكتاب وصفات تقليدية للغاية وأخرى أبسط وأكثر عصرية؛ كيف وازنتِ بين مخاطبة الطهاة المبتدئين وتقديم أطباق تحتاج خبرة أكبر؟

أردتُ أن يكون الكتاب مرحبًا لا مُرهبًا. بعض الوصفات، مثل الملوخية أو المحشي، تحتاج إلى صبر وممارسة، بينما توجد وصفات أخرى مناسبة لوجبة سريعة في منتصف الأسبوع.

والمزج بينهما يمنح القارئ فرصة البدء من المستوى الذي يناسبه، ثم تطوير مهاراته تدريجيًا. كما حرصت أيضًا على أن تكون التعليمات واضحة وسهلة، وفي الوقت ذاته دقيقة ومفصلة بما يكفي لضمان النجاح، حتى تبدو الأطباق الأكثر تعقيدًا قابلة للطبخ.

  • هل تفكرين في إصدار كتاب آخر يركز مثلًا على الخبز أو الأطباق النباتية؟

كنتُ أرغب في أن يكون «The Taste of Egypt» مجموعة شاملة، لكن عندما طُلب مني كتابة «Egyptian Flavors» احتفظت بالوصفات التقليدية مع إضافة بعض البدائل النباتية. وقد يكون هناك كتاب نباتي خالص بطابع شرق أوسطي في المستقبل، لا يقتصر على بلد واحد، بل يستلهم النكهات والتقنيات التي نشأت عليها.

أما كتاب مخصص للخبز فهو فكرة واردة، لكنه يتطلب بحثًا وتجارب مختلفة. وهو احتمال قائم بالتأكيد.

  • هل هناك وصفات وضعتها في الكتاب بهدف الحفاظ عليها من النسيان؟

نعم، مثل كعكة جوز الهند الخاصة بوالدتي، التي كانت تعتمد على كوب زجاجي محدد للقياس، وشعرتُ بأهمية توثيقها قبل أن تضيع.

كما بدت لي بعض أطباق اليخني والخضراوات التقليدية وصفات قد لا تصادفها الأجيال الجديدة ما لم يتم تدوينها. لذلك كان إدراجها في الكتاب طريقتي لتكريم أمي وضمان استمرار هذه الوصفات.

  • ما العنصر أو المكون أو الشيء الذي ترين أنه يعبر بعمق عن الثقافة المصرية؟

بالنسبة لي، هو اجتماع البساطة والكرم. فمكونات مثل الطماطم والبصل والثوم والأرز والأعشاب تتكرر في أطباق كثيرة، لكنها تتحول إلى وجبات غنية ودافئة. فالملوخية مثلًا ورقة خضراء بسيطة، لكنها تتحول إلى طبق مليء بالذكريات والمعنى. هذه القدرة على صناعة طعام نابض بالروح من مكونات بسيطة تعكس روح المطبخ المصري.

  • فيما يخص ورش الطهي التي تديرينها، كيف ترين دور التعلم العملي في نقل التقاليد إلى الأجيال الجديدة وإلى غير المصريين؟

التعلم العملي أساسي. فالمطبخ المصري مليء بالتفاصيل الصغيرة، مثل طريقة لف ورق الكرنب أو تعديل الطعم حسب الذوق، وهي أمور تكتسب بالمشاهدة والتجربة.

فالأمور لا تسير دائمًا بسلاسة في المطبخ، لذلك تتيح الورش للناس معايشة الواقع والتعرف إلى الروائح والقوام والتعديلات الصغيرة التي تمنح الطبق روحه. كما أنها وسيلة جميلة لمشاركة الثقافة، حيث لا يغادر المشاركون بالوصفات فقط، بل أيضا بالذكريات والقصص، وبثقة وتقدير أعمق للمطبخ المصري.

  • كيف تبسطين الأطباق التقليدية دون فقدان روحها؟

في الورش أكون أكثر تفاعلًا، أشرح وأجيب على الأسئلة وأعدل الوصفة حسب مستوى المجموعة. أما في الكتاب، فيكون علي توقع الأسئلة وكتابة التعليمات الخاصة بها بوضوح يسمح للقارئ بالمتابعة بمفرده.

وعند تبسيط الأطباق التقليدية أحرص على الحفاظ على النكهات والتقنيات الأساسية. قد أختصر بعض الخطوات أو أقدم بدائل لها، دون أن أفقد الطبق جوهره، لأن الهدف دائمًا هو جعل الطعام المصري متاحًا للجميع دون فقدان روحه الخاصة.

اقرأ أيضا:

الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

«أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

Back to top button
باب مصر
Close

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.