دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين

في قلب الصحراء الشرقية بمحافظة أسيوط، وتحديدًا داخل محمية الوادي الأسيوطي، تعيش واحدة من أندر سلالات النحل في العالم، سلالة «النحل الفرعوني الأصيل». هذه السلالة تعود جذورها إلى الحضارة المصرية القديمة، وذكرت على جدران الدير البحري للملكة حتشبسوت، وأصبحت اليوم محور اهتمام علمي وعالمي لما تحمله من خصائص جينية وبيئية فريدة.

سلالة تعود إلى فجر الحضارة

يقول إبراهيم محمود أحمد نفادي، أستاذ بقسم النباتات والميكروبيولوجي بكلية العلوم جامعة أسيوط، ومدير محمية الوادي الأسيوطي، لـ«باب مصر»: “النحل الفرعوني الأصيل، المعروف بـ”النحل البلدي المصري” (لاماركي). يعد من أقدم سلالات النحل التي عرفها الإنسان. حيث كان يعيش قديمًا في الجبال والأشجار قبل أن ينجح الفراعنة في تربيته وتوطينه. وقد صمم الفراعنة خلايا طينية أسطوانية الشكل مصنوعة من الطين والتبن. في تجربة تعد الأولى من نوعها في تاريخ تربية النحل، وهو ما مثل نقلة حضارية في التعامل مع هذه الكائنات الدقيقة”.

ويؤكد أن هذه السلالة النادرة لا توجد اليوم إلا داخل حدود المحمية. ما جعلها محط أنظار الباحثين والمؤسسات العلمية حول العالم. ويضيف أن المحمية تستقبل بصفة مستمرة باحثين من دول مختلفة. وعلى رأسها ألمانيا، لدراسة الخصائص الفسيولوجية والجينية لهذه السلالة، في ظل التغيرات المناخية العالمية.

النحل الفرعوني بمحمية الوادي الأسيوطي.. تصوير: جاسمين مهني
النحل الفرعوني بمحمية الوادي الأسيوطي.. تصوير: جاسمين مهني
عدسات أجنبية توثق كنزًا أسيوطيًا

يشير نفادي إلى أن الاهتمام العالمي بهذه السلالة تُرجم إلى أعمال توثيقية. فنظرًا لخصائصه الاستثنائية، استقطب النحل الفرعوني باحثين من مختلف دول العالم. وقد قام فريق مختص من التلفزيون الألماني بإنتاج فيلم تسجيلي بعنوان “النحل العظيم على النيل العظيم”. تناول رحلة النحل الفرعوني داخل محمية الوادي الأسيوطي. وعُرض على التلفزيون الألماني، ولا يزال متاحًا عبر منصة يوتيوب.

من بين أهم خصائص النحل الفرعوني، بحسب مدير المحمية، قدرته الفائقة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية. حيث يتحمل درجات حرارة مرتفعة جدًا وأيضًا منخفضة للغاية. كما يستطيع جمع الرحيق من مسافات تصل إلى 12 كيلومترا.

ويقارن نفادي بين هذه السلالة الفرعونية والسلالات المستوردة المنتشرة حاليًا في مصر. مثل سلالة “الكرنيولي” الإيطالية، التي تمتاز بغزارة الإنتاج لكنها تفتقر إلى القدرة العالية على التكيف البيئي.

اهتمام علمي وجيني عالمي

يضيف مدير المحمية أن اهتمام الباحثين الأجانب لا يقتصر على دراسة السلالة فقط. بل يمتد إلى محاولة الاستفادة من جيناتها المميزة من خلال دمجها مع السلالات الأوربية عالية الإنتاج. بهدف إنتاج سلالات جديدة تجمع بين غزارة الإنتاج والقدرة على تحمل التغيرات المناخية.

ويشير نفادي إلى أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا خاصًا بالحفاظ على هذه السلالة النادرة. حيث صدرت توجيهات رسمية من رئاسة الجمهورية إلى محافظ أسيوط ووزيري البيئة والزراعة. بضرورة بذل كل الجهود الممكنة للحفاظ على النحل الفرعوني العتيق ومنع اندثاره.

ويتابع أنه تم تنفيذ مشروع لزراعة نحو ألف شجرة من أشجار السدر “النبق” داخل المحمية، باعتبارها مرعى طبيعيًا رئيسيًا للنحل الفرعوني. ما يضمن استدامة الغذاء الطبيعي لهذه السلالة النادرة.

النحل الفرعوني بمحمية الوادي الأسيوطي.. تصوير: جاسمين مهني
النحل الفرعوني بمحمية الوادي الأسيوطي.. تصوير: جاسمين مهني
من الخلايا الطينية إلى البراويز الخشبية

يوضح مدير المحمية أن النحل الفرعوني كان يعيش قديمًا في خلايا طينية أسطوانية الشكل. يبلغ طولها نحو متر، وعرضها ما بين 10 إلى 15 سم. وكان الفراعنة ينقلونها عبر قوارب في نهر النيل بحثًا عن مناطق غنية بالرحيق.

أما اليوم فقد تم استبدال هذه الخلايا ببراويز وصناديق خشبية حديثة تراعي الاشتراطات الصحية. مع الحفاظ على طريقة النحل الطبيعية في بناء الشمع. وتتميز هذه السلالة بحجمها الصغير ولونها الداكن، وتعيش في خلايا صغيرة. بينما تعيش السلالات الأخرى في صناديق خشبية كبيرة مثل الصناديق الهندية. ويوضع فيها برواز خشبي فارغ يقوم النحل الفرعوني بملئه بالشمع الطبيعي.

شمع طبيعي وعسل جبلي

يؤكد نفادي أن النحل الفرعوني يتميز بإنتاج شمع طبيعي خالص دون أي تدخل صناعي. على عكس السلالات الأخرى التي تعتمد على شمع جاهز، حيث يقوم النحل بإنتاج العسل فقط.

ويستخدم العسل والشمع الفرعوني في العلاج، مثل علاج الجيوب الأنفية، والجهاز التنفسي، والرئة، والمعدة، والقولون، فهو مفيد جدا. ويقوم النحل الفرعوني بجهد كبير لإنتاج شمعه الطبيعي. ويتم وضع البرواز في الصندوق الخشبي فارغًا، ليقوم النحل بصنع الشمع والعسل والخلايا الثلاثية، ويغذي نفسه من نبات السدر.

العسل النحلي.. تصوير: جاسمين مهني
العسل النحلي.. تصوير: جاسمين مهني
ستة منتجات.. وفوائد متعددة

يضيف نفادي أن النحل الفرعوني ينتج ستة منتجات رئيسية: “العسل، الشمع، حبوب اللقاح، غذاء ملكات النحل، سم النحل، وصمغ البروبوليس”. مشيرا إلى أن “سم النحل” يحتوي على 66 مركبًا فعالًا طبيًا. ويستخدم في تقوية المناعة، وعلاج الالتهابات، وآلام المفاصل والعمود الفقري، والصداع، وتضخم الغدة الدرقية.

ويستكمل حديثه لـ«باب مصر» موضحا أن استخدام منتجات النحل الفرعوني في العلاج ليس أمرًا حديثًا، بل يعود إلى الحضارة المصرية القديمة. حيث وثق الفراعنة تربية النحل وصناعة العسل على جدران معبد الدير البحري للملكة حتشبسوت. كما عثر داخل مقبرة توت عنخ آمون على عسل يعود لأكثر من 3500 سنة. وكان لا يزال صالحًا للاستخدام، في واقعة أدهشت الباحثين حول العالم. ويؤكد عظمة هذا “السائل الذهبي”، الذي كان مخصصًا للنخبة فقط في ذلك الوقت.

ويتابع أن غذاء ملكات النحل من أكثر منتجات النحل تركيزًا بالبروتينات والدهون والإنزيمات. وله دور فعال في تجديد خلايا الجسم، وتحسين وظائف الجهاز العصبي، وعلاج تصلب الشرايين، وزيادة الخصوبة لدى السيدات، وتأخير الشيخوخة. مما يجعله محل اهتمام كبير من الباحثين حول العالم.

الأمراض تهدد خلايا النحل الفرعوني بأسيوط

يقول إبراهيم نفادي إن المنحل بدأ نشاطه بعدد 20 خلية نحل. قبل أن يشهد توسعًا تدريجيًا وصل إلى 160 خلية، إلا أن إصابة النحل بعدد من الأمراض أدت إلى تراجع الأعداد لتصل نحو 100 خلية. ثم انخفضت لاحقًا إلى 75 خلية.

ويضيف أن المنحل يخضع حاليًا لإشراف مشروع تابع للمركز القومي للبحوث الزراعية بالدقي، ممثلًا في قسم البحوث لـ80 خلية. ورغم ذلك، لا يزال إنتاج العسل محدودًا نتيجة إصابة النحل بنوع من الفطريات يعرف بـ”الفروة”. مشيرًا إلى أن الجهود البحثية والعلاجية مستمرة لاحتواء المرض وزيادة أعداد خلايا النحل الفرعوني خلال الفترة المقبلة.

وأوضح نفادي أنه من المتوقع أن يشهد المنحل تحسنًا تدريجيًا في الإنتاج، على أن يتم طرح العسل الناتج للبيع داخل المحمية الطبيعية بالوادي الأسيوطي.

خلايا طينية أسطوانية الشكل كان يصنعها الفراعنة لتوطين النحل.. تصوير: جاسمين مهني
خلايا طينية أسطوانية الشكل كان يصنعها الفراعنة لتوطين النحل.. تصوير: جاسمين مهني
نشاط إكثار النحل البلدي المصري

طبقا لإحصائيات مراكز البحوث الزراعية على مستوى الجمهورية لحصر أعداد خلايا النحل البلدي المصري. فقد شهدت أعداد الخلايا انخفاضا كبيرا ومستمرا. حيث بلغت 314.598 خلية عام 1982-1981، وانخفض هذا العدد ليصل إلى 226.722 خلية عام 1987-1986. واستمر الانخفاض حتى وصل إلى 182.262 خلية عام 1990-1991، و 156.855 خلية في عام 1992-1991.

وبالرغم من ذلك تحتل محافظة أسيوط المرتبة الأولى بين محافظات الجمهورية من حيث عدد من خلايا النحل البلدي المصري، إلا أن هناك انخفاضًا كبيرًا في أعداد هذه الخلايا. حيث تتبع الإحصاءات أعداد خلايا النحل البلدي المصري بمحافظة أسيوط في الفترة من عام 1986 حتى عام 2002.

اقرأ أيضا:

«صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية

غرفة صغيرة وأحلام كبيرة.. تجربة «شيماء عز العرب» في صناعة الشموع

الأغاني الشعبية: رحلة اندثار تراث الأجداد خلف ضوضاء الدي جي

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.