تحت ظلال النخيل.. أهالي «الواحات» يحتفلون بشم النسيم
مع شروق شمس يوم شم النسيم، تسود محافظة الوادي الجديد حالة من البهجة، ويهرب أهالي المدن من الصخب والضجيج إلى «الغيطان» والأراضي الزراعية، حيث تشكل الخضرة والزرع وأشجار النخيل مع مياه الآبار المتدفقة لوحة طبيعية رائعة الجمال.
هدوء نفسي وكسر الروتين
يرى أهالي المحافظة أن الخروج للخلاء ليس مجرد نزهة عابرة. بل هو طقس لاستعادة الهدوء النفسي وكسر روتين الحياة اليومية. حيث تلتف العائلات حول عيون المياه والآبار الجوفية التي تشتهر بها الواحات الخمس في محافظة الوادي الجديد. في أجواء تعزز الروابط الأسرية والاجتماعية؛ إذ يجتمع الجيران والأصدقاء في روح من المحبة والمشاركة. ما يعكس طبيعة مجتمع الواحات المترابط الذي لا يزال يحافظ على خصوصيته الثقافية وسط تحديات الحداثة.
لا يمكن الحديث عن أعياد الربيع في الوادي الجديد دون التوقف عند «المائدة الواحاتية»، التي تعد بطل المشهد بلا منازع. فمنذ الساعات الأولى للصباح، تبدأ العائلات في الذهاب إلى الأراضي الزراعية، محملة بـ«الزواد» التي تم إعدادها بعناية فائقة. وهنا تلتقي العائلات القبطية والمسلمة في مشهد يعكس الوحدة الوطنية. حيث يتقاسم الجميع الطعام والضحكات تحت ظلال أشجار النخيل والخضرة وحول العيون والآبار.
اقرأ أيضا: «دير الجنادلة» بأسيوط.. كنوز أثرية بين الجبل والتاريخ
مائدة شم النسيم الواحاتية
تقول «كارولين ممدوح»، من مدينة الخارجة، إن أجواء الاحتفال في محافظة الوادي الجديد ممتعة للغاية ولا تشبه أي مكان آخر. مشيرة إلى أنها عاشت في القاهرة لفترة لكنها لم تر هذا الجمال الذي تتمتع به محافظتها. وتضيف أن الذهاب إلى الغيطان والحدائق والمنتزهات في الصباح الباكر يعد طقسا أساسيا للترويح عن النفس.
وتؤكد أن البيض الملون يظل الرمز الأبرز للبهجة، حيث يتم تبادل ألوان البيض مع الجيران. خاصة أنه يأتي بعد صيام شهرين، تعبيرا عن الفرح بالقيامة وأعياد الربيع. ولا تكتمل المائدة دون الفسيخ والرنجة والبصل الأخضر. إضافة إلى محشي ورق العنب الذي يتربع على عرش المائدة في الاحتفال بأعياد الربيع داخل المجتمع الواحاتي.
أما «عدلية محمد»، من أهالي مركز الخارجة، فتقول إن الاحتفال بأعياد الربيع أصبح جسرًا يربط الأحفاد بالأجداد. وتضيف: “ما زالت ذكرياتنا عن أهالينا وتاريخنا القديم عالقة في وجداننا حتى هذه اللحظة عندما كنا صغارا. كنا نذهب لبيت الجد والجدة، حيث كانت الحياة بسيطة وجميلة، نذهب خلالها إلى الغيط. وقبلها تجتمع سيدات العائلة قبل ليلة شم النسيم لإعداد المحشي في جو من الألفة. ودائما ما كانت أصواتنا ترتفع بأغنية سعاد حسني (الدنيا ربيع والجو بديع)، لنعلن معها أن الربيع جاء بجماله في واحاتنا”.
البجوات والناضورة
يقول الباحث في الموروث الشعبي والتراثي «محمد البيرسي»، إن للأهالي طقوسا خاصة في اختيار وجهاتهم التاريخية أثناء الاحتفال بأعياد الربيع. فيفضل الكثيرون من أهالي الواحات التوجه للأماكن التي تعود إلى حقب زمنية قديمة حيث الشعور بعظمة الأجداد.
ومن أبرز هذه المزارات (مقابر البجوات) الأثرية بمدينة الخارجة. وهي منطقة فريدة تحاوطها أشجار النخيل الشامخة من كل اتجاه، وتنتشر حولها الآبار والعيون الكبريتية. مما يجعلها مكاناً مثالياً يجمع بين عبق التاريخ وسحر الطبيعة.
ويضيف أن منطقة “الناضورة” الأثرية تعد واحدة من أهم الوجهات. حيث الأجواء الربيعية الجميلة والإطلالة البانورامية على الواحة. وفي هذه الأيام، يستظل الأهالي تحت أشجار النخيل، خاصة وأن شم النسيم يتزامن غالباً مع بداية موسم اللقاح للنخيل. وهي الفترة التي يعتبرها أهالي الواحات الكنز الحقيقي. فمنها يبدأ موسم الخير والإنتاج لأهم محصول استراتيجي في المحافظة وهو التمر، لذا، فإن الاحتفال بالربيع هنا هو احتفال بالحياة والنمو والارتباط بالأرض التي تفيض بخيراتها.
مناخ ترفيهي بالمجان
يتابع النحات الواحاتي عيد مسلم، مدير حديقة 30 يونيو بالخارجة، أنه مع غروب شمس يوم شم النسيم، لا تنتهي الاحتفالات. بل تنتقل إلى مرحلة أخرى؛ حيث تفتح الحدائق العامة والمنتزهات المفتوحة أبوابها في كافة مراكز المحافظة (الخارجة، الداخلة، الفرافرة، باريس، وبلاط) لاستقبال المواطنين مجانا. بناءً على توجيهات الأجهزة التنفيذية، لتوفير مناخ ترفيهي لكل الفئات.
كما تشهد مراكز الشباب إقبالا كبيرا من العائلات التي تفضل قضاء الساعات الأخيرة من اليوم في ممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية. لتختتم الواحات يومها بلوحة فنية تعكس أرقى صور الترابط المجتمعي المصري الأصيل.
اقرأ أيضا: ثبات الطقس وتغير التعبير.. رحلة شم النسيم في الفن المصري






