حارسة الذوق والهوية.. كيف شكلت «التلاوة المصرية» وعي الجمهور؟
كيف يمكن فهم التلاوة بوصفها «دولة»؟ وهل يمكن لصوت القارئ أن يتحول إلى نظام له قواعد وسلطة وتأثير ممتد؟ بهذا السؤال افتتح سيمينار مناقشة كتاب التلاوة المصرية للباحث هيثم أبو زيد، الصادر عن دار العين، والذي أقيم ضمن فعاليات «سيمينار الاثنين» بمركز سيداج للدراسات والبحوث الاجتماعية بالقاهرة، من إعداد أحمد السروجي، وبمشاركة البروفيسور فريدريك لاجرانج، وسط حضور مهتم بالتراث الصوتي.
ومنذ البداية، بدا واضحا أن الندوة لا تتعامل مع التلاوة باعتبارها مجرد أداء ديني، بل كظاهرة ثقافية لها تاريخها وتحولاتها.
من “هنا القاهرة” إلى تشكيل الذائفة
بدأ هيثم أبو زيد حديثه بالعودة إلى لحظة تأسيسية، وهي انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934. حين خرج صوت أحمد سالم معلناً: “هنا القاهرة”، وتلتها مباشرة تلاوة الشيخ محمد رفعت. وأوضح أن هذا المشهد لم يكن مجرد افتتاح لإذاعة، بل بداية لتشكل ذائقة سمعية كاملة.
وأشار إلى أن التلاوة المصرية لم تكن عفوية أو تلقائية بالشكل البسيط. بل بنيت على شبكة معقدة من القواعد، تجمع بين علم القراءات من ناحية، والحس الموسيقي من ناحية أخرى. وهو ما جعلها تفرض نفسها داخل مصر وخارجها في العالم الإسلامي.
ونوه أبو زيد أن 31 مايو 1934 لم يكن مجرد تاريخ تدشين وسيلة إعلامية جديدة. بل كان لحظة فارقة في صياغة معايير الذوق العام وتكريس السيادة المصرية الثقافية. وفسر تفرد المدرسة المصرية في التلاوة بقدرتها على الجمع بين العلم. ممثلا في دقة التجويد وضبط المصاحف، والفن، ممثلا في العبقرية المقامية والارتجال النغمي.
وأضاف أن دقة التجويد في مصر لم تكن اختيارية، بل خضعت لإشراف كبار علماء القراءات، الذين تولوا مراجعة المصاحف. مما ضمن التزام القراء بأعلى المعايير دون تكلف. محققين توازناً عبقرياً بين صرامة النص المكتوب وليونة الأداء الصوتي. كما برعوا في توظيف المقامات الموسيقية لإظهار شخصية النص القرآني. ليس فقط للتعبير عن المعنى، بل لكسر الملل وإدهاش المستمع عبر الارتجال الدائم، وكأن الآية تسمع لأول مرة.
العصر الذهبي وجيل الرواد
انتقل أبو زيد إلى ما أسماه “العصر الذهبي” أو “جيل الروافع”. وهم القراء الذين أسسوا البنية الأساسية للتلاوة المصرية بين عامي 1934 و1954. وذكر منهم الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ علي محمود، وطه الفشني وأبو العينين شعيشع. مؤكدا أن لكل منهم بصمته الصوتية لخاصة ومنهجه المستقل.
ثم جاء الجيل الذي حمل لواء التلاوة إلى العالمية. وفي مقدمتهم الشيخ محمود خليل الحصري، صاحب أول مصحف مرتل، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي وصفه بـ”سفير القرآن”. والشيخ محمد صديق المنشاوي، الذي اعتبره مسك الختام لهذا النمط من العبقرية الفطرية.
أفرد أبو زيد مساحة خاصة للحديث عن الشيخ مصطفى إسماعيل. واصفا إياه بأنه العنوان الأكبر للتلاوة المصرية وصاحب أوسع مساحة أدائية. وأوضح أنه لم يكن مجرد قارئ، بل “مؤسسة فنية متنقلة”، تميز بقدرته على البناء التصاعدي المذهل في التلاوة. حيث يبدأ بوقار الهدوء، ثم يتصاعد حتى يصل إلى ذروة الأداء النغمي مما يجعل المستمعين في حالة انفعال لا يوصف.
وأرجع هذا التفرد إلى تقديسه لفنه. إذ كان يعيد الجملة اللحنية إذا لم ترضه، ويفضل التلاوات الطويلة التي تمتد لساعتين. حيث يتفاعل مع الجمهور، معتبرا أن المكان والزمان جزء من “هندسة الانفعال”، بينما يقيد الاستديو هذا التفاعل.
معايير الإذاعة.. حراسة الذوق العام
من جانبه قدم البروفيسور فريدريك لاجرانج قراءة نقدية وتاريخية، ركز فيها على “كواليس المذبح الفني” ومعايير الإجازة في الإذاعة المصرية. وأوضح أن الإذاعة كانت معقلا للقيم الجمالية الصارمة، بفضل وجود حراس للذوق الرفيع مثل محمد الشجاعي.
وأشار إلى أن القائمين على الإذاعة كانوا يملكون رعبا مشروعا من انحدار المعايير. لذا كانت لجان الاستماع تبحث عن العبقرية، لا مجرد الأصوات المقبولة. ولفت إلى أن ملامح التراجع بدأت تظهر في منتصف الستينات، مع ما وصفه بـ”التسلل باسم التجديد”. مشيرا إلى ظهور أصوات جيدة في أصلها، لكنها ابتعدت عن القفلة المحكمة الموروثة عن الكبار. ما أدى إلى ظهور “قفلات فضفاضة” غير منضبطة.
وحذر من أن هذا الانحراف أسفر في النهاية إلى ظهور “القفلة السوقية”، التي تفقد التلاوة وقارها الحضاري، وتستعير أداء يشبه الغناء الشعبي الدارج. مما أفقد بعض المقامات الجليلة، مثل “النهاوند”، هيبتها القدسية.
التلاوة الحضارية في مواجهة العشوائية
فسر لاجرانج الفارق الجوهري بين ما أسماه “التلاوة الحضارية” و”المسحة الريفية”، مؤكداً أن الغالبية العظمى من كبار القراء خرجوا من القرى. لكنهم قدموا أداءً مهذباً ومنضبطاً. وأوضح أن القارئ الحضاري يزخرف الجملة الصوتية بأناقة وتؤدة. بينما يميل القارئ المتأثر بالمسحة الريفية إلى الصياح المفرط والمبالغة في الزخارف في غير موضعها، مما يقلب الجمال إلى ضده.
وشدد لاجرانج على أن المعايير الإذاعية تتطلب نمطاً معيناً من الوقار السمعي والانضباط الفني. قد لا يتوافر في الأنماط المعتمدة على الارتجال الشعبي الصاخب. ولهذا السبب، تم رفض قامات كبرى مثل الشيخ سيد النقشبندي كقارئ -لا منشد- في الإذاعة. وهو ما اعتبره لاجرانج مَفخرة للإذاعة وانتصاراً للمعيار الفني على أي اعتبارات أخرى، حتى وإن كانت تزكية من رأس الدولة.
التكنولوجيا وتغير أنماط التلقي
استمر السيمينار في تحليل أثر التكنولوجيا على طبيعة التلقي. حيث أوضح المتحدثون أن ظهور جهاز الكاسيت أحدث تحولاً جوهرياً. إذ انتقل الاستماع من الحالة الجماعية المنتبهة في المساجد والمحافل الكبرى إلى الاستهلاك الفردي العابر في المقاهي ووسائل المواصلات.
وفسر أبو زيد أن هذا التحول أثر على المضمون ذاته. حيث بدأ السوق يفرض أصواتاً تتناسب مع الاستماع السريع والسهل. مما أدى إلى انحسار المدارس التي تتطلب إصغاءً عميقاً وتحليلاً نغمياً. وأضاف أن سقوط “الفلتر الإذاعي” وتراخي لجان الإجازة سمحا بتسرب أصوات مقلدة، أصبحت هي الخلفية الصوتية للحياة اليومية، مستبدلة معايير الجودة بمعايير الانتشار التجاري.
جماليات القيد.. سر عبقرية التلاوة
عاد أبو زيد ليؤكد على فلسفة “جماليات القيد” في التلاوة المصرية، موضحاً أن عظمة القارئ تكمن في قدرته على الإبداع داخل إطار صارم من أحكام التجويد والمدود والتفخيم والترقيق.
وشبه القارئ المبدع باللاعب الذي يتخطى المدافعين ببراعة ليصل إلى الهدف. مؤكداً أن هذه القيود هي التي تمنح الفن قيمته، بينما يمتلك المنشد حرية أكبر قد تفقده هيبة المقام القرآني.
استعادة هيبة التلاوة
في ختام الندوة شدد الباحث أبو زيد على أن الهدف من دراسة هذا التراث ليس وضعه في متحف أو عرضه كقطع أثرية تحت مسمى “ألحان زمان”. بل البحث عن مساحة طبيعية لهذا الفن الحي ليعود إلى وجدان الناس.
وأكد أن التلاوة المصرية هي “فن الصعوبات الجمالية” الذي يجمع بين أقصى درجات الانضباط العلمي وأعلى آفاق الحرية النغمية. وأن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب وعياً بطبيعة الاستماع الجماعي، الذي كان يرفع مستوى التحصيل الجمالي لدى المستمع البسيط. ويجعله يدرك بالفطرة مواطن العبقرية في صوت الشيخ مصطفى إسماعيل أو الشعشاعي.
واختتم السيمينار بالتأكيد على أن معركة الوعي الجمالي تبدأ من استعادة هيبة “المئذنة الإذاعية”. وإدراك أن ما قدمته مصر للعالم في تلك العشرين سنة الذهبية كان معجزة إنسانية وفنية تستحق الحراسة والدراسة. لتظل الإذاعة المصرية الحارس الأمين لمهد عبقرية التلاوة.
اقرأ أيضا:
في ندوة بالسيداج: كيف أثرت «أم كلثوم» على السياسة العربية بعد النكسة؟


