دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

داود عبد السيد: الهامش، التصوف، الاقتباس

أذكر لقاءً مهما جمعني بالمرحوم الفنان داود عبد السيد في منتصف التسعينات، ولعله عام 1996. كنت أدير ندوة معه بعد عرض فيلم “أرض الأحلام” (1993) في نادي سينما الجزويت بمنطقة رمسيس. كان المرحوم الأب وليام سيدهم ابن الرهبنة اليسوعية أو الجزويت قد أعاد إحياء نادي السينما بالمدرسة قبلها بعامين أو ثلاثة.

وفكرة نادي سينما يعرض الأفلام المتميزة ويناقش القضايا التي تطرحها على المستوى الأخلاقي والفكري والفني هو أحد الأنشطة التاريخية التي تفردت به الجزويت في مصر منذ الستينات. وقتها أنشأ الأب بول وارن الراهب والناقد السينمائي أول نادي سينما بمدرسة الجزويت. في مطلع، كلفني الأب وليام أنا والفنان المخرج أيمن مكرم بإدارة نادي السينما وندواته حوالي عام 1993 أو 1994.

ومن بين الندوات التي أعتز بها كان ذلك اللقاء مع المخرج الكبير داود عبد السيد. تلقى الأستاذ داود سؤالاً من القاعة حول اهتمامه بعالم المهمشين في أفلامه، فبدأ إجابته بالإشارة إلى مقالي عن سينما الهامش المنشور في العدد 124 لمجلة “أدب ونقد”، الصادر في ديسمبر 1995 بعنوان “سينما الهامشيين والمهمشين”. وربما كان السؤال عن ما يتصوره بعض المتابعين من تحول داود عبد السيد عن تصوير الهامشيين في أفلام مثل “الصعاليك” (1985) و”الكيتكات” (1991) و”سارق الفرح” (1995) واهتمامه بتصوير عالم بورجوازي في “أرض الأحلام”.

سينما الهامش

أعتز بهذه الدراسة المنشورة في مجلة “أدب ونقد” عن تصوير الهامش في السينما لأنني أزعم أنها الأولى من نوعها التي ترصد مساحة تصوير الهامش الحضري بين سكان المدينة في سينما الواقعية الجديدة عند داود عبد السيد وعاطف الطيب وآخرين من ذلك الجيل السينمائي الفذ.

من الذاكرة، أذكر أنني ميزت بين من أسميتهم الهامشيين ومن أسميتهم المهمشين. المهمشون هم في تصوري أبناء الشرائح الأبسط في الطبقة المتوسطة أو أدناها والذين تعرضوا للتهميش بفعل سياسات الانفتاح الليبرالي في منتصف السبعينات، بحيث أزيحوا من مواقع كانت تضمن لهم عملاً منتظماً معقولاً ومنتظماً ومعروفاً، وتمنحهم قدراً من الستر يجعلهم قادرين على السكن في المدينة أقرب ما يكون إلى أحياء منظمة مخططة لا في مناطق شديدة الفقر خالية من الخدمات، وبالتأكيد ليس في مناطق عشوائية. هؤلاء هم من يصورهم أحياناً عاطف اطيب، مثلاً في “سواق الأوتوبيس” و”حب فوق هضبة الهرم”.

***

أما الهامشيون فكما عرفتهم في مقالي المنشور عام 1995، هم “سواقط الطبقات بالمصطلح العلمي، الذين يعيشون خارج كل الطبقات وخارج كل المهن، وخارج كل المؤسسات الاجتماعية مثل مؤسسة «العائلة» وغيرها، وفي عبارة واحدة: خارج المجتمع”.

وأوضح مثال للهامشيين بهذا التعريف موجود في سينما داود عبد السيد. فالهامشيون هم من يعيشون في عشوائيات خارج التخطيط العمراني، غالباً في عشش ومدن صفيح، وهم عادة لا يمارسون أعمالاً منتظمة ولا “محترمة” بمقاييس الطبقة المتوسطة ولم يحصلوا على قدر من التعليم يتجاوز المرحلة الإعدادية. نموذج قوي لتصوير الهامشيين في السينما هو شكل وأداء وسلوك أبطال فيلم “سارق الفرح” لداود عبد السيد. لكن الشريحة نفسها هي بطلة فيلميه “الصعاليك” و”الكيتكات”.

***

وربما كان الفيلم الأخير ملتبساً من حيث تصنيف عالمه الاجتماعي. فالكيتكات حي في وسط الكتلة العمرانية للجيزة وأبطاله يعملون بشكل “شرعي”، فهم أقرب لمن وصفتهم بالمهمشين (بفعل سياسات الانفتاح)، وإن كانت بعض سلوكياتهم، وممارستهم للنصب، مثلما تفعل شخصية الشيخ حسني، تضعهم أحيانا في خانة الهامشيين.

الواقع أن النظرة الشاملة للعوالم الاجتماعية التي صورها داود عبد السيد تؤكد احتفاءه بالهامش في كافة أفلامه، ليس فقط بالمعنى الاجتماعي الدقيق، بل أيضاً بالمعنى السلوكي و”الأخلاقي”. فلا شك أن العالم الاجتماعي الذي صوره داود عبد السيد في “أرض الأحلام” و”قدرات غير عادية” (2015)أبعد ما يكون عن عالم المطرودين من الشرائح البسيطة من الطبقة الوسطى أو من المتن الحضري للمدينة. لكن في الفيلمين هو عالم على هامش العقل والتصرف “العاقل” في الطبقة الوسطى. لذلك يلعب كلٌ من السحر والعامل الخارق للواقع والعجائبية أدواراً هامة في الفيلمين.

أحمد زكي في مشهد من فيلم أرض الخوف.. مصادر مفتوحة
أحمد زكي في مشهد من فيلم أرض الخوف.. مصادر مفتوحة
سينما التصوف

كتب الكثيرون عن إمكانية تفسير فيلمي “البحث عن سيد مرزوق” (1991) و”أرض الخوف” (2000) تفسيراً صوفياً. وكأن سيد مرزوق -على سبيل المثال- مجاز ميتافيزيقي. فالبطل نور الشريف يبحث عن شخصية سيد مرزوق (علي حسنين) طوال الفيلم. ثم يعثر البطل على سيد، ولكن لا يفهم حكمته أو الحكمة من تصرفاته الغريبة. فيبدو سيد مجازاً لتلك الدائرة التي يسعى الباحث عن الحقيقة إلى التواصل معها، ثم إلى فهم سرها، لو أسعده الحظ ووصل إليها.

كذلك فزعيم العصابة الأكبر أو المعلم الأكبر في “أرض الخوف”، ربما يرمز إلى تجسد الحكمة المطلقة في الدائرة العلوية، مثلما يشيع تفسير مماثل لشخصية الجبلاوي في رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ. وقد نرى في رحلة البطل أحمد زكي في البحث عن المعلم، مروراً بمحطات واختبارات مختلفة، مجازاً للرحلة الصوفية التي يغذيها الشوق إلى الحبيب، عبر معراج روحي يمر بمقامات مختلفة.

***

فكرة البحث عن شخصية لها ثقل رمزي أو البحث عن أب أو بديل للأب فكرة صوفية، كثيراً ما طرقها الأدب والفن. ولتلك التيمة صدى في رواية “الطريق” لنجيب محفوظ وفي الفيلم الذي أخرجه حسام الدين مصطفى بالعنوان نفسه. فرشدي أباظة في الفيلم، وهو الباحث عن التواصل مع أبيه (واسم الأب بالمصادفة “سيد” أيضاً) يبدو مجازا للباحث عن السلام الروحي عند شخص له هالة رمزية كبيرة، أو قدسية. وينتهي “الطريق” في الفيلم بإخفاق الرحلة وفشل الصوفي/المرتحل/الساعي رشدي أباظة في الوصول إلى أبيه/الفردوس/المعنى.

أما عند داود عبد السيد، فقسوة الامتحان الإيماني تنجم عن نجاح الساعي/الباحث في الوصول إلى الشخص المأمول التواصل معه (سيد في “سيد مرزوق” والمعلم الأكبر في “أرض الخوف”). لكن لا ينتج هذا التواصل راحة ما ولا كشف أو طمأنة أو “معنى”. بل إن اتصال البطل يوسف بغاية بحثه سيد، واتصال الضابط يحي/آدم بالمعلم الأكبر هدهد يتسبب في ازدياد حيرة الباحث عن الحقيقة وعن السلام الروحي، لأنه يكتشف أن غاية بحثه لا يوفر له إجابات شافية عن تساؤلاته، بل يتصرف بشكل يصعب فهمه والاطمئنان إلى الحكمة منه. أو يصرح غاية البحث، مثل المعلم هدهد، بما يجعل الساعي إلى الحق يشك في حكمة المعلم ويشعر بما قد يكون عبثاً.

***

على أن هذا الملمح التشككي في التصوف عند عبد السيد لا ينفي عمق الرمزية الصوفية للشخصيات والأحداث. فالأسماء وحدها محملة برمزية صوفية واضحة. المبتغى في “سيد مرزوق” اسمه سيد، وهو اسم من أسماء المسيح (السيد)، وربما لا تكون مصادفة أن اسم المخرج نفسه هو “عبد السيد”. أما الضابط الباحث عن الحق في “أرض الخوف” فيحمل اسم المعمدان “يحي” الذي مات شهيداً للحق في الكتاب المقدس، وعندما يتحول الضابط إلى شخصية تدعي الإجرام كجزء من عملها الأمني، يحمل اسم أبي الأنبياء “آدم”، أكثر البشر اقتراباً من الدائرة الإلهية، لأنه الوحيد -مع حواء- الذي لامس جسده يد الله، وفقاً للكتاب المقدس.

رغم الملمح الصوفيفي فيلم “أرض الخوف”، فلاشك أن هناك صدى لفيلم “الأب الروحي” أو “العراب”، بل ولمجمل الثلاثية التي تحمل الاسم نفسه، من إخراج فرانسيس فورد كوبولا. فـ”أرض الخوف” يشير إلى الصراع في دائرة تجار المخدرات بين المؤمنين بترويج الحشيش -المفترض أنه أقل ضرراً من الناحية الصحية، والأقرب للمزاج التراثي التقليدي- والمؤمنين بالترويج للمخدرات المخلقة مثل الكوكايين والهيرويين، التي تتسبب في أضرار صحية فادحة والتي تمثل استيراداً لعادات غربية بالغة السوء. وذلك الخط الدرامي قادم من ثلاثية كوبولا. كذلك الحال بالنسبة لمشهد المذبحة التي يتعرض لها تجار المخدرات في إطار الصراع بينهم. وهو خط يدمغ ثلاثية كوبولا.

الاقتباس السينمائي

لا يقتصر الاقتباس عند داود عبد السيد على فيلم “أرض الخوف”. فلعدة عقود، غاب عن الكثيرين أن داود عبد السيد قد اقتبس فكرة البطل الأعمى الذي “يقود العميان” في فيلم “الكيتكات”من فيلم “عطر امرأة” الذي أخرجه الإيطالي دينو ريسي عام 1974. في الفيلم الإيطالي، البطل فاوستو/فيتوريو جاسمان ضابط متقاعد كف بصره بعد حادث انفجار قنبلة. لكنه مثل الشيخ حسني/محمود عبد العزيز في “الكيتكات” يتصرف وكأنه مبصر، بل وأحيانا ما يصف الطريق للمبصرين.

وهو أيضاً قوي الشخصية، بل ومتسلط وسليط اللسان ويعشق النسوان. وكذلك فالصداقة بين شيخين كفيفين (محمود عبد العزيز وعلي حسنين) في “الكيتكات” مقتبسة من العلاقة نفسها بين الضابط الأعمى المتقاعد وصديقه الأعمى في الفيلم الإيطالي.

من أعظم مشاهد السينما العربية مشهد الشيخ حسني في فيلم داود عبد السيد “الكيتكات” وهو يقود دراجة موتوسيكل في شوارع وأزقة حيه الشعبي بينما هو أعمى. والمشهد يشبه مشهد قيادة آل باتشينو -في دور الضابط السابق الكفيف- لسيارة فيراري، رغم كف بصره، في الفيلم الأمريكي “عطر امرأة”، من إخراج مارتن برست عام 1992.

***

المدهش أن الفيلم المصري قد عُرضَ في سبتمبر عام 1991، وأن الفيلم الأمريكي “عطر امرأة” قد دخل مرحلة الإنتاج في ديسمبر عام 1991 وعرض عام 1992، أي أن الفيلم الأمريكي قد ظهر بعد أقل من عام من عرض فيلم داود عبد السيد.

أستبعد أن يكون الفيلم الأمريكي قد سارع باقتباس مشهد الأعمى الذي يقود مركبة من الفيلم المصري. وتفسير هذا التشابه هو أن الفيلمين المصري والأمريكي يقتبسان من الأصل السينمائي الإيطالي الذي أنتج عام 1974. إلا إن النسخة الإيطالية التي شاهدتها لا تتضمن مشهدا للبطل الكفيف وهو يقود سيارة أو موتوسيكل. وربما جاءت الفكرة من الأصل الروائي. فالفيلم الإيطالي مقتبس عن رواية نشرها جيوفاني أربينو عام 1969، بعنوان “الظلام والعسل”.

لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن “الكيتكات” يتضمن مشهداً آخر مقتبساً من فيلم أقل شهرة من “عطر امرأة”،وهو الفيلم الفرنسي “أورانوس” الذي أخرجه كلود بيري عام 1990. في الفيلم الفرنسي، يسكر صاحب المطعم/الحانة جيرار دوبارديو، ويثرثر كاشفاً كل الأسرار المحرجة والمشينة التي يخفيها أبناء مدينته الصغيرة، من خلال بوق مكبر صوت. وهي الفكرة التي استعادها داود في “الكيتكات” في المشهد الذي “يبعبع” فيه محمود عبد العزيز/الشيخ حسني بما يعرفه عن الأسرار المشينة لسكان منطقته، دون أن يلاحظ أن مكبر الصوت مفتوح بجانبه، بسبب كف بصره.

الفنان والصانع

ربما يكون داود عبد السيد آخر المقتبسين العظام في السينما المصرية. فهو يتمثل التقاليد الراسخة للاقتباس والتحوير والتمصير في تاريخ السينما العربية. يلتقط أفكارا من أفلام غربية، ويطوعها للسياق المصري، ويمزج بين أكثر من فكرة قادمة من مصادر مختلفة، ليصهر كل هذا في بوتقة فيلمه الخاص. وكما العادة في الكلاسيكيات المصرية الكبرى، تكتسب اللحظات الممصرة في أفلام داود قيمة فنية ودلالية أكبر من المشاهد المعادلة في الأفلام الغربية.

يكفي أن نلاحظ مشهد آل باتشينو الأعمى وهو يقود سيارة فاخرة في الفيلم الأمريكي “عطر امرأة”. فهو مشهد يساهم في تعزيز صورة البطل الأبيض، العسكري السابق، الذي لا يقف أمام أية عوائق، والذي يخضع العالم لقوة عزيمته فيهزم حتى عاهته. يجري بسيارته في شوارع مدينة ثرية في فضاءات الطبقة الوسطى الحضرية بشرائحها فوق المتوسطة.

بينما الفكرة البصرية نفسها عند داود في فيلمه”الكيتكات” تنتج دلالة إنسانية وطبقية مختلفة. فلحظة انطلاق محمود عبد العزيز بالموتوسيكل لحظة “جنون” وانعتاق المحروم للحظة من قيود الحياة والعالم المادي. وكأنها لحظة تنفيس عن البسطاء، يعودون بعدها فيرزحون ثانية تحت نير ظروفهم القاسية من فقر ومن عاهة وإعاقة.

هذا الفارق بين سينما هوليودية تسعى وراء خلق إنسان خارق، لاسيما إن كان ممثلاً للآلة العسكرية الأمريكية، وبين سينما داود عبد السيد التي تتحرك عدستها محاذية للبسطاء وملح الأرض.

اقرأ أيضا:

«حسن الإمام»: الجسد الحر مجازا للأمة المستقلة

عوالم حسن الإمام: «بديعة الكاميليا» و«غادة مصابني»

حكاية الغناء والعروبة مع الزمان

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.