«الوجه المقدس».. كيف صوّرت حضارات العالم السيد المسيح؟
منذ القرون الأولى لظهور المسيحية، جاء تصوير السيد المسيح تعبيرا عن الإيمان والهوية، وانتقلت صورته انتشار المسيحية عبر الحضارات المختلفة، إذ أعاد كل مجتمع صياغتها وفق خلفيته الحضارة. ويستعرض «باب مصر» رؤى الفنانين في أنحاء العالم، التي تجسدت فيها مشاهد الميلاد المقدس للتعبير عن معناه اللاهوتي والإنساني.
رسم السيد المسيح في أوروبا
في البداية، تطرقت آنا سوارتوود، الأستاذ المشارك في تاريخ الفن بجامعة ساوث كارولينا، إلى شرح تاريخ تصوير السيد المسيح في مقالها المنشور على الموقع الرسمي للجامعة.
وسردت تاريخ رسم المسيح، على يد فنانين أوروبيين بصفتها مؤرخة لفن عصر النهضة. حيث درست تطور صورة السيد المسيح خلال الفترة من عام 1350 إلى عام 1600 ميلاديا. وشهدت هذه الفترة إنتاج أشهر تصاوير المسيح، مثل لوحة “العشاء الأخير” لليوناردو دافنشي، ولوحة “الدينونة الأخيرة” لمايكل أنجلو في كنيسة سيستين.
كما انتشرت صورة “رأس المسيح” للفنان وارنر سالمان، التي جسدت المسيح بعيون فاتحة وشعر أشقر. لتصبح من أكثر الصور تداولا، خاصة بعد شراكات سالمان مع دور نشر مسيحية بروتستانتية وكاثوليكية. حيث ظهرت الصورة على بطاقات الصلاة والزجاج الملون واللوحات الزيتية والتقاويم وكتب الترانيم.
البحث عن الوجه المقدس
عن ملامح السيد المسيح، توضح آنا سوارتوود: “من المحتمل أن تكون ملامحه مختلفة، له أعين بنية، وبشرة سمراء، مثل رجال القرن الأول الميلادي في المنطقة. لكن لا أحد يعرف كيف تبدو ملامح السيد المسيح لغياب صورة معروفة له من عصره”.
وعلى حد وصفها، يصف العهد القديم بأنه طويل ووسيم. وتتابع: “لا يوجد ما يشير إلى مظهر المسيح في العهدين القديم والجديد، ووّصِف في سفر المزامير أنه كان أجمل من بني البشر”. وتوضح الباحثة في مقالها أن أقدم صور للسيد المسيح ظهرت في القرون الثلاثة الأولى الميلادية. بهدف توضيح دوره كحاكم أو مُخلّص، استنادا لأشكال بصرية من ثقافات أخرى.

الراعي الصالح
تعد صورة المسيح في هيئة «الراعي الصالح» من أكثر الصور انتشارا في الفن المسيحي المبكر. إلى جانب تصويرات أخرى ظهر فيها بملامح الإمبراطور.
وساد اعتقاد بأن أقدم صور المسيح، بالمعنى المرجعي، لم تكن من صنع البشر، بل صورا ذاتية عُرفت باسم «الصورة التي لم تصنعها الأيدي البشرية». ويعود ظهورها إلى القرن السابع الميلادي، بعد شفاء المسيح الملك أبجر عبر صورة معجزة لوجهه، عرفت لاحقا باسم «المنديل».
وتشير آنا إلى أن التقليد المسيحي الغربي بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر تحدث عن أن المسيح، قبيل صلبه، طبع ملامح على وجهه على حجاب القديسة فيرونيكا. وعُرفت هذه الصورة باسم «فولتو سانتو» أو «الوجه المقدس». لتصبح واحدة من أكثر الرموز الدينية تأثيرا في الذاكرة المسيحية.
الصورة الحقيقية
تضيف آنا أن هاتين الصورتين شكلتا الأساس لفكرة «الصورة الحقيقية» للمسيح. ومن منظور تاريخ الفن، أسهمت هذه الشواهد في ترسيخ صورة نمطية للمسيح. أبرزها اللحية والشعر الداكن المنسدل حتى الكتفين.
ومع دخول عصر النهضة، اتجه الفنانون الأوروبيون إلى مزج الأيقونة الدينية بالصورة الشخصية. لإعادة تشكيل صورة المسيح بشكل يعكس تصوراتهم الذاتية.

المسيح المتألم
يفسر موقع “جامعة ساوث كارولينا” هذا التوجه برغبة الفنانين في إبراز التعاطف مع البعد الإنساني لمعاناة المسيح. وجسد الرسام الصقلي أنتونيلو دا ميسينا، عاش في القرن الخامس عشر. نماذج في هذا الصدد من بينها لوحات صغيرة للمسيح المتألم، لكن بصورة شخص عادي. ووضع الشخصية خلف حاجز وهمي أمام خلفية سوداء.
وفي القرن السادس عشر، طمس الفنان الألماني ألبرخت دورر الحدود بين «الوجه المقدس» وصورته الذاتية في لوحته عام 1500. حيث ظهر بوضعية أمامية أيقونية، بلحية وشعر كثيفين منسدلين حتى الكتفين، في استحضار واضح لملامح المسيح.
حضارات الجنوب
لم تقتصر هذه الظاهرة على أوروبا. إذ تم تجسيد السيد المسيح في أكثر من مجتمع، فهناك صور ليسوع من القرنين السادس عشر والسابع عشر. على سبيل المثال، بملامح إثيوبية وهندية، وأخرى حديثة لفنانين من آسيا.
وتتابع مؤرخة الفن لعصر النهضة الأوروبي، لكن في أوروبا، بدأت صورة المسيح ذي البشرة الفاتحة تؤثر على أجزاء أخرى من العالم من خلال التجارة.

مدارس للرسم
يرصد مقال “الفن الإثيوبي المسيحي” للدكتور جاكوبو غنيسكي، المنشور على موقع “سمارت هيستوري”، تاريخ ظهور الأعمال الفنية التي تمثل المسيح، في إثيوبيا من خلال تتبع انتقال المسيحية.
ومع توسع الأوروبيين، جلبوا معهم صورة أوروبية للسيد المسيح، وأنشأ المبشرون مدارس للرسم لتعليم الفن المسيحي بالأسلوب الأوروبي. ويوضح: “يمزج التصميم الداخلي للكنائس بين العناصر الأكسومية وعناصر أحدث ذات أصول قبطية عربية. ففي كنيسة بيت مريم، تُحاكي العناصر المعمارية – مثل التيجان المنحوتة وإطارات النوافذ – النماذج الأكسومية. بينما يمكن مقارنة اللوحات بتلك الموجودة في دير القديس أنطونيوس في العصور الوسطى على البحر الأحمر”.
وعن بداية رسم المخطوطات، فإنها ترجع إلى مطلع القرن الخامس عشر. وتم تزيينها بالصلبان وصور القديسين والسيدة مريم العذراء والطفل المسيح. وتشير المصادر المكتوبة إلى أن الإمبراطور شجع استخدام اللوحات الجدارية في الطقوس الكنسية.
زجاج ملون
في مايو عام 2023، تم تسليط الضوء على نافذة زجاجية ملونة يتجاوز عمرها 150 عاما، في كنيسة القديس مرقس المُغلقة حاليا. يظهر فيها السيد المسيح وهو يخاطب امرأة سامرية. وبحسب وكالة “أسوشيتد برس”، فإن اللافت في هذه النافذة هو رسم السيد المسيح ببشرة داكنة. وتعد أقدم مثال معروف للزجاج الملون الذي يُصور المسيح بهذه الملامح.
وأكد عدد من الخبراء أن ألوان البشرة المرسومة بالأسود والبني على زجاج أبيض. وتم تسخينه في فرن لتثبيت الصورة، هي ألوان أصلية وموضوعة عن قصد. وأضافوا أن القطعة تحمل بعض آثار الزمن، لكنها ما تزال بحالة ممتازة.

لوحات ميلاد المسيح في آسيا
سلطت مجلة art and theology الضوء على فنون ميلاد المسيح في آسيا، من خلال مقال بعنوان “مجموعة مختارة: فنون ميلاد المسيح من آسيا”.
واستعرض المقال إحدى لوحات الفنان لو هونغنيان، الذي اعتنق المسيحية واتخذ اسم يوحنا له. متأثرا بالعهد الجديد كمصدر إلهام لأعماله الفنية. وتصور اللوحة العائلة المقدسة داخل مغارة جبلية، حيث تنظر السيدة مريم إلى مولودها. بينما يُحضر يوسف القش ليغطيه، ويقترب منهما أطفال متشوقون لرؤيته.
المعنى اللاهوتي
خصصت الباحثة فيكتوريا إميلي جونز مقالا في مجلة “christianity today”، ضمن قسم اللاهوت، تناولت فيه كيفية تصوير الفنانين الآسيويين لميلاد السيد المسيح.
واستعرضت مجموعة من الأعمال الفنية لفنانين من آسيا، موضحة أن: “الفنانين يجعلون من الميلاد حدثا محليا، مترجمين هذا الحدث إلى سياقات ثقافاتهم الخاصة. وقد يعترض البعض على تصوير يسوع في صورة أخرى غير صورة رجل ولد في بيت لحم. لكن الفنانين المسيحيين الذين يتناولون موضوع التجسد للمعنى اللاهوتي”.

عالمية ميلاد السيد المسيح
تتابع إميلي قائلة: “خلال تصوير السيد المسيح على أنه ياباني أو إندونيسي أو هندي، فإنهم ينقلون إحساسا بحضوره وهنا يتجسد عالمية ميلاد المسيح”.
كما تفسر عدم تفضيل الفنون من آسيا للسيد المسيح، موضحة: “لا يفضل كل الآسيويين الصور الآسيوية للمسيح. بل يفضلون الفن الأوروبي التقليدي الذي تعرف من خلاله الكثيرون على المسيحية؛ ويعتبرونه الأكثر أصالة في التعبير عن المسيحية”.
تجسيد المسيح في الصين
تستكمل فيكتوريا إميلي حديثها عن تجسيد المسيح في الصين، مشيرة إلى أنه في عام 1930 أسهم الأسقف الكاثوليكي سيلسو كوستانتيني، أول مندوب رسولي إلى الصين، في تأسيس قسم للفنون بجامعة بكين الكاثوليكية الجديدة (Beiping Furen Daxue).
وخلال العقدين اللاحقين، نجح أساتذة هذا القسم وطلابه في إنتاج مجموعة مميزة من اللوحات المائية المسيحية الصينية المنفذة على الحرير.
لوحة ميلاد المسيح
توضح إميلي أن من أبرز نماذج مشهد الميلاد في إطار فني محلي لوحة «ميلاد المسيح» للفنان لوك هوا شياوشيان، المحفوظة ضمن مجموعة معهد ريتشي لتاريخ الثقافة الصينية الغربية عام 1948.
وتصور اللوحة المشهد عند مدخل كهف في طبيعة جبلية مكسوة بالثلوج. حيث تظهر السيدة مريم ويوسف وهما يرعيان الطفل يسوع، فيما يجثو ملاك أمامه في خشوع. وفي الأعلى، وعلى قمم تحيط بها السحب، يقف سبعة ملائكة يعزفون على آلات موسيقية صينية تقليدية. مثل البيبا (العود)، والجوتشين (القيثارة ذات الأوتار السبعة)، والتشينتشين (البانجو).
اقرأ أيضا:
صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات
حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟
عشرات الآثار المصرية تغادر المتحف البريطاني للهند.. وحجر رشيد في الواجهة| ما القصة؟



