المسرح في أسيوط.. حضور قائم وتحديات مستمرة
لا يزال المسرح في محافظة أسيوط ساحة تُعرض من خلالها قضايا المجتمع، وينعكس فيها نبض الشارع على خشبة العرض، إلا أنه يواجه تحديات مرتبطة بغياب خطة واضحة وضعف الدعاية، ما يؤثر على انتشاره وحضوره الجماهيري. كما يواجه المسرح تحديات إدارية وإنتاجية تنعكس على انتظام العروض وجودتها.
المسرح أبو الفنون
يقول المخرج المسرحي الكبير، أحمد الشريف، إن المسرح هو “أبو الفنون”. إذ يحمل على خشبته مجموعة متمازجة من فنون الأداء والتأليف والنحت والتشكيل والموسيقى والاستعراض. ليقدم وجبة دسمة من الفكر في إطار من المتعة والجمال البصري والصوتي، بهدف إيصال رسالة للجمهور.
ويؤكد أن الأقاليم، خاصة في الصعيد، تعاني من غياب المسارح الكبرى والاستديوهات وغيرها من وسائل الترفيه. ما يمنح مسرح الأقاليم أهمية مضاعفة.
يضيف الشريف أن وزارة الثقافة حملت على عاتقها دعم مسرح الأقاليم، من خلال نش قصور الثقافة في مختلف أنحاء الجمهورية، لا سيما في الصعيد. وأصبحت هناك فرق مسرحية في كبرى مراكز المحافظات. يتراوح عددها بين 3 و9 فرق في المحافظة الواحدة، تقدم عروضها لجمهور القرى والنجوع.
وتشير الصور التوثيقية ومقاطع الفيديو إلى حضور جماهيري كبير. قد يتجاوز في بعض المواقع الثقافية ما بين 400 إلى 3000 متفرج يوميا، على مدار 7 إلى 10 أيام عرض، وهو ما يعكس قوة جذب المسرح.

مصنع للمواهب
يوضح الشريف أن هذه الفرق احتوت مواهب القرى والنجوع من مؤلفين وشعراء ومهندسي ديكور وممثلين ومخرجين، إلى جانب الراقصين والمطربين والملحنين.
كما نظمت قصور الثقافة العديد من الورش لصقل هذه المواهب. ما أسهم في ظهور طموحات لدى الشباب للانطلاق نحو الاحتراف. وقد أفرزت هذه التجربة أسماء بارزة على الساحة، مثل إيهاب محفوظ، وعبد الله سعد، وعماد صابر، ومصطفى عماد، وغيرهم ممن التحقوا بالمعاهد المسرحية المتخصصة.
ووجه الشريف رسالة للمسؤولين، مطالبا بإنقاذ المسرح من تعقيدات الإجراءات الإدارية وتأخر صرف ميزانيات الإنتاج، مؤكدا أن البيروقراطية تقتل الإبداع. وأشار إلى أن مسارح أسيوط تحتاج إلى صيانة عاجلة، مع غياب واضح للدعاية بسبب تقليص الميزانيات، متسائلا: ما جدوى إنتاج عرض مسرحي دون وجود دعاية أو حتى “أفيش”؟
حال المسرح في أسيوط
من جانبه، يقول عمرو حمزة، ممثل ومخرج مسرحي، إن حال المسرح في أسيوط قد يكون أفضل من محافظات أخرى. لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب، بسبب التكرار والرتابة في بعض العناصر. ويضيف أن المشكلة الحالية لا تكمن في الجانب الفني، بل في التعقيدات الإدارية والمالية، وتأخر صرف الميزانيات. ما يؤدي إلى تقديم العروض في غير مواعيدها وبجمهور محدود. وأحيانا يتم التعجل في إنهائها دون الاهتمام بجودة التنفيذ.
وأشار حمزة إلى أهمية الورش المسرحية في اكتشاف المواهب، مستشهدا بتجربة الفنان مصطفى عماد، أحد أبطال مسلسل “سيد الناس”. والذي بدأ من مسرح أسيوط قبل التحاقه بالمعهد القومي للفنون المسرحية. كما أكد أن هناك عشرات الممثلين والمخرجين المتميزين من خريجي مسرح أسيوط، الذين لهم حضور قوي على مسارح مصر. سواء في مسرح الطفل أو الكبار، حتى وإن لم يظهروا على شاشات التلفزيون.
وذكر أن من بين هذه الأسماء: عماد صابر، وإيهاب محفوظ، ومدونة هاني، وعبد الله سعد، وأميرة حسني، وغيرهم، ممن يواصلون مسيرتهم الفنية. بل ويستكمل بعضهم دراسات عليا في معهد الفنون المسرحية.

دعوة لتنظيم العمل المسرحي
يطالب حمزة بوضع خطة واضحة لتنظيم العمل المسرحي، تشمل مواعيد البروفات والعروض، إلى جانب تطوير آليات الدعاية لجذب الجمهور. وأشار إلى وجود فجوة أحيانا بين توفر الجمهور وغياب العروض، أو العكس. وهو ما يتطلب دراسة جادة.
وأكد أن المسرح في أسيوط قد خرج عشرات الفنانين والمخرجين ومساعدي المخرجين الذين يؤدون دورا مهما في الحركة المسرحية، مشددا على ضرورة دعم هذا القطاع. كما وجه رسالة للجمهور بمتابعة العروض المسرحية، لأن المسرح لا يكتمل دون جمهوره.
المسرح مرآة للعقل
توضح دميانه سمير عبده، ممثلة من أسيوط، أن المسرح يلعب دورا قويا في التوعية، لما يمتلكه من قدرة على جذب الجمهور، سواء من الأطفال أو الكبار. وأضافت أنها بدأت مشوارها في قصور الثقافة عام 2018. وشاركت في أعمال عالمية مثل “هاملت”، إلى جانب عروض أخرى تحمل رؤى فكرية وكوميدية مختلفة. وأكدت أن أهمية المسرح تكمن في قدرته على تقديم رسالة، تختلف قراءتها من مشاهد لآخر حسب إدراكه.
وتشير إلى أن جملة واحدة في عرض مسرحي قد تترك أثرا عميقا لدى المتلقي. لافتة إلى تجربتها في إخراج عروض للأطفال، والتي لاقت تفاعلا كبيرا، ولا يزال الجمهور يتذكر أغانيها وتفاصيلها حتى الآن.
وأكدت أن المسرح هو مرآة يرى فيها الإنسان نفسه وحياته، ويعيد التفكير في قراراته. وناشدت المسؤولين بضرورة الاهتمام بالمسرح، نظرا لما يعانيه من إهمال فني وإداري. كما أشارت إلى أن جمهور المسرح غالبا ما يقتصر على الأصدقاء والمهتمين. في حين يحتاج إلى الوصول إلى فئات أوسع من المجتمع. وهو ما يتطلب دعاية قوية وفعالة للعروض المسرحية داخل قصور الثقافة.
اقرأ أيضا:
«ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟



