تركت الهندسة واختارت الحُلي.. «أميرة القاضي» تحول التراث إلى فن يُرتدى
بين الخطوط المعمارية والهندسية الصارمة ولمعان الفضة والأحجار الكريمة، وجدت «أميرة القاضي» لغتها الخاصة، حيث يحتل التراث مساحة كبيرة وواضحة في تجربتها الفنية لتصميم الحُلي، ليس بوصفه مادة للحنين، بل كونه مصدرًا للإلهام الحي. فقد حوّلت تفاصيل العمارة القديمة وملامح الوجوه وعناصر البيئة المحلية إلى قطع فنية صغيرة تحمل أثر المكان وذاكرة التفاصيل، لتجعل من الحُلي خريطة مصغرة يمكن ارتداؤها.
رحلة أميرة مع الحُلي
لم تأت رحلة أميرة مع الحُلي عبر مسار تقليدي، بل من خلال بحث طويل عن الذات واللغة والشكل المناسب للتعبير عما بداخلها. وعن تجربتها وبدايتها الفنية تقول:
“أنا خريجة كلية الهندسة، قسم عمارة، ودرست فنون جميلة، قسم الدراسات الحرة، لاكتسب الخبرة الفنية. عملت كمهندسة معمارية لمدة 8 سنوات في التصميمات الهندسية، وبالرغم من أنني أحب الهندسة والعمارة والتراث المعماري. وهذا الربط بين الإنسان والمكان، إلا إنني تركت هذا المجال كي أتفرغ إلى تصميم وصناعة الحُلي”.
وتكمل القاضي: “منذ صغري وأنا أحب الرسم والفن، وكانت والدتي تصطحبني إلى ورش الرسم بالمتحف المصري بالتحرير. وقتها تعلمت الرسم وصناعة الحُلي من الأسلاك النحاسية. وهو ما أثر في شخصيتي، وجعلني أنظر للأشياء من منظور فني منذ الصغر”.

بداية الحكاية
عملت القاضي مهندسة معمارية لسنوات، لكنها قررت فجأة ترك المجال والدخول إلى عالم الحُلي. وحول هذا القرار تقول: “درست الكثير من الأشياء مثل الدوبلاج والتسويق والفنون وغيرها من المجالات، وكنت أبحث عن شغفي وسط تلك الأشياء. كنت أشعر بسعادة بالغة وأنا أمسك بالقلم وأرسم. وفي أحد الأيام كنت أجلس في وقت راحتي من العمل، وكعادتي أمسكت بالقلم ورسمت قطعة حُلي عبارة عن تصميم لـ”كولية”. وعندما شاهد أصدقائي ذلك شجعوني على الاستمرار في هذا المجال، ومن هنا شعرت أن هذا ما كنت أبحث عنه”.
وتكمل: فضلت قبل الدخول في هذا المجال أن أقوم بالدراسة أولا. فلدي موهبة التصميم والخيال، لكن لم تكن لدي خبرة في كيفية التصنيع. وهو ما دفعني لأخذ دورة في صناعة الحُلي على يد المصممة العالمية عزة فهمي.
بعد الورشة، اتخذت القرار النهائي بترك مجال الهندسة والاتجاه إلى تصميم الحُلي. إذ شُعرت أنني أريد التركيز في هذا المجال دون شريك آخر قد يشوش على أفكاري ووقتي. كما ساعدني تشجيع والدتي التي قالت لي إن هناك الكثير من المهندسين، لكن القليل جدًا الفنانات في هذا المجال.
مراحل الصناعة والبحث عن الخامات
لا تنفصل تجربة أميرة القاضي عن واقع الحرفة وتحدياتها، لذا كان لزامًا عليها أن تكتشف تفاصيلها بنفسها. وأن تحقق المعادلة الصعبة التي تتطلب قطعة تحمل قيمة فنية. وفي الوقت نفسه يمكن لمن يرتديها الاحتفاظ بها لسنوات طويلة. لذلك اختارت معدن الفضة وطعمته بالأحجار الكريمة. وحول مراحل تحول الفكرة إلى قطعة فنية تقول القاضي:
“في البداية تكون لدي فكرة، ولأن جميع أفكاري تراثية أقوم بعملية بحث عنها، وجمع كل المعلومات حول أصلها وتاريخها الفني. ثم أحول الفكرة إلى تصميم أقوم برسمه على الورق. وبعد ذلك أذهب بهذا التصميم إلى الورشة لتنفيذه”.

منطقة الصالحية – كنز الأحجار الكريمة
تستخدم القاضي، إلى جانب الفضة، الأحجار الكريمة. وتختار أحجارها بنفسها من منطقة الصالحية بالقاهرة، والتي تصفها بأنها بمثابة كنز يضم مختلف أنواع الأحجار المصرية والمستوردة.
وتتابع: “استخدم الأحجار الطبيعية والأحجار الكريمة. في البداية لم تكن لدي الخبرة الكافية، لكنني اكتسبتها من خلال تعاملي مع الأحجار. إذ أصبحت قادرة على التفرقة بين الأحجار الأصلية والمزيفة أو المقلدة. ومن أهم الأحجار التي استخدمها: العقيق وخاصة العقيق اليمني، الصدف، الملاقي، الأماتيست، الفيروز، الكوارتز. وهناك أيضا قطع من الفضة المطعمة بالذهب، ولا استخدم أي خامة معدنية سوى الفضة”.
وفي النهاية أقوم بتصوير القطعة من أكثر من منظور، وأكتب عليها بعض الجمل التي تحكي قصتها بشكل مناسب.
المعارض وطريقة العرض
تشارك أميرة بمجموعاتها الفنية والتراثية من الحُلي في العديد من المعارض. خاصة المعارض ذات الطابع التراثي أو المقامة في أماكن مميزة مثل سوق الفسطاط. وتقول: “أحب بيع القطع بنفسي حتى أحكي حكايتها، سواء كانت قطعة تصف مكانا أو قطعة تراثية. فكل قطعة وراءها قصة يجب أن تُحكي. لا يهمني فقط أن تُباع القطعة، بل يهمني أكثر أن تعرف السيدة حكاية القطعة التي ترتديها”.
وتكمل: “حتى طريقة عرضي مختلفة عن باقي البائعين. فأنا لا استخدم الصندوق التقليدي المبطن بقماش القطيفة، لعرض القطع، بل صممت بنفسي استاندات من الخشب الطبيعي، مثل خشب الورد، والزيتون، ونفذتها داخل ورشة بدمياط. وهو ما جعل أسلوبي في العرض مميزا”.
قصص وحكايات
اختارت أميرة أن تجعل من الحُلي وسيلة لرواية القصص، لا مجرد قطعة إكسسوار أو زينة تُضاف إلى المظهر، بل وسيلة لحفظ القصص وذاكرة المكان. فجعلت من تصميماتها مساحة للتعبير والذاكرة معا، وصممت قطعا مستوحاة من بعض الأماكن الأثرية. مثل: جامع ابن طولون، وصحن السلطان حسن، والنجمة الإسلامية، إلى جانب بعض المفردات التراثية القديمة والجمل التراثية. وقد اهتمت كثيرا بالتراث المعماري والثقافي والفني، وحول هذا تقول أميرة:
“اهتم كثيرًا بتراثنا المعماري والفني والتراثي، وهو ما يجعلني انظر للمكان بشكل مختلف. وأتخيل كيف يكون تحويله إلى قطعة فنية يمكن ارتداؤها. ويسعدني كثيرًا تقبل السيدات لهذه الأفكار وإقبالهن على شراء تلك القطع. خاصة المهتمات بالتراث، حتى إنني كررت بعض القطع مرات كثيرة”.

وجوه الفيوم على قطع فنية
لم تكتف أميرة بتوثيق الأماكن الأثرية على قطع الحُلي، أو نقل لوحات الفنان الكبير حسين بيكار إلى بعض القطع. لكنها فاجأت الجميع بفكرة غير متوقعة في مجموعتها الجديدة “وجوه الفيوم”. وهي تلك البورتريهات الشهيرة لأشخاص عاشوا منذ آلاف السنين، وتصف القاضي تلك التجربة وتقول:
“عمرك تخيلتي أن تكون قطعة الحُلي بوابتك للزمن، وأن نرتدي التاريخ لا مجرد إكسسوار؟ كل مجموعة جديدة لدي تبدأ بلحظة إلهام، لكن الإلهام هذه المرة كان مختلفا. إذ شدتني كثيرا لوحات وجوه الفيوم، تلك اللوحات التي تعود للعصر الروماني المصري. فهي ليست مجرد بورتريهات فنية، بل ملامح أناس عاشوا قبلنا بآلاف السنين. وهو ما جعلني أفكر: كيف استعادة قصص تلك الوجوه إلى الحياة مرة أخرى”.
وتكمل: “فكرت كيف أدمج تلك الوجوه مع الفضة لتخرج قطعة حُلُي لها روح. جربت العديد من الخامات، وفكرت في البداية في استخدام الخزف، لكنه لم يكن مناسبا لرسم تلك الوجوه. لذلك فضلت دمج الخشب مع الفضة، لأنني شعرت أنه الوحيد القادر على حمل القصة. بحثت عن فنان يستطيع إعادة رسم تلك الوجوه بتفاصيلها الدقيقة على الحُلي. وساعدتني في ذلك د.دوريس، الفنانة التشكيلية. ثم قمت بدمج الفضة مع الخشب، لدمج الماضي بالحاضر دون أن تختفي روح اللوحة الأصلية. وأعتقد أن هذه المجموعة تحمل قصة بحث وإلهام وتاريخ لا يموت”.
مكان يجمع مصممي الحُلي
حول أمنياتها للمستقبل تقول القاضي: “على المستوى العام، أتمنى أن يكون هناك مكان أو كيان يضم جميع مصممي الحُلي. ويعني بتعليم من يرغب في تعلم حرفة صناعة الحُلي على أيدي متخصصين. وأن نقوم في هذا المكان بتدريس التراث والفن. أما عن أمنياتي الشخصية، فأتمنى أن يحقق البراند الخاص بي شهرة عالمية. وأن يكون لدي مؤسسة تعليمية خاصة لتعليم صناعة الحُلي”.
اقرأ أيضا:
عرائس «كرمة ماهر».. مشروع لإحياء العروسة القماش بروح تراثية جديدة
مرفت الشاذلي عن معرضها «صدى الجنوب»: الفن وسيلتي لإيصال الهوية الجنوبية


