حين تتحول الشوارع إلى ذاكرة.. حكاية «أرشيف الإسكندرية»
المدينة ليست فقط مباني شاهقة، بل ذاكرة يمكن تتبعها في التفاصيل الصغيرة، مثل شرفات حجرية قديمة، وواجهات مبانٍ تختفي خلف اللافتات، وحكايات تنتقل من المقاهي إلى الأزقة. في الإسكندرية، تتغير ملامح المدينة بسرعة، ومعها تختفي كثير من هذه التفاصيل التي تحمل جزءًا من تاريخها.
من هنا جاءت فكرة مشروع «أرشيف الإسكندرية»، الذي يسعى إلى توثيق ما تبقى من ملامح المدينة قبل أن تختفي. يقود المشروع إسلام علي عبد القادر، شاب سكندري من حي بحري، بدأ بمحاولة بسيطة: أن يوثق المباني والواجهات التي يمر بها يوميًا في شوارع المدينة.
جولة في الإسكندرية القديمة
“لو بصينا فوق هيبقى صعب نشوف حاجة”. بهذه العبارة بدأ إسلام حديثه وهو يصطحبني في جولة مع بعض أعضاء فريق “أرشيف الإسكندرية”.
نشأ إسلام في حي بحري، وكان منذ صغره يستمع إلى والده وهو يحكي عن مبانٍ قديمة وأحياء تغيّر شكلها أو اختفت بالكامل. بعضها رآه بنفسه، وبعضها لم يعد له أثر. يقول مبتسما: “كنت بضايق لما ألاقي الحاجة اتهدت، فقلت خلاص… نصورها ونحافظ عليها بقدر المستطاع”. وكما وثّقت عدسات القرن التاسع عشر تحولات المدن حول العالم، يستخدم إسلام التصوير اليوم للغرض ذاته، لكن هذه المرة في محاولة لحفظ ما تبقى من ذاكرة الإسكندرية.
نسير معًا في شوارع المنشية والجمرك، مرورًا بزنقة الستات وسوق الترك، حيث تتلاصق المحال وتتشابك اللافتات فوق المارة، فتجعل النظر إلى أعلى صعبًا أحيانًا. السماء هنا محجوبة بكثرة الإشغالات واللافتات، حتى صارت الشرفات القديمة والزخارف الحجرية تفاصيل لا يلتفت إليها كثيرون.
إسلام خريج كلية العلوم، يعمل في مجال التسويق، لم يكتفِ بالتصوير كهواية، بل حوّله إلى مشروع متكامل: أرشيف رقمي للإسكندرية لا يوثق العمائر فقط، بل يحاول أن يحفظ روح المدينة وتفاصيلها الصغيرة.
ويقول أثناء الجولة: “أنا بصور الحاضر والماضي وبوريهم الحاضر ده كان عامل إزاي زمان. وبوريهم وضعه الحالي لأنه مش مضمون يفضل قاعد معانا شوية ولا يقع أو يتشال، وفي نفس الوقت بوثق من كل الاتجاهات”.

بداية الفكرة
بدأت الفكرة في السادس من سبتمبر عام 2023، عندما مرّ إسلام بموقع عمارة قديمة جميلة هدمت، بجوار أحد المحال الشهيرة في شارع طوسون، (صلاح سالم سابقًا). لم تكن مجرد مبنى عادي؛ كان فيها شيء من بهاء الماضي. شعر بالضيق وهو يتأمل حالها، ومن هنا جاءت الفكرة: لماذا لا يُوثَّق هذا كله قبل أن يختفي؟
فأنشأ صفحة على فيسبوك باسم “أرشيف الإسكندرية”، وبدأ ينشر الصور التي يلتقطها، ويشارك الجمهور ما يعثر عليه من وثائق ومعلومات. وبمرور الوقت تحولت الصفحة إلى مشروع أكبر، حتى أطلق الأرشيف الرقمي رسميًا في عام 2026 بعد أكثر من ثلاث سنوات من العمل المتواصل.
أرشيف تشاركي
يقول إسلام: “أرشيف الإسكندرية تشاركي. أي سكندري أو أي حد معاه صورة، مصري أو أجنبي، يقدر يدخل يرفعها، والمعلومات بتتراجع ويتكتب مصدر الصورة”.
المنصة لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تتيح للمؤسسات أيضًا، مثل الكنائس وغيرها من الجهات التي تمتلك أرشيفات خاصة، أن ترفع صورها وموادها التاريخية. وهكذا تتحول الذاكرة من مجهود فردي إلى مسؤولية جماعية يشارك فيها سكان المدينة أنفسهم.
ولا يقتصر الأرشيف على الصور وحدها؛ فالموقع يضم أيضًا مقالات تاريخية، وبودكاست، وموسيقى وأغانٍ تعكس روح الإسكندرية. الموقع متاح باللغتين العربية والإنجليزية، ويمكن للمستخدمين إدخال البيانات بأي منهما، مع توثيق المصادر وحقوق الملكية، حتى تبقى المادة محفوظة للأجيال القادمة. وخلال جولتنا في شوارع الإسكندرية القديمة، تظهر أمامنا نماذج كثيرة من المباني والمعالم التي يحاول الأرشيف توثيقها قبل أن تختفي.

مساجد وبيوت تحكي التاريخ
نواصل السير حتى نصل إلى مسجد الشوربجي، أحد أقدم مساجد الإسكندرية، والذي أُنشئ عام 1758 ميلادية. وهو مسجد معلق، وطراز نادر نسبيًا في المدينة. يشير إسلام إلى المدخل المغلق، ويخبرني أن نحو 48 مليون جنيه أُنفقت عام 2009 على مشروع لترميمه، لكن الأعمال لم تُستكمل.
نصعد درجات السلم في محاولة لاستراق نظرة إلى الداخل، إلا أن الباب مغلق بإحكام، وأمام المدخل يتراكم الركام. يخبرني إسلام أن هناك من يسكن في الملحق الخاص بالمسجد؛ غرف أو شقق صغيرة تطل على ساحة داخلية، كأن التاريخ والواقع يعيشان في مساحة واحدة.
من هناك نتجه إلى مسجد تربانة، الأقدم من الشوربجي بنحو مئة عام، الكائن في شارع فرنسا. أعمدته الرومانية القديمة تحكي عن عصور متداخلة، لكن المسجد مغلق أيضًا.
ذاكرة بين شرفتين
نواصل السير حتى نقف أمام أحد البيوت المتهدمة في حارة اليهود. بينما نلتقط الصور، تمرّ امرأة مسنّة وتتوقف لتحدث إسلام. تشير إلى المبنى المهدّم وتخبره أنه كان بيتها القديم. بعد سقوطه، نُقلت لتسكن في منزل مقابل له مباشرة.
اللافت أن ما يفصلها عن حياتها السابقة شارع ضيق لا يتجاوز خطوات قليلة. من نافذة بيتها الجديد، تطل يوميًا على أطلال بيتها القديم. المشهد لا يحتاج إلى تعليق؛ ذاكرة معلقة بين شرفتين.
في حارة اليهود، لا يبدو الأرشيف مجرد موقع إلكتروني أو منصة لرفع الصور، بل محاولة لتثبيت لحظة قبل أن تختفي. وبينما تمضي السيدة في طريقها، يرفع إسلام هاتفه ليلتقط صورة أخرى. فقد لا يستطيع منع الهدم أو تغيير مسار المدينة، لكنه يحاول على الأقل أن يحفظ ملامحها من السقوط في النسيان.
اقرأ أيضا:
تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام
«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال
مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»



