دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«حمام عزوز».. وعود غير مُنجزة لترميم آخر حمام شعبي في رشيد

في عام 1982، انطفأت نار موقد «حمام عزوز» بمدينة رشيد للمرة الأخيرة. حينها انتقلت ملكيته إلى هيئة الآثار، وسُجل كمبنى أثري ضمن خطة للترميم، إلا أنه ما يزال مغلقا حتى الآن، رغم إدراجه ضمن مشروع تحويل مدينة رشيد إلى متحف معماري مفتوح أمام السياحة العالمية.

لا يُمكن فهم قيمة «حمام عزوز» دون إدراك السياق التاريخي لمدينة رشيد نفسها. ففي القرن السابع عشر الميلادي، أنشئ الحمام كوقف خيري لصالح مسجد زغلول، في وقت كانت فيه رشيد الميناء التجاري الأول في مصر، ومحطة التقاء القوافل من البحر المتوسط والدلتا.

ومع ازدهار الحركة التجارية، برزت الحاجة إلى منشأة خدمية تليق بالمدينة، فظهرت الحمامات العامة ليس فقط كمقاصد للنظافة، بل كمراكز للرفاهية وملتقيات اجتماعية.

وعود الترميم

في ديسمبر 2024، نشرت الوحدة المحلية لمركز ومدينة رشيد بيانا بشأن متابعة إجراءات ترميم آثار المدينة التاريخية، بالتنسيق مع إدارة آثار رشيد. وركزت فيه على حمام عزوز المجاور لمسجد زغلول الأثري.

وأكد البيان الحرص على الحفاظ على آثار المدينة والمناطق الأثرية بها، في ضوء توجيهات رئيس الجمهورية. لما تتمتع به رشيد من مكانة تاريخية علي خريطة الآثار العالمية، ووضعها بين المدن ذات التاريخ العريق.

وأشار البيان إلى تأكيد أحمد حبالة، مدير تفتيش آثار رشيد، أن حمام عزوز مُدرج ضمن خطة وزارة الآثار لتحويل مدينة رشيد إلى متحف مفتوح. ووضعها على خريطة السياحة العالمية خلال 3 سنوات، بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2017.

الشارع الذي يوجد فيه حمام عزوز برشيد.. تصوير: محمد عوض
الشارع الذي يوجد فيه حمام عزوز برشيد.. تصوير: محمد عوض
الأثر الباقي للحمامات الشعبية

يقول محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بإدارة آثار رشيد: “كان يوجد بالمدينة سبعة حمامات شعبية، ولم يتبق منها سوى حمام عزوز. ومثل كثير من المنازل الأثرية في رشيد، نٌسب اسمه إلى مالكه الأخير في الخمسينيات. ثم تحول إلى أملاك أميرية بقرار من الملك فاروق. قبل أن تنتقل تبعيته إلى مجلس الآثار عقب تسجيله أثرا عام 1982”.

تاريخ البناء بوظيفة خيرية

يعود تاريخ إنشاء “حمام عزوز” إلى العام الحادي عشر الهجري، الموافق للقرن السابع عشر الميلادي. على يد مالكه الأول عبد الرحمن بن حجازي، وشهرته “ابن جامع”. ولم يكن الحمام مجرد مشروع استثماري، بل خصص كوقف خيري يُصرف ريعه على صيانة وترميم “جامع زغلول” الأثري.

ويعد الحمام تحفة معمارية تتبع الطراز المملوكي في تخطيطها الداخلي، رغم نشأتها في العصر العثماني. حيث يعكس التصميم براعة في التعامل مع المساحات الضيقة. مع توفير الخصوصية الكاملة وضمان تدفق الحرارة والضوء.

وبحسب وصف محمود الحشاش، يتكون الحمام من دورين؛ الدور الأرضي المخصص لعمليات الاستحمام والتطهر. والدور العلوي الذي كان مخصصاً لسكن صاحب الحمام. في نمط معماري يربط بين مكان العمل والسكن لضمان المراقبة المستمرة للموقد والنظام المائي.

مدخل حمام عزوز.. تصوير: محمد عوض
مدخل حمام عزوز.. تصوير: محمد عوض
الناضورجي والمكيساتي

يوضح الحشاش أن نظام عمل الحمام أفرز عددا من الوظائف داخله، تبدأ بـ”الناضورجي” وهو المسؤول عن مراقبة مدخل الحمام ومنع الغرباء، خاصة في الأيام المخصصة للنساء. و”الوقاد” المسؤول عن إشعال نار تسخين المياه، و”المكبساتي” المتخصص في تدليك الزوار. و”المدولباتي” المسؤول عن حفظ ملابس المستحمين في دواليب مخصصة.

ويشرح طريقة الاستحمام التي تعتمد على التدرج الحراري، حيث ينتقل الجسد من البرودة إلى الحرارة تدريجيا. يبدأ المستحمون بالدخول إلى غرفة “المسلخ”، وهي الغرفة التي تستقبل الزائر. حيث يخلع ملابسه ويجلس على مصاطب رخامية للراحة.

ثم ينتقل إلى “البيت الدافئ” لتهيئة الجسم، يليه “البيت الساخن” أو بيت الحرارة، وهو قلب الحمام وأكثر أجزائه سخونة. ويضم أحواضا ومغاطس ممتلئة بالمياه الساخنة، تعلوه قبة زجاجية تسمح بدخول الضوء دون تسرب الحرارة.

نظام المياه والتسخين

تعتمد تغذية الحمام بالمياه على ساقية أقيمت على فرع رشيد لنهر النيل المجاور. حيث ترفع المياه إلى حوض كبير أعلى سطح الحمام، ومنه تتدفق عبر مجارٍ مائية إلى حجرة التسخين. ولا تعتمد عملية التسخين على أخشاب الأشجار فقط. بل على قمامة المنازل التي كانت تجمع من شوارع رشيد وتحرق داخل غرفة الوقود. ما يساهم آنذاك في نظافة المدينة.

كما استخدم الرماد الناتج كمواقد لتسوية “قدر  الفول”، بينما دخل المتبقي منه في مواد البناء. ومنح الطوب المنجور الشهير في بيوت رشيد لونه الداكن المميز.

ومع تغير الزمن، تحولت الوظيفة البيئية للحمام إلى عبء. إذ أصبحت الشوارع المحيطة به مناطق لتجميع القمامة. ما أدى إلى طمس معالم الزخارف واختفاء الواجهة الشمالية خلف أكوام القمامة. خاصة مع تأخر تنفيذ خطة ترميم الحمام المعلن عنها منذ عام 2017 وحتى 2025.

آثار تآكل الجدران على واجهة الحمام.. تصوير: محمد عوض
آثار تآكل الجدران على واجهة الحمام.. تصوير: محمد عوض
توثيق معماري

في كتابه  “موسوعة رشيد” (الجزء الثاني: التراث العمراني)، يقدم الدكتور محمود أحمد درويش دراسة معقدة وعميقة لحمام عزوز، باحثا في “فلسفة العمارة الرشيدية” التي توازن بين الوظيفة والجمال. ويوضح أن حمام عزوز أثر فريد، ليس فقط في رشيد، بل لكونه الحمام العثماني الوحيد الباقي في الوجه البحري. والذي احتفظ بملامحه المعمارية الكاملة حتى وقت قريب.

ويشير إلى أن استخدام “الطوب المنجور” المكسو بالملاط يعكس قدرة العمارة المحلية على التكيف مع الرطوبة العالية. إذ تعمل هذه المواد كجدران “متنفسة” تمنع تآكل البناء من الداخل بفعل الأبخرة.

كما أن القباب الضحلة المزودة بفتحات من الزجاج الملون كانت تهدف إلى خلق نوع من “العلاج بالضوء”. حيث تنكسر أشعة الشمس بألوان مختلفة فوق البخار الكثيف. مما يمنح شعورا بالراحة النفسية والهدوء، ليصبح الحمام أكثر من مجرد “مرفق صحي” بل “عملا فنيا”.

ذاكرة شعبية

في الشارع المقابل لمدخل حمام عزوز، يقف فتحي داخل ورشة لتشكيل الحديد، يجلس لدقائق مستعيدا ذكرياته عن آخر مرة شهد فيها الحمام يعمل. ويقول: ” أتذكر كنت صغيرا عندما رأيت الحمام يعمل في أواخر السبعينيات. وحكى لي والدي عن فترات مجده في الخمسينيات والستينيات”.

يقترب عمر فتحي من الستين عاما، ويدير ورشة الحدادة المقابلة للحمام كإرث عائلي، ويضيف: “نري وفودا سياحية تأتي لمشاهدة الحمام من الخارج أو عبر الشبابيك المفتوحة. وبرضو زيارات رسمية ومناقشات للترميم لكن التطوير ما بدأش فيه. زي البيوت التانية، يمكن يرجعوا يشغلوا الحمام تاني زي ما كان زمان”.

اقرأ أيضا:

«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

«السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

«القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.