ثبات الطقس وتغير التعبير.. رحلة شم النسيم في الفن المصري
في ذاكرة المصريين، لا يعد الربيع فصلا عابرا، بل طقسًا ممتدًا توارثه الأبناء عن الأجداد عبر آلاف السنين، يتجسد في احتفالات عدة، أبرزها شم النسيم، الذي بقي حاملا في طياته ملامح الاستمرارية والتجدد معًا. هذا العيد، الذي عرفه المصري القديم وارتبط لديه بالخروج إلى الطبيعة وتقديس الحياة ومظاهرها، لم يُحفظ فقط في البرديات، بل خُلد بصريًا على جدران المعابد والمقابر، حيث تحولت لحظات الفرح إلى جداريات أثرية باقية تقاوم الزمن وتصون تاريخ مصر.
ومن تلك الجداريات القديمة إلى لوحات الفن التشكيلي الحديثة، استمرت الحكاية في التوثيق، لكن بأدوات مختلفة ورؤى متجددة؛ إذ أعاد فنانو مصر المعاصرون صياغة المشاهد نفسها بروح الحاضر، مستلهمين تفاصيل الحياة اليومية والاحتفالات الشعبية. وبين الماضي والحاضر، فتحت هذه الجداريات واللوحات نافذة للمقارنة بين شكل الاحتفال قديمًا وحديثًا، لنتتبع كيف حافظت الصورة المصرية على جوهرها، رغم تغير الأزمنة وتبدل وسائل التعبير.
شم النسيم.. بداية التاريخ
في الدراسات والكتب، هناك اختلافات عدة حول تاريخ نشأة العديد من الأحداث. لكن المؤكد أن شم النسيم صمد أمام تغير اللغات والأديان والحكام، ليظل إحدى العلامات التي حفظت الهوية المصرية وربطت الإنسان بأرضه وزراعته في احتفالية مميزة. ووفقًا لكتب التاريخ، فإن أصل تسمية شم النسيم يرجع إلى الكلمة الهيروغليفية “شمو” (shemo). وهو الاسم الذي أطلقه المصري القديم على فصل الحصاد. ومع مرور الزمن وتداخل العصور، وتحديدًا العصر القبطي، أضيفت إليه كلمة “النسيم”.
وفيما يخص اختيار التوقيت، يذكر عصام ستاتي في كتابه “شم النسيم.. أساطير وتاريخ وعادات وطقوس”، أن اختيار توقيت عيد شم النسيم لم يكن عشوائيًا. بل ارتبط بظاهرة الاعتدال الربيعي، التي تتساوى فيها ساعات الليل والنهار. وتحدث خلالها ظاهرة فلكية عند الهرم الأكبر. لذا اعتبر المصريون القدماء هذا اليوم بمثابة بدء خلق العالم أو بعث الحياة.
اقرأ أيضا: الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

احتفالات مصرية قديمة
بحسب دراسة شيرين صادق الجندي بعنوان “احتفالات عيد شم النسيم في مصر”، أشارت إلى أن المؤرخ بلوتارخ ذكر أن المصريين اعتادوا الخروج في هذا اليوم إلى الحدائق والبساتين، حاملين الطعام والشراب معهم. في أجواء تعكس ارتباطهم العميق بالربيع وتجدد الحياة.
وارتبطت طقوس اليوم بالفسيخ، أو السمك المملح، الذي اعتبر رمزًا للخصوبة واستمرار الحياة. ولا يزال حاضرًا حتى اليوم على موائد المصريين في هذه المناسبة. كما احتل البصل مكانة خاصة لدى المصري القديم. حيث أصبح نباتًا مقدسًا، استخدم في الطقوس الدينية وتم تقديمه كقرابين. بالإضافة إلى تلوين البيض، فضلًا عن الخضراوات كالخس والجرجير والملانة (الحمص الأخضر).
جداريات فن وحفظ تراث
تكشف الجداريات والنقوش في مصر القديمة عن اهتمام واضح بتوثيق هذه التفاصيل، من مشاهد الخروج إلى الحدائق، والجلوس وسط الزهور، والتنزه على ضفاف النيل. وقد ظهرت عناصر بعينها بشكل متكرر في هذه الرسوم، مثل الزهور، خاصة زهرة اللوتس التي ارتبطت بالبعث والتجدد، إلى جانب مشاهد تقديم الطعام. ومن بينها الأسماك، في دلالة على وفرة الخير. ولم تكن هذه الصور مجرد زخرفة، بل انعكاسًا لعلاقة الإنسان ببيئته، واحتفاله بدورة الحياة.
ولم يكتف المصري القديم بتوثيق هذا العيد على جدران المعابد فقط، بل امتد ذلك إلى مظاهر حياته اليومية. ويتجلى ذلك في تلوين البيض، الذي نراه على نماذج أثرية مثل بيض النعام المُزخرف، الذي يعود إلى ما قبل توحيد مصر على يد الملك مينا. وصولًا إلى العصر الحديث واستخدامه في مناسبات احتفالية، مثل زواج الملك فؤاد والملكة نازلي.
اقرأ أيضا: «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

استمرارية المشهد في اللوحات الحديثة
مع تطور الفنون، لم تختفِ مشاهد شم النسيم من الفن، بل ازدادت وتنوعت. فقد أعاد الفنانون التشكيليون تقديمها برؤية معاصرة. وتكررت التفاصيل نفسها برؤى مختلفة. الأسرة التي تخرج إلى الحدائق، أطفال يلعبون، النيل في الخلفية، وألوان الربيع الزاهية. وعلى الرغم من اختلاف الأساليب الفنية، ما بين الواقعية والتعبيرية، فإن الجوهر ظل ثابتًا. إذ بقي شم النسيم مرتبطًا بالفرح الجماعي والخروج إلى الطبيعة.
وتعبر هذه اللوحات عن طقس الخروج إلى الطبيعة، وجلوس العائلات في ظل الأشجار، لتعكس الهدوء والسكينة والهروب من صخب المدينة إلى المساحات الريفية الواسعة. وتبرز فكرة التنزه وتجمع الأسر في حلقات صغيرة للاستمتاع بنسيم الربيع، وهو تقليد قديم يهدف لتجديد الطاقة مع بداية فصل النماء.
العودة إلى الجذور
كذلك عبر حسين بيكار عن هذا اليوم في لوحته “العودة إلى الجذور”. حيث الأصل المصري القديم لعيد الربيع. والذي يبرز من خلال امرأة بالزي المصري القديم تقف وسط نباتات البردي وتقطف زهرة اللوتس. لتكون بمثابة لوحة توثيقية للهوية؛ تخبرنا أن هذا العيد امتداد لآلاف السنين. كما يعكس اللون الهادئ قدسية الطبيعة عند الأجداد. وكيف كانوا يحتفون ببعث الحياة في الربيع.
أما مصطفى رحمة، ففي لوحته “هانم تأكل فسيخ وبصل”، يمزج بين العصرية والرمزية القديمة. فالبشرة الخضراء للمرأة دلالة على الخصوبة والنماء. وهي ألوان الربيع، ووجود السمكة تعبير عن الرنجة أو الفسيخ. بينما يؤكد البصل الأخضر على الطاولة أنها لحظة احتفال بشم النسيم. وتذكرنا القطة بمكانة القطط في مصر القديمة. بينما تعبر اللوحة ككل عن الاستمتاع الفردي بالطقوس الموروثة بلمسة البهجة.

الفسيخ في القرية
في لوحة جرجس لطفي، يظهر شم النسيم في روح الجماعة والزحام المحبب. حيث الوجوه العديدة والقوارب في النيل والناس يحتفلون بالطعام، في تعبير عن الوجه الشعبي لهذا الحدث، حيث تذوب الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، وتعبر عن الفلكلور.
وفي هذا السياق، تأتي لوحة عاصم عبد الفتاح لتمثل شم النسيم في القرى المصرية. من خلال المرأة التي تحمل السلال فوق رأسها، والماعز في الأسفل. بما يعكس ارتباط العيد بالحصاد والخيرات التي تجود بها الأرض في هذا الوقت من العام. حيث روتين الحياة اليومية في الريف يمتزج ببهجة الربيع وألوانه.
أما هالة الشاروني، فتعبر في لوحتها بشكل مباشر على المائدة الطقسية. إذ تصور ثلاث نساء يرتدين الملابس الشعبية والمنديل “بأويا”، وهنّ يجهزن ويأكلن الفسيخ والرنجة والبصل الأخضر والليمون. لتكون اللوحة الأكثر تجسيدًا لعادات شم النسيم. حركة الأيدي وتنظيف السمك ووضع البصل في الفم تعكس الانغماس الكامل في عادات توارثتها الأجيال، وتبرز “اللمة” حول طبلية الطعام.
رموز ثابتة وملامح لا تتغير
إذا كان شم النسيم في مصر القديمة عيدًا مفعمًا بالقداسة. تداخلت فيه الأسطورة مع العقيدة، وحملت مائدته رموزًا تراثية عميقة. من البيض الذي يرمز لبداية الوجود وانبثاق الحياة، إلى الفسيخ الممتد من فكرة النيل كمصدر أول للخلق، والبصل لطرد الشرور، والخس والملانة (الحمص الأخضر) كإشارات للخصوبة ونبض الربيع المتجدد.
وكانت الطقوس تُمارس بتأمل ورهبة؛ حيث تقدم القرابين في انتظار بركة الشمس. أما اليوم، فلا يزال محافظًا على روحه العامة بوصفه عيدًا للربيع، لكنه انتقل من دائرة المعتقد إلى فضاء الحياة الاجتماعية الشعبية. فأصبح مناسبة للبهجة الجماعية والخروج إلى الحدائق والتجمع الأسري، وتلوين البيض بوصفه لعبة مسلية للأطفال لا رمزًا كونيًا.
ومع ذلك، ما زالت بعض ملامح الماضي حاضرة على المائدة وفي العادات. كأنها خيوط رفيعة تربط الحاضر بجذور عميقة، تؤكد أن هذا العيد لم يفقد جوهره، بل أعاد تشكيله بما يلائم العصر، محتفظًا بذاكرة ممتدة بين الأسطورة والواقع.
اقرأ أيضا: «المرأة والذاكرة» تطلق ندوة عن أصوات النساء في تاريخ الجنون والطب النفسي



