دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«المرأة والذاكرة» تطلق ندوة عن أصوات النساء في تاريخ الجنون والطب النفسي

أطلقت مؤسسة المرأة والذاكرة ندوة بعنوان «نساء خطيرات: أصوات النساء في تاريخ الجنون والطب النفسي في مصر»، قدمتها الدكتورة ياسمين شافعي، وأدارت النقاش الدكتورة هدى السعدي، في محاولة لتسليط الضوء على تاريخ الطب النفسي في مصر، وإبراز إنجازات الدكتورة سمية فهمي، رائدة علم النفس المصرية، ومساهمتها في تاريخ هذا المجال.

أصوات النساء وتاريخ الجنون

بدأت الندوة بحديث الدكتورة هدى السعدي عن سلسلة حوارات «المرأة والذاكرة». وذكرت أنها مساحة مفتوحة لمناقشة مواضيع متعددة متعلقة بالنساء والتاريخ والذاكرة، ومناقشتها بصراحة. ثم رحبت بالدكتورة ياسمين شافعي، وأشادت بدقة وجدية عملها ورسالتها البحثية التي تناولت تأثير الاستعمار على المرضى وعائلاتهم في المستشفيات العقلية في مصر. والتحديات التي واجهتها بسبب قلة المصادر واعتمادها على الأرشيف.

وأوضحت أن الأسئلة الجوهرية تتعلق بمن هي هؤلاء النساء. وهل كانوا بالفعل خطرا، أم أن السلطة من اتهمتهن بذلك؟ ولماذا تخاف السلطة منهن؟ كما أشارت إلى أن “أصوات النساء” موضوع مسكوت عنه إلى حد كبير. حيث تسمع فقط أصوات نساء النخبة في المصادر التقليدية.

استبالية المجاذيب

أجابت الدكتورة ياسمين شافعي على الأسئلة المطروحة. وذكرت أن عام 1884 تقدم رجل يدعى محمد موسى بطلب أمام دار المحكمة للإفراج عن ابنته نفيسة من مستشفى العباسية للمجاذيب، قائلا:

“مقدم هذا محمد موسى من سكان الجزيرة، نعرض لسيادتكم أن له ابنة اسمها نفيسة. والمذكورة لم يكن بها جنون ولا غير توهان، ولها 12 سنة على هذه الحالة، ومقيمة في حالها ولم يشتكٍ منها أحد. تتوجه بنفسها تزور الأسياد وتعود مستقيمة. أرسلت إلى استبالية المجاذيب ضمن المجنونين. حيث لم يكن بها من لسان ذلك وكل جهة تعلمها، لذا أتمنى من سعادتكم الشرح لمن يلزم بالإفراج عنها وتسليمها لنا. بحيث إن حدث بها شيء أكون المسؤول عنها بموجب الحكومة”.

وأوضحت شافعي أن الطلب أرسل من حكمدار بوليس مصر إلى حكيمباشي استبالية المجاذيب. الذي طلب التأكد إن كانت الحرمة غير مجذوبة فيتم تسليمها لوالدها. وبالفعل تم الكشف عليها وتبين عدم وجود خلل في قواها العقلية، وسلمت لوالدها. حيث خرجت من مستشفى المجاذيب لقسم البوليس وهناك استلمتها أسرتها.

وأضافت: “في نفس العام رجل آخر يدعى إبراهيم تقدم بعرضحال لمدير أقسام بوليس مصر طالبًا الآتي: نعرض لسيادتكم أن والدتي على حسب كبر سنها اعتراها تعب، بسببه توجهت إلى استبالية المجاذيب. والآن تحسنت حالها، وأرجأ من سيادتكم صدور الأمر بتسليمها إلي وإيصالها إلى محلي. حيث إنني فقير الحال جدًا، وليس معي مقدرة أحضر من الشرقية إلى هنا لزيارتها”. نفس الإجراءات تمت واستلمها ابنها بعد أن كتب على نفسه تعهد بمواصلة عائلتها في المنزل تحت إشراف حكيم طبي في المنزل.

أطباء مستشفى العباسية

أوضحت شافعي أن التعهد كان مهمًا جدًا وقتها. إذ كانت الإجراءات تنص على أن المجاذيب يتم اعتقالهم من الشوارع أو الأماكن العامة. ويتم فحصهم في قسم البوليس من قبل طبيب خريج قصر العيني، لكنه لم يكن مدربا على علم النفس أو الأمراض العقلية. وإنما تدريب عام. لذلك صدر قرار من الإدارة البريطانية لمستشفى العباسية وقسم المجاذيب بأن كشف الطبيب بمفرده غير كاف. ويجب وجود 2 من الأطباء المعتمدين للكشف  على الشخص والتوثيق الرسمي لدخوله المستشفى.

وأضافت أن خلال هذه الفترة منذ بداية الاستعمار حتى عام 1930 تقريبًا، لم يكن ممكنا توجه الشخص إلى مستشفى المجاذيب بمفرده. إذ كانت الإجراءات مركزة في قسم البوليس، وكل من يستلم شخصا من أهله من الاستبالية يجب أن يوقع على التعهد. وقدمت شافعي عدة حالات توضح كيفية استلام الأهالي لذويهم، مشيرة إلى أهمية هذه الوثائق في توثيق تاريخ الطب النفسي. وبحث أصول المستشفيات، الأطباء، تعليمهم، ودراسة المرضى من حيث الأعراق والجنسية وكيفية معاملتهم داخل المستشفى. وهي معلومات جديدة في تاريخ الطب النفسي بمصر والشرق الأوسط.

إشكاليات تاريخ الطب النفسي

ذكرت شافعي أن مرضى الطب النفسي غالبا لا يستطيعون الكلام أو الدفاع عن أنفسهم. لذلك كان من المهم البحث عن أصوات نستطيع تقديمها، خاصة وأن تاريخ الطب النفسي في مصر به بعض الإشكاليات. مثل أولًا، أن غالبية ما كتب عن تاريخ الطب عمومًا استخدمت مصادر أجنبية، ولا يوجد مصادر عربية سوى القليل. ثانيًا: كان نخبوي أو ذكوري، فالسيدات والمرضى المهمشين والمهمشات لم يكونوا موجودين. لذا العرضحالات تتيح لنا الفرصة بالتعرف على تجارب الأسر ورد فعلهم، لأن ما كتب عن المؤسسات إنه استعمار مؤقت.

لكن بدأ الوضع يتغير لعدة حجج قدموها منها وجود فئات مهمشة في مصر من بينها المرضى. خاصة وأن معاملتهم بمصر سيئة للغاية، بالتالي نحتاج لحمايتهم وتطوير الطب النفسي. فنرى الترحيب والاحتفاء الشعبي بهم.

تاريخ الطب النفسي في مصر

قدمت شافعي نبذة عن تاريخ الطب النفسي في مصر. وذكرت أن مصر لم يكن بها ما يسمى احتجاز أو عزل الأمراض النفسية على نطاق واسع. ومن أبرز المؤسسات النفسية كان بيمارستان قلاوون الذي أسسه السلطان المنصور قلاوون عام 1281. وكان العلاج مجاني والوقف الخاص به يقول أنه يضم علاج للسيدات والرجال، والتأكد من المساواة بينهم.

كما كان يوجد زيارات وعلاج الأمراض النفسية والعيون والتخصصات الأخرى. كما كانت مزودة بقصاصين لحكاية القصص والروايات للمصابين بالقلق والتوتر. بالإضافة إلى تزويد كل مريض بـ5 دينار حتى لا يضطر للعمل مباشرة بعد خروجه. ظل البيمارستان لوقت قريب لكن ظروف المرضى به تدهورت بشكل كبير.

مورستان بولاق والسرايا الصفراء

ذكرت شافعي أنه أثناء الحملة الفرنسية، زار دكتور نيكولاي رينيف، طبيب الحملة، وذكر أن وضع المرضى كان سيئاً جدًا. ومع مجيء محمد علي، أصبح التركيز الأساسي على الخدمات الطبية للجيش،.بعدها تم تعيين كلود بك الذي تولى إدارة الصحة العامة.

وفي عام 1824، طلب منه محمد علي نقل البيمارستان لمستشفى الأزبكية. ومع الأزمة المالية أعادوهم البيمارستان حتى عام 1856، نقلوا في عهد سعيد باشا في مخزن ببولاق أعد للمرضى، وظلوا به حتى نقلوا إلى العباسية. في هذا الوقت كان هناك دور أساسي لانجلترا في مصر. حيث أتى الأطباء لزيارة بيمارستان بولاق، وكتبوا وجع المرضى وطرق معاملتهم التي كانت صعبة جدًا خاصة على السيدات. لأن من بقي في المستشفى كانوا مرضى ليس لهم أهل.

نتج عن ذلك ضغط كبير بالرغم من كونه أتى قبل الاستعمار، لكن نتج عنه نقلهم للعباسية 1880. والذي كان قصر بناه الخديوي عباس حلمي الأول لأسرته في صحراء الريدانية بها هواء جاف وصحي، ودهن باللون الأحمر. لذا أطلق عليه اسم السرايا الحمراء، بعدها بسنوات حدث حريق دمر القصر باستثناء مبنى واحد فقط من دورين وهو المبنى الأساسي لمستشفى العباسية. خلال هذا الوقت تم دهنه باللون الأصفر فتحول اسمه للسرايا الصفراء.

مستشفى الخانكة

شرحت شافعي أنه مع تزايد أعداد المرضى عام 1905، اتخذوا قرارًا ببناء مستشفى الخانكة. وتم افتتاحها عام 1912، في منطقة الخانكة وهي صحراوية، ولم يكن هناك طريق يوصل الناس إليها، رغم بناؤها فيما يقرب من 8 سنوات. ومن المعتقد أن هذا البناء تم بعد ثورة 1919، لأن تقارير الأطباء الإنجليز داخل المستشفى تفيد بوجود حالة من الهلع لبعدهم عن القاهرة. كما وصفوا خوفهم من الجماهير في الشارع.

تبلور إجراءات الطب النفسي

أوضحت شافعي أن تاريخ الطب النفسي بقدر ما يوثق حكايات المستشفيات والمرضى وغيره. فهو أيضًا متشابك مع تاريخ مصر الاتصالي والثقافي والسياسي، من خلال معرفة الأمراض. إذ إن في كثير من الأحيان كانت الأمراض المؤثرة على الفلاح وإنتاجيته، كان هناك 3 فئات تشخيصية يندرج تحتها غالبية المرض النفسي. الأولى تسمى البلاجرا، والتي يصاب بها الفلاحون من القمح. رغم عدم وجود صلة بين المرض والقمح إلا إنه كان الاعتقاد السائد.

الثانية كانت المخدرات، مصر كان بها إلى وقت الحرب العالمية الأولى الأفيون والحشيش. الذي لم ينظر إليه كمسبب لإدمان ومشاكل كبيرة. إذ كان متوفرًا في المنازل، مع مجيء الإنجليز تم تصنيفه مرض نفسي. أما التشخيص الثالث فارتبط بالعادات الغذائية أيضًا ومرض الزهري ومسببًا للهلاوس.

ندوة أضوات النساء في تاريخ الجنون.. تصوير: هبة معوض
ندوة أضوات النساء في تاريخ الجنون.. تصوير: هبة معوض
مفاهيم أوروبية

ذكرت شافعي أن زيادة أعداد الأشخاص المجانين ومدمنين المخدرات جعل المستشفى تزدحم. وترتب عليه أولًا: وجود عدد أكبر من استيعاب المستشفى، بالتالي تم التفرقة بين العباسية والخانكة. حيث أخذت الأولى كل الحالات الأولى وعند التأكد من خطورتهم يتم نقلهم الخانكة.

ثانيًا: أصبح هناك وصم للمستشفى نفسها تحديدًا للسيدات، اللاتي تمت مهاجمتهن، واتهامهن بأنهن السبب الأساسي للملذات الشعبية، وتخلف الأمة المصرية. بالتالي خسرت العديد من السيدات ملاذهن ولم يكن أمامهن سوى المستشفى. ومن هنا لأول مرة يتم علاجهم على أيدي رجال. ومن ثم دخل عليهم تعليم أوروبي مع مفاهيم أوروبية.

وهذه المفاهيم يمكن أن تضح من خلال مدرسة القابلات التي أنشأها محمد علي. حيث يتم فيها تدريب حكيمات وتعيينهم في أقسام ومديريات ومراكز صحة ومستشفيات حكومية. لكن بعد الاستعمار تم إلغاء تعيينهن وتقليص دورهم، واستبدالهم بأطباء وممرضات إنجليز.

سيدات الاستبالية

استكملت شافعي حديثها: “ضمت الاستبالية نوعين من السيدات، هم: التمرجية والقابلات، اللاتي كن يمتلكن بعض المهارات. بالتالي كانت تحصل على 4 جنيهات، مقابل تقديم خدمات للمرأة وأمراض النساء. أما التمرجيات فكان وضعهم سيئًا جدًا، حيث لم يدربوا سوى على الأساسيات وكان يطلق عليهم أحيانًا الخادمات. أما الأطباء فكانوا من الرجال فقط داخل مستشفى المجاذيب، ولم تعين أي سيدة كطبيبة. وذلك لأن السيدات لم يلتحقن بكلية الطب قصر العيني سوى في عشرينات القرن العشرين”.

أول كتاب عربي في الطب النفسي

تطرقت شافعي إلى تشخيص النساء على يد أطباء رجال أوروبيين، مستندة إلى كتاب “أسلوب الطبيب في فن المجاذيب” للدكتور المصري سليمان نجاتي، خريج طب القصر العيني. الذي سافر فرنسا للدراسة ثم عاد إلى مصر 1887، لممارسة الطب في العباسية. وكان الكتاب الأساسي والأول بالعربي لتدريس الطب النفسي بالقصر العيني من 1892 حتى عام 1898.

وذكر الكتاب أن المرأة أكثر إصابة بالأمراض النفسية من الرجل، أثناء البلوغ والحيض والولادة والرضاعة وسن اليأس. وهذا كله يؤثر على قواها العقلية. بخلاف الذكور في زمن البلوغ فقط. كما ذكر أن أقل معارضة تؤثر في المرأة وتبكيها سريعًا، وأن مع الإصابة بالأمراض النفسية تكون أكثر ميلاً للخليعة والغندرة والتعجرف. ومن صفاتهم عدم اللامبالاة والكذب والأرق والكوابيس والفزع الليلي.

وأوضح في الكتاب أيضًا أن المرأة أكثر نقلًا للمرض النفسي للأطفال من الرجال 3 مرات. وهذه الأفكار التي كانت منتشرة في أوروبا خلال هذه الفترة.

تشخيص النساء

أوضحت شافعي أنه في المستشفى كان يتم تقييم النساء أساسا على مدى خطورتهن، وبالرغم من كون هذه الأفكار وجدت في الثقافة العامة، إلا إنه داخل المستشفى لم تكن هناك تفرقة. لكن تم التفرقة بين السيدات والرجال في الخدمات، حيث خصصت الأسرة والأطعمة والغرف الأفضل للرجال، كما أن الأولوية لبقاء المرضى داخل المستشفى في حالة ازداد العدد كان للرجال أيضًا.

كما عرضت عدد من العرضحالات التي أوضحت كيف رأى المصريون المرض النفسي، وذكرت عدد من هذه الحالات للإيضاح. وانتهت المناقشة بطرح الحضور عدد من الأسئلة المتعلقة بتاريخ الطب النفسي والأمراض العقلية والجنون في مصر بشكل عام والمرأة المصرية بشكل خاص.

وعلى هامش الندوة، تم عرض مجموعة من الأوراق والمقتنيات الخاصة لدكتورة سمية فهمي، التي حصلت عليها مؤسسة المرأة والذاكرة، بواسطة ابن الراحلة أحمد فوزي. ضمت شهادة ميلادها، بطاقة هويتها، أوراق بخط يدها ورسالة لملك حفني ناصف، وبعض من كتبها ومقالاتها وصورها الشخصية، بالإضافة إلى درع تكريمها من الحرس الوطني وغيرها من المقتنيات والأوراق.

اقرأ أيضا:

الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

«أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

«أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.