تعتمد على الطبيعة.. «البيوت النوبية» عمارة تعزل الحرارة وتحافظ على البيئة
تعتمد «البيوت النوبية» في أسوان على مواد طبيعية صديقة للبيئة، مثل الطوب اللبن والطمي النيلي، وتعلوها قباب نصف دائرية تعزل الحرارة والرطوبة، لتوفير بيئة معيشية دافئة شتاء وباردة صيفا، دون الاعتماد على وسائل تبريد حديثة. هذا الطراز البسيط والمستدام حافظ على هوية العمارة النوبية، وجعلها مقصدا للسياح الباحثين عن الهدوء والطبيعة.
من الطوب اللبن والطمي.. مواد بناء صديقة للبيئة
نصرالدين عبد الستار، الشهير بـ«عم ناصر»، يمتلك منزلًا من الطوب اللبّن في جزيرة غرب سهيل بمحافظة أسوان، مطلا على نهر النيل. وقد توارثه عن أجداده منذ سنوات طويلة. يتخذ المنزل شكل البيوت النوبية القديمة. ويوضح أن المنزل مبني من الطوب وتعلوه قبة على شكل نصف دائرة. يصل سمكها إلى 30 سم، والطوب إلى 40 سم، ويستخدم في بنائها الطمي النيلي وروث المواشي والتبن. كي تساعد في الحفاظ على حرارة المنزل، ليكون دافئا شتاءًا وباردا صيفًا، كما تطلى الحوائط تُطلى بالطمي النيلي المُستخرج من نهر النيل.
ويتابع أن طريقة البناء هذه تسهم في زيادة معدلات الترطيب داخل البيت النوبي، الذي لا يعتمد على المراوح أو المكيفات الكهربائية. حتى إن أرضية البيت تكون رطبة ويمكن الجلوس عليها صيفا.
تهوية طبيعية من خلال فتحات القباب.. موفرة للكهرباء
يؤكد أحمد ماجد، أحد أبناء محافظة أسوان ويمتلك منزلا من الطوب اللبّن في جزيرة هيصة منذ التسعينيات، أن منزله لا يزال صامدا ولم يتأثر أو تظهر به شروخ على مدار السنوات الماضية. ويشير إلى أنه ورث منزلا آخر عن والده، أنشئ في السبعينيات ولا يزال في حالته الطبيعية. وأصبح مقصدا للسياح لقضاء ليال هادئة على ضفاف نهر النيل والاستمتاع بالطبيعة الخلابة في أسوان.
ويؤكد أن طريقة بناء البيوت النوبية تجعلها قوية وقادرة على تحمل الحرارة والرطوبة والعوامل البيئية بشكل عام، كما تسمح القباب بمرور الهواء من خلال فتحتي السقف. حيث يدخل الهواء من فتحة ويخرج من الأخرى. ففي الشتاء يتم غلق باب القبو، بينما يفتح في فصل الصيف.
ويشير إلى أن الباب الرئيسي للمنزل يقع أمام نهر النيل مباشرة، نظرا لتقديس النوبيين للنهر واعتباره منبع الحياة وأصلها. واعتماد حياتهم عليه بشكل أساسي. لذا أنشئت أغلب البيوت النوبية على ضفافه مباشرة. وبما أن معظم البيوت لا تستخدم الأجهزة الكهربائية مثل المراوح أو المكيفات صيفا، لاعتمادها على التهوية الطبيعية، فهي تعد موفرة للكهرباء.
ما بين الأزرق والأخضر والأصفر.. البيوت النوبية بألوان زاهية
عند مشاهدة البيوت النوبية، يشعر الزائر بالبهجة، فتنوع الألوان لا يقتصر على الجانب الجمالي فقط، بل يحمل دلالات ومعاني. ويقول عمر عبدالله إن البيوت النوبية قديما كانت تطلى باللونين الأصفر والأبيض، أو بمادة الجير. لما لها من قدرة على عكس أشعة الشمس ومنع تسرب الحرارة إلى داخل المنازل خلال فصل الصيف.
ويتابع أن المنازل حاليًا تُطلى بألوان مائية زاهية مثل الأصفر والأحمر والأخضر والأزرق والأبيض، ولكل لون دلالته. فالأصفر يرمز إلى الرمل، والأخضر إلى الطبيعة، والأزرق إلى السماء ونهر النيل. كما تزين البيوت من الداخل والخارج برسومات تعبر عن الحضارة والتراث النوبي والحياة اليومية. مثل مراكب نهر النيل، والأطفال أثناء اللعب، والحجاج بعد عودتهم من أداء فريضة الحج.
الأثاث المنزلي من جريد وسعف النخيل
يستكمل عبدالله أن أهالي النوبة اعتادوا استخدام المواد الصديقة للبيئة، ليس فقط في بناء المنازل بالطمي النيلي والطوب اللبن. بل أيضًا في الأثاث المنزلي، مثل الكراسي والحُصر والطاولات المصنوعة من جريد وسعف النخيل المنتشر على ضفاف نهر النيل بمحافظة أسوان. وفي بعض الأحيان، يتم سقف المنازل بجريد النخيل باعتباره مادة طبيعية قوية تتحمل أشعة الشمس لسنوات طويلة.
وعن ديكور البيوت النوبية المميز، أشار عبدالله إلى صناعة أشكال دائرية من جريد النخيل تستخدم لتزيين الحوائط من الداخل. وأحيانا تطلى بالألوان الزاهية لإضفاء مظهر جذاب على المنزل النوبي. كما تتفنن سيدات النوبة في ابتكار ديكورات بسيطة توضع داخل الغرف. إلى جانب تزيين “الزير” و”القلة” بألوان هادئة، أو تركه بشكلها الطبيعي داخل صالة المنزل أو الغرف.
ويضيف أن بعض الأهالي يقومون باصطياد التماسيح الصغيرة وتحنيطها ووضعها أمام المنازل. ليس فقط كعنصر جمالي، بل اعتقادا منهم بأنها تمنع الحسد، وفقا لموروث شعبي متوارث منذ سنوات طويلة.
بيوت غرب سهيل وتحويلها لمزارات سياحية
عند دخول قرية غرب سهيل، تستقبلك بيوتها بألوانها الزاهية، والتي تحولت إلى مزارات سياحية تستقبل الزوار، وتقدم فيها الأطعمة والمشروبات التقليدية، ورسم الحناء، وحفلات السمر التي تحيها الفرق النوبية.
وحول هذا التحول تقول حسانية عثمان، زوجة أحد أشهر أصحاب البيوت النوبية في غرب سهيل: “منذ سنوات أصبحنا نشاهد العديد من السُياح، تحملهم المراكب النيلية، يتوافدون إلى بيوت النوبة لمشاهدة المناظر الطبيعية الخلابة. ومع مرور الوقت، عرض علي زوجي فكرة تحويل البيت لمزار سياحي مثل بيوت الجيران، وأعجبت بالفكرة”.

تحويل المنزل لمزار سياحي
تتابع حسانية: “بعد موافقتي على تحويل البيت لمزار سياحي، قمنا بطلائه بألوان زاهية، كما أضيفت مظلات مبنية من جريد النخيل إلى فناء المنزل، ودورة مياه مخصصة للسياح حفاظا على خصوصية المنزل، إلى جانب توسيعه بشكل يليق بالضيوف وبناء مصاطب للجلوس”.
وتضيف أنه جرى أيضا إنشاء أحواض للتماسيح داخل المنزل، حيث قام زوجها ببناء حوض صغير لتماسيح صغيرة يشاهدها السياح ويلتقطون الصور التذكارية معها، وذلك تحت إشرافه المباشر منعا لوقوع أي حوادث أو عض للزوار أثناء التصوير. وبسؤالها عن كيفية إطعام التماسيح، تقول إن زوجها يلقى لها اللحوم والفراخ والأسماك، وهي وجبتها المفضلة، مشيرة إلى أن التمساح لا يأكل بكثرة.
آكلات متنوعة.. ومذاق متميز
توضح روحية عبد الفتاح، التي تعمل داخل أحد مطاعم النوبة في غرب سهيل، أن من أشهر الأكلات التي تقدم للزبائن وتتسم بالطابع التراثي النوبي، الملوخية المطبوخة من أوراق البسلة، والمضاف لها البامية الناشفة والشمر، والتي تقدم غالبا خلال فصل الشتاء، وتتميز بمذاق مختلف عن الملوخية الصعيدية.
وتتابع أن بعض الزبائن يطلبون طواجن الخضار المتنوعة، مثل البامية، والبطاطس، والبسلة والكوسة، حيث يبدأ تجهيزها يوميا من الساعة التاسعة صباحًا، من خلال عدد من السيدات اللاتي يتولين عمليات التقطيع والطهي. كما يتم تقديم أصناف أخرى مثل “أم علي” و”الأرز باللبن”. وتشير إلى أن فصل الشتاء يشهد الإقبال الأكبر من الزبائن، ما يؤدي إلى زيادة وتيرة العمل مقارنة بفصل الصيف.








