المريسة..مشروب تاريخي يوثق علاقة أهالي الوادي الجديد بالنخلة في رمضان
بين ممرات قرية «المنيرة» القديمة بمركز الخارجة بالوادي الجديد، تفوح رائحة الذكريات التي ارتبطت بعقول اجدادنا من مدي تقديس أهالي الواحات للنخيل والتمور والذى يعد هو المحصول الإستراتيجي الأول، حيث لا تزال “النخلة” هي الأم الحنون ومن هنا، برز المشروب الواحاتي الأكثر شهرة «المريسة»؛ ذلك السائل الذهبي الكثيف المصنوع من العجوة الذي يظل عالق في أذهان أبناء الواحات بمذاقه الذي لاينسي من مئات السنين، ليتحول من مجرد «منقوع بلح» إلى طقس مقدس لا تكتمل شهر رمضان بدون وجودة علي مائدة الأفطار .

تقنيات التحضير التقليديةلـ «المَرْسية»اليدوي وأواني الفخار
تقول الحاجة فاطمة قنديل، سيدة ثمانينية من أهالي المنيرة : زمان في القرية الرجالة كانوا بيروحوا الغيط وبنبقي في شهر رمضان ولا كان فيه خلاط ولا أي حاجة كان قبل رمضان كل بيت عنه صفايح من البلح الصعيدي كنا بنصنع منه بلح العجوة ومنعرفش اصناف تاني زي حالياً من البلح غير البلح الصعيدي والسر كله في طريقة التحضير اليدوية لمشروب المريسة حيث لا نستخدم فيها أي أدوات حديثة.
وتوضح، الحاجة فاطمة،أنها تبدأ بنقع البلح في كميات مناسبة من المياه داخل أوانٍ فخارية، وهي الأواني التي تجعل المشروب ذو برودة طبيعية ومذاق خاص، مضيفه انها جاءت تسمية المريسة من عملية (مَرْس) البلح، أي دعكه وعصره باليد جيداً بعد نقعة لفترة كافية حتى يذوب لحم التمر في الماء ويتحول إلى سائل كثيف.
وأكدت الحاجة فاطمة، أنه بإضافة «نصف ليمونة» على المزيج هي الخطوة النهائية والأساسية، حيث تعمل على موازنة نسبة السكريات العالية في التمر وتمنحه قواماً متجانساً يمنع تأكسده.

الموروث الشعبي: مكانة «المريسة» في الوجدان الواحاتي
يقول،الفنان والرسام محمود دانيال، وأحد المهتمين برصد التراث والموروث الشعبي، انه لا يُصنف أهالي الوادي الجديد «المريسة» كعصير عادي، بل هو عبارة عن عنصر ثقافي يعكس هوية الواحات، مؤكدا أن لهذا المشروب مكانة تصل إلى حد «القدسية» في المنازل بمدينة الخارجة.
ويشير دانيال، إلى أن المريسة هي المشروب المفضل والمسيطر على موائد الإفطار طوال شهر رمضان المبارك، نظراً لقدرته العالية على إمداد الجسم بالطاقة بعد ساعات الصيام الطويلة خاصة في طبيعة البيئة الصحراوية الجافة، مضيفاً أن مشروب «المريسة» هي الذاكرة الحية للأجداد، وهي التعبير المادي عن كرم النخلة وتطويع الإنسان الواحاتي لبيئته المحلية لإنتاج مشروب صحي وتراثي في آن واحد، وهو ما يفسر تمسك الأجيال الحالية به رغم غزو المشروبات المصنعة.

القيمة التاريخية والاقتصادية لتمور الوادي الجديد
وقال، الدكتور محمد عبدالله الباريسي، باحث في التراث والموروث الشعبي الواحاتي، إن يمثل مشروب «المريسة» جزءاً من استراتيجية أهالي الواحات في استغلال كافة مشتقات النخيل فمن الناحية التاريخية، كان الاعتماد على التمر المجفف «العجوة» والذي كان يعتبر قديماً أهم وسيلة لتخزين الغذاء لسنوات، وتحويله إلى مشروب «المريسة» حيث كان يضمن توفر سائل مغذٍ في فترات الندرة أو السفر عبر الدروب الجبلية.
وأضاف: إن اقتصاد الواحات يعتمد بشكل كبير على التمر «الصعيدي» و«العجوة»، وتُظهر الإحصاءات المحلية أن المحافظة تمتلك ملايين من النخيل التي تُنتج أطناناً من التمور سنوياً، ويأتي مشروب «المريسة» ليتوج هذه الصناعة كأحد أرقى أشكال التصنيع المنزلي التقليدي، حيث يُعد دليلاً على مهارة المرأة الواحاتية في التعامل مع خام التمر وتحويله إلى منتج غذائي متكامل.

المنيرة.. واهمية التمسك بالأصالة
وأوضح، الفنان دانيال، إن قريته قرية «المنيرة» التابعة لمركز الخارجة، لا يزال الأهالي يرفضون التخلي عن أدواتهم التقليدية في صناعة المريسة، حيث تُعد «الحاجة فاطمة قنديل» نموذجاً للمجتمع الذي يرى في الحداثة تهديداً لأصالة المذاق والموروث الواحاتي، وتؤكد المصادر المحلية في القرية أن المريسة التي تُصنع في «البرام» أو «القِدرة» الفخارية تتفوق في جودتها على تلك التي تُحضر بالآلات الحديثة، وهو ما يحافظ على استمرارية هذا المشروب كعلامة مسجلة باسم تراث الوادي الجديد.
ولفت،دانيال، أن هذا يظل المشروب «المريسة» شاهداً على تاريخ ممتد، يربط بين نخلة الواحات وإنسانها، ويؤكد أن الموروث الشعبي في «الواحات» لا يزال حياً، يُصنع باليد ويُحفظ في الذاكرة الجمعية لأهالي الوادي الجديد.




