«باحة الفنون للتراث والتنمية».. أول مساحة آمنة للكتابة والإبداع في القصير
على شاطئ المدينة التاريخية بالقصير، قرر عدد من الشباب تحويل سحر الشاطئ وهدوء المكان الممزوج بعبق التاريخ إلى مساحة للتعبير واكتشاف الذات. من خلال إطلاق مبادرة «باحة الفنون للتراث والتنمية الثقافية والتدريب»، للبحث عن الإبداع عبر تعليم الرسم والكتابة واكتشاف الذات للأطفال والكبار.
تفتح «باحة الفنون» المساحة لدمج الفن مع الطبيعة، فهي ليست مجرد ورش فنية، بل تجربة جماعية خارج القاعات المغلقة، فضلا عن كونها الأولى من نوعها في مدينة القصير. هنا نتعرف على المبادرة ودورها في تنمية الوعي الفني والإنساني بالمجتمع المحلي. خاصة أنها لاقت ترحيب واستجابة من الأهالي منذ إطلاقها.
النشأة والرؤية
يقول أسامة إبراهيم، صاحب كتاب «عليكي السلام»، ومتخصص في دراسات الإبداع والموهبة، عن بداية الفكرة وسبب اختيار مدينة القصير: “ولدت فكرة باحة الفنون من اهتمامي بالكتابة منذ عمر صغير جدا. بالإضافة إلى دراستي لعلم النفس وتخصصي في دراسة الإبداع والموهبة، وحاليا أدرس العلاج بالفن، وهو ما يفسر اهتمامي بالفنون.
أنا مؤمن بأن أي إنسان يحتاج إلى التعرف على نفسه. والفنون هي الطريق الأقرب والأسهل، أيا كان نوع الفن. سواء كتابة أو حكي أو سينما أو تصوير أو رسم أو تلوين أو أعمال يدوية أو مسرح. لذلك أسعى لمساعدة الآخرين على اكتشاف أنفسهم. وفي الوقت نفسه كيفية تحويل موهبتهم إلى مصدر دخل يحقق لهم الاستقرار النفسي والمادي”.
سبب اختيار القصير
عن اختيار مدينة القصير، يقول أسامة إنه يتجول كثيرا بين محافظات مصر. لكن منذ الزيارة الأولى للقصير وقع في عشقها دون أى ترتيبات. ورغم إقامته بها منذ عامين، أدرك حجم احتياج الناس للفنون الثقافة، مستلهما ذلك من تجربته في مدينة الزقازيق خلال الفترة من 2015 إلى 2020، كمساحة عمل فنية ناجحة. أنتجوا خلالها عروض حكي، وحفلات، وأفلاما قصيرة، ونوادي للكتابة. ما دفعه لنقل الفكرة إلى مجتمع القصير.
وأوضح أن الرؤية الأساسية للمبادرة هي مساعدة الأطفال والشباب على التعرف على أنفسهم من خلال الفنون. واكتشاف مواهبهم ومهاراتهم وتطورها، وتدريبهم من خلال الاحتكاك مع ورش وتدريبات مع مدربين محترفين. وصولا إلى تحويل هذه المواهب إلى مصدر دخل يؤمن لهم الاستقرار المادي والنفسي. إلى جانب سعي الباحة للحفاظ على تراث المدينة.

دور الباحة في تنمية المجتمع
بين أسامة أن الباحة تسعى إلى تنمية المواهب عبر أنشطة أسبوعية مثل نادي الكتابة، الذي يجمع محبي الكتابة أو من سبق لهم خوض التجربة. حيث يتم تجميع الشباب وعمل تمارين لغوية عن أنواع وأساليب الكتابة، والتعريف بأن الكتابة متاحة للجميع من خلال الممارسة والتعليم، إلى جانب قراءة النصوص. ثم نقل المهتمين إلى مرحلة أعلى عبر ورش اليوم الواحد، أو ورش تمتد حتى خمسة أيام متواصلة للتدريب.
وأكد أن الفن يمكن أن يكون أداة للتغيير وبناء الوعي. لأنه إجابة عن سؤال مهم: كيف يتعرف الإنسان على نفسه؟ لذلك تساهم الباحة في تنمية الأطفال والشباب. فبمجرد أن يكتشف الإنسان ذاته، يصبح أكثر وعيا وقدرة على التعامل مع المجتمع، وأكثر عطاء. ما يخلق تفكيرا إيجابيا بشكل تلقائي، لأنه تعرف على حقيقته وموهبته.
الأنشطة والبرامج
أوضح أسامة أن الباحة بدأت بنادي للكتابة. ثم نادي الحكي، بهدف التعرف على محبي القصة من خلال تناول موضوعات بسيطة أو مواقف لها تأثير في وجدان الإنسان. مثل: الإنسان، أو الفقد، أو الصداقة، وذلك في شكل ألعاب، دون أي مقاطعة للشخص الذي يكتب أو يحكي تجربته. ودون أعطاء نصائح أو تعليق على القصة. فالحكي هنا من أجل التفريغ أو التعبير عن النفس.
بالإضافة إلى الرسم والتلوين، حتى الأشخاص الذين ليست لديهم خبرة سابقة. بهدف تفريغ الضغوط النفسية والانفعالات والروتين، والعودة إلى الطفل الداخلي. ما يجعل الشخص أكثر سلاما مع حياته. ومن ضمن الأنشطة أيضا نادي السينما، الذي يسعى إلى النظر إلى السينما من منظور مختلف. من خلال إسقاط الأفلام على الواقع وخلق حوار مجتمعي للتعبير عن النفس بشكل هادف.
جميع الأعمار
أكد أسامة أن الباحة تعمل مع جميع الأعمار، بدءا من سن سبع سنوات وما فوق. مع تنظيم الوقت وفق الفئات العمرية، وجمع الأعمار المتقاربة لتحقيق أقصى استفادة. مع مراعاة احتياجات الأطفال وأسلوب تقديم الأنشطة لهم. حيث يتم تنظيم الورش للأطفال من خلال المسابقات والألعاب، وإعطاء مساحة للطفل للتأكيد على أن الفن لا يوجد فيه صح أو خطأ. بل هو مساحة للتعبير عن النفس كما هي.
وأشار إلى أن أهم تغيير يلاحظه هو فرحة وانبهار المشاركين في الورش بالنصوص التي قاموا بكتابتها، وشعورهم بالإنجاز. ما يساعد على استعادة الثقة بالنفس وتقويتها. مع توجيه المدربين بأن النصوص الأولى هي مجرد محاولات لاكتشاف المواهب والشخصيات.
ويذكر أن إحدى المشاركات قالت: “لم أتخيل يوما أنني سأجلس مع أشخاص مختلفين، وأكتب ثم أقرأ ما كتبت، وينبهر به الآخرون”. إضافة إلى تعليقات الأطفال وشعورهم بالسعادة والإنجاز.
كوادر باحة الفنون في القصير
يقول أسامة إن فريق الباحة يتكون من حارس محمد، مسؤول تكنولوجيا المعلومات والتقنيات، ويشارك في الغناء والكوميديا. وشروق شعبان، مسؤولة الأنشطة الخاصة بالأطفال والمعسكرات. وأميرة توفيق، مسؤولة التنظيم وتحديد مواعيد الورش، رغم أنها أصغر أعضاء الفريق.
ويؤكد أن جميع أعضاء الفريق من مدينة القصير، لأن من أهداف باحة الفنون اكتشاف الكنوز الموجودة في مدينة القصير سواء مدربين أو متدربين.

التحديات
من أهم التحديات التي تواجه باحة الفنون، بحسب أسامة إبراهيم، هو توفير مكان خاص للأنشطة. إذ لا يزال البحث والاختيار جاريين، فالمقر الحالي صغير جدا، ما يدفع الفريق إلى التنسيق مع بعض الجهات مثل جمعية المحافظة على التراث، أو الجمعية النسائية، أو مكتبة مصر، لإقامة الأنشطة التي تحتاج إلى قاعات أكبر. وأكد أن جميع الأنشطة تقام بالجهود الذاتية. دون دعم من أي جهة رسمية أو ومجتمعية، ولا تزال تقدم بشكل مجاني تماما لجميع المشاركين في باحة الفنون.
وأشار إلى أن من أبرز مظاهر الإنجاز هو استمرار المشاركين، فمعظم من يشاركون للمرة الأولى يواصلون الحضور سواء في نادي الكتابة، أو نادي الحكي، أو نادي السينما. وهو ما يدعو للفخر، كونه كسر العديد من الحواجز والعادات والتقاليد والقناعات المرتبطة بالفن والثقافة. لافتا إلى أن أحد اللقاءات شهد مشاركة أكثر من 60 شخصا، جميعهم يحضرون لأول مرة. وكان لكل منهم قناعات مختلفة حول مفاهيم الفنون والكتابة والسينما.
الخطط المستقبلية لتطوير الباحة
يرى أسامة إبراهيم أن المستقبل للباحة مبهج، خاصة مع إقبال الأهالي على الفكرة. فضلا عن التعاون مع الجمعيات مثل جمعية المحافظة على التراث والجمعية النسائية. كما تم توقيع بروتوكول تعاون مع أكاديمية الشروق الرياضية، بهدف دمج الفن مع الرياضة والتعليم. حتى لا يكون الفن في معزل عن باقي الأنشطة. إذ أنه في النهاية معبر عن الحياة ونشاط إنساني يحتاج له الجميع.
وفي ختام حديثه تمنى إبراهيم أن تحظى الباحة بالدعم والتسهيلات اللازمة لتعزيز وجودها في المجتمع. مؤكدا أن مسؤولية وضع الخطط والرؤى وآليات تقديمها للمجتمع تقع على عاتق فريق العمل.

الأطفال في قلب التجربة
تقول شروق شعبان، مهندسة اتصالات ومسؤولة جيل الباحة، إن الباحة تنطلق من إيمانها بأن الطفل في القصير لا تتوافر له الخدمات الكافية لإخراج طاقته الكاملة. ومن هنا جاءت الفكرة لتوفير مساحة آمنة للتعبير والاكتشاف. فمع محدودية الخدمات الموجهة للأطفال، واقتصار الأنشطة غالبًا على لعب الكرة، برزت الحاجة إلى مكان يحتوي الطفل بصورة شاملة، ويمنحه بيئة آمنة لتفريغ طاقته الكامنة، واكتشاف مواهبه منذ البدايات.
وتضيف شروق أن الباحة تقوم على فلسفة واضحة كل طفل يحمل داخله موهبة وإبداعًا. وما يحتاجه فقط هو مساحة للتعبير دون أحكام، وبيئة داعمة تساعده على فهم ذاته وتنمية قدراته. وتتنوع الأنشطة بين الرسم، والتلوين، والحركة، والرياضة. لكنها تقدم بصورة مدروسة وممنهجة، تراعي الجانب النفسي والإبداعي للطفل.
تغير ملموس
أكدت شروق أن نحو 60 طفلًا شاركوا حتى الآن في الأنشطة، وكانت النتائج لافتة. حيث أبدى الأطفال انبهارهم بما اكتشفوه داخل أنفسهم. فيما أكد أولياء الأمور حدوث تغير ملموس في شخصيات أبنائهم. إذ أصبحوا أكثر ثقة بالنفس وأكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم. وفي الباحة، يتم الاستماع للأطفال بإنصات حقيقي دون أحكام.
وأوضحت أنه يتم تنظيم معسكرات مكثفة أيام الجمعة والسبت، تتضمن أنشطة إبداعية مركزة. خاصة عقب فترات الامتحانات، بهدف تفريغ الطاقة السلبية ومساعدة الطفل المبدع على التعرف إلى أهدافه ومواهبه.
مشروع ثقافي مجتمعي
تقول شروق شعبان: “على مستوى أوسع، لم تعد الباحة مجرد مساحة للأطفال. بل أصبحت مشروع ثقافي مجتمعي يسعى إلى التغيير عبر الإلهام والدعم والاهتمام بالفنون. فإلى جانب أنشطة الأطفال، هناك مسارات للتعبير عن النفس من خلال الفن والكتابة الحرة دون شروط. حيث اكتشف المشاركون قدراتهم المدهشة على الكتابة. كما يضم المشروع نادي السينما بالتعاون مع بيت ثقافة القصير ومكتبة مصر العامة، وورش تصوير لأماكن مدينة القصير. إلى جانب نادي الحكي كأداة للتعبير النفسي والإنساني”.
ونوهت بأن الإيمان بالفكرة هو سر انتشارها. فحين تكون الرؤية صادقة، يأتي الداعمون تلقائيا، حتى أصبح فريق الباحة يضم عددًا كبيرًا من المتطوعين والمؤمنين بالرسالة. ويحظى المشروع بدعم واسع من أهالي مدينة القصير، ليصبح نموذجًا حيًا لما يمكن أن يفعله الفن حين يمنح المساحة والاهتمام.
اقرأ أيضا:
«تجفيف السمك» في القصير.. موروث شتوي من ذاكرة البحر الأحمر
«الإسكلة البحرية» بالقصير.. بين الإهمال الرسمي ومحاولات الإنقاذ الشعبية
«شونة الغلال» بالقصير.. صرح تاريخي مهجور يروي حكايات التجارة والقوافل






