«دير الجنادلة» بأسيوط.. كنوز أثرية بين الجبل والتاريخ
يُعد دير أبو مقروفة «دير الجنادلة» في أسيوط أحد أبرز الأديرة القبطية التي تجسد امتداد الحياة الرهبانية في الصعيد عبر قرون طويلة، حيث يجمع بين الطابع الأثري والمعماري والفني في بيئة جبلية فريدة. ويكشف الدير، من خلال كنائسه المحفورة في الصخر وأيقوناته، عن مراحل متعاقبة من تاريخ الفن القبطي، إضافة إلى دوره الديني والخدمي الذي استمر عبر العصور.
دير أبو مقروفة
يقول علي أحمد محفوظ، مدير آثار غرب أسيوط للآثار الإسلامية والقبطية، إن دير الجنادلة، أو دير أبو مقروفة، يبعد عن مدينة أسيوط نحو 38 كيلومترا. ويقع غرب قرية دير الجنادلة بحوالي 3 كيلومترات. وقد ذكره المقريزي باسم “أبو مقروفة”، وهو من الأديرة المحفورة بالجبل الغربي.
ويضيف أن الدير أعيد استخدامه لإقامة الطقوس القبطية والمسيحية في أسيوط. وتعود مكوناته الرئيسية إلى القرن السادس الميلادي، ويضم كنائس لا تزال قائمة حتى الآن. من أهمها كنيسة صخرية باسم السيدة مريم، وكنيسة القديسين بطرس وبولس التي أنشئت في العهد العثماني عام 1765.
اقرأ أيضا: كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة
سور من الحجر
يتابع محفوظ أن من أبرز ما يميز الدير سوره الخارجي المبني من الحجر في الجزء السفلي. بينما شيد الجزء العلوي من الطوب اللبن، وهو سور مزدوج خال من البروزات، بما يحقق الحماية ويمنع تسلقه. ويضمن عزلة الرهبان بعيدا عن الحياة الخارجية، وفقا لقواعد الرهبنة. كما يضم الدير بئرا محفورا بعمق 45 مترا، أول 15 مترا منها منحوتة في الصخر. بينما استكملت بقية العمق بالحجر المهذب، ولا يزال قائما حتى اليوم.
ويشير إلى أن القيمة الأثرية للدير تكمن في كونه من الأديرة النادرة ذات الموقع المميز. حيث يضم شواهد أثرية تمتد من القرن الأول الميلادي، تتمثل في كتابات بالمداد الأحمر والأسود. ما يدل على وجود رهبنة مبكرة في المنطقة.
ويعكس الفن القبطي داخل الدير مراحل تطوره، حيث كانت البدايات بسيطة تشبه “الطفولة”، ثم مرحلة “الشباب” في القرن السادس الميلادي. وصولا إلى الزخارف النباتية والهندسية التي استمرت حتى العصر العثماني في القرن التاسع عشر. مع اختلاف واضح في التخطيط المعماري وتقسيمات الكنيسة، خاصة في الأسقف.
الترميم الكامل
يحكي محفوظ، أن المجلس الأعلى للآثار والهيئة المختصة بالآثار القبطية والإسلامية وضعا خطة متكاملة لترميم الدير. خاصة بعد ظهور شروخ في جدران الكنيسة، وتأثر التصاوير الجدارية بالدخان الناتج عن أعمال التدفئة في فصل الشتاء، ومنذ عام 2010 بدأ ترميم الحجاب داخل الكنيسة الرئيسية، وكان في حالة متدهورة. وخلال أعمال الترميم تم الكشف عن زخارف طوبية بعد إجراء كاشفات على العقود وتقسيماتها.
ويشير إلى أنه تم ترميم كنيسة القديسين بطرس وبولس، بعد أن تدهورت حالتها الإنشائية حيث ظهرت بها تصدعات وشروخ وانفصالات، ما استدعى تدعيمها بترميم إنشائي شامل، ويعد الدير نموذجا يجمع بين العمارة والفنون، إذ تغطي جدرانه زخارف وتصاوير متنوعة نباتية وآدمية وكتابية تضم حروفا قبطية.
ويوضح محفوظ، أنه خلال أعمال الترميم، ظهرت تفاصيل جديدة مثل ملابس قديسين وحروف قبطية لم تكن مرئية من قبل. إلى جانب أجزاء آدمية تم توثيقها وحفظها ضمن ملف الأثر.
مؤسس دير الجنادلة
يقول القس تادرس الأورشليمي، أمين دير السيدة العذراء مريم بقرية دير الجنادلة، إن هذا المكان يعد من المواقع التي يعتقد أن العائلة المقدسة استقرت فيها قبل رحيلها. وأن الدير يعود تأسيسه إلى القرن السادس الميلادي.
ويرجع تاريخ تأسيس الدير إلى الأنبا مقروفيوس، ابن الملك قاو، الذي كان يعيش شرق نيل أسيوط. ولد عام 490م، وتربى على يد قسيس يدعى الأنبا ماي سيس، ثم جاء إلى المنطقة عام 520م. وقام بتأسيس خمسة أديرة متجاورة، ضمت أكثر من ألفي راهب وراهبة. وكان أحد هذه الأديرة مخصصا للراهبات فقط، ولعبت هذه الأديرة دورا في خدمة المناطق المحيطة من خلال التعليم والرعاية الصحية.
وقد سمع البابا سيوادسيوس، بفضائل الأنبا مقروفيوس، فأرسل إليه يدعوه لزيارة الإسكندرية. وقام برسامته كاهنا، ويضيف الأورشليمي، أنه تقديرا لمحبته، خرج أهالي ثلاث قرى في استقباله بأغصان الزيتون وسعف النخيل، وأطلقوا اسمه على المكان. ليعرف “دير أبو مقروفة” نسبة إلى الأنبا مقروفيوس.
سبب التسمية
يوضح القس تادرس الأورشليمي، أن اسم “دير الجنادلة” استقر لاحقا بسبب تشابه الصخور المحيطة بالدير مع “الجندول” أو الجندل. وهو ما دفع السكان إلى إطلاق هذه الاسم على المنطقة. وقد توفي الأنبا مقروفيوس عام 554م، ولم يعرف مكان جسده إلا بعد نحو 700 عام. حين عثر عليه شماس يدعى لوس التلاوي أثناء بحثه عن غنمه في الجبل. حيث وجد الجسد كاملا ومعه لوحة حجرية مكتوب عليها اسمه.
وتم نقل الجسد على جمل سار وحدة لمسافة نحو 3 كيلومترات حتى توقف في موقع الدير الحالي. وتم الدفن تحت مذبح الكنيسة، ويضم الدير كنيستين، إحداهما كنيسة السيدة العذراء، التي كانت في الأصل مغارة فرعونية تعود إلى القرن الأول الميلادي، حولها الأنبا مقروفيوس إلى كنيسة في القرن السادس، وتحتوي على مذابح متعددة، منها مذبح الملاك ومذبح العذراء. بالإضافة إلى المعمودية، وتضم ثلاثة أبواب.
اقرأ أيضا: «سانت أوجيني».. أقدم كنيسة في بورسعيد تحكي تاريخ الجاليات
تقسيمات الكنيسة
تنقسم الكنيسة إلى ثلاثة خوارس، يبدأ الأول بالمستوى الأعلى ثم يتدرج إلى مستويات أدنى، ولكل مستوى دلالته الخاصة. حيث يخصص الأول للمؤمنين المستعدين لتناول الأسرار الإلهية. ويعكس السقف رموزا مثل شكل القربان أو الكأس. بينما تتوسط الكنيسة قبة تحتوي على 24 خطا باللون الأخضر ترمز إلى الملائكة. وتضم أيقونات وفرسكيات تعود إلى القرنين الثامن والعاشر الميلاديين.
كما توجد طبقتان من الفرسكيات مرسومتان فوق بعضهما، من بينهما أيقونة تجسد التلاميذ مع السيد المسيح. بالإضافة إلى جزء يمثل الملاك جبرائيل. وكانت الكنيسة مليئة بالفرسكيات والأيقونات، لكن أعمال تخريب حدثت في أواخر القرن الثامن عشر. حيث دفع دخول الحمل الفرنسية إلى مصر، هروب المماليك إلى الصعيد. ما أدى إلى تعرض عدد من الكنائس والأديرة، ومنها دير الجنادلة وتحديدا كنيسة السيدة العذراء، للتخريب.
وفي تلك الفترة، لم يكن هناك رهبان داخل الدير بسبب ما تعرض له من اعتداءات. حيث لجأ إليه بعض الخارجين عن القانون، وكانوا يظنون أن الأيقونات تنظر إليهم، فكانوا يشعرون بالخوف، لذلك قاموا بمحو عيون الأيقونات.
خورس الموعوظين
أما الخورس الثاني فهو خورس الموعوظين، والمقصود بهم غير المعمَّدين الذين سمعوا عن تعاليم المسيح وأحبوا الدخول إلى المسيحية. لكن لم يُعمَّدوا بعد، إذ يجب أن يؤمنوا أولًا ثم يتم تعميدهم. ويتميّز هذا الخورس بمكان الوعظ، حيث «المنبر» وهو عبارة عن صخرة مرتفعة في أحد الأركان تتدرج منها أربع درجات سلم، تم نحتها من نفس الصخرة، وكان الكاهن يعظ من فوقها، التي ترمز إلى الإيمان.
وفي هذا الخورس توجد عشرة طاقات صغيرة ترمز إلى الوصايا العشر. حيث استلمها موسى النبي على لوحين؛ اللوح الأول يضم أربع وصايا، واللوح الثاني ست وصايا. وفوق الطاقات صفّان من النجوم يحيطان بالكنيسة، وترمز النجوم إلى القديسين. بينما تعلوها صلبان تحيط بالمبنى، وكل صليب يحمل حروفًا قبطية ترمز إلى السيد المسيح.
خورس الباكين
الخورس الأخير هو خورس الباكين أو التائبين، وهو أقلهم من حيث المرتبة الروحية. ويتميز بوجود فتحة في أعلى السقف. وقد ذُكر أنه نزل منها زيت في بعض الحالات الخاصة. ويجلس في هذا الخورس من هم حديثو الإيمان. كما يوجد «حامل الأيقونات» المصنوع من حجارة منحوتة من الجبل، والتي تعود إلى القرن الأول الميلادي. بينما تعود نقوشه إلى القرن السادس الميلادي.
ويضيف القس تادرس الأورشليمي أن هناك حجرًا مزخرفًا بنقوش للعنب والزيتون وحمامة، يرمز إلى أسرار الكنيسة. حيث ترمز الحمامة إلى الروح القدس. كما يوجد «مفتاح الحياة» الذي يرمز إلى الصليب، ونصف سمكة على أحد الجوانب ترمز إلى المسيح. إذ كانت السمكة في العصور الأولى رمزًا للطهارة والنقاء في اللغة اليونانية.
وتخدم الكنيسة، أو الإيبارشية، ثلاث مناطق رئيسية هي: أبوتيج، وصدفا، والغنايم، كما يقصدها أيضًا زائرون من خارج الإيبارشية. وقد توارثوا الاعتقاد ببركة المكان بفضل مرور العائلة المقدسة به.
اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور









