دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

الكنيسة الأرثوذكسية بدمياط.. سجل حي لتاريخ الجاليات الأجنبية وتحولات المدينة

تُعد كنيسة القديس نيقولاوس بدمياط واحدة من أقدم وأهم الكنائس التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس في محافظة دمياط، وتحمل اسم القديس نيقولاوس، أحد أشهر القديسين في التراث المسيحي، والمعروف برعايته للفقراء والبحارة. وتأتي أهمية الكنيسة من موقعها في مدينة تاريخية كانت عبر العصور نقطة تواصل حضاري وتجاري. مما جعلها مركزًا دينيًا بارزًا لأبناء الطائفة اليونانية الأرثوذكسية في دلتا مصر.

ملامح تاريخية ومعمارية

يقول القمص بندلامون بشرى، راعي كنيسة الروم الأرثوذكس بدمياط، إن جذور الكنيسة ترجع إلى فترات تاريخية قديمة تأثرت بالحضور البيزنطي في مصر. وقد شهدت عمليات ترميم وتجديد عبر العصور للحفاظ على طابعها المعماري المميز، بتصميمها الداخلي الذي يعكس الفن الكنسي الأرثوذكسي. حيث الأيقونات المذهبة، والحوائط المزخرفة، وحامل الأيقونات «الأيقونستاس» الذي يفصل بين الهيكل وصحن الكنيسة. في صورة تعكس روحانية الطقوس الشرقية العريقة.

كما تضم الكنيسة عددًا من المقتنيات الدينية المهمة، من بينها أيقونات قديمة ومخطوطات كنسية. تعكس تاريخ الطائفة وتطورها في دمياط، إلى جانب ارتباطنا بالمجتمع المحلي عبر قرون طويلة.

القمص بندلامون بشرى، راعي كنيسة الروم الأرثوذكس بدمياط.. تصوير: حلمي ياسين
القمص بندلامون بشرى، راعي كنيسة الروم الأرثوذكس بدمياط.. تصوير: حلمي ياسين
دور ديني ومجتمعي مستمر

أشار «بندلامون» أن أهمية الكنيسة لا تقتصر على الجانب التاريخي، بل تؤدي دورًا حيويًا في الحياة الدينية والاجتماعية. حيث تقام بها الصلوات والقداسات بانتظام، إلى جانب الاحتفالات بالأعياد المسيحية الكبرى.

كما تقام فيها فعاليات ذات طابع مجتمعي، مثل سحور رمضان السنوي الذي تقيمه الكنيسة كل عام. والاحتفال مع المسلمين عقب صلوات العيد، ما يجعلها نقطة تلاقي لأبناء الطائفة. وتسهم في تعزيز قيم التعايش المشترك داخل المجتمع الدمياطي، من خلال المشاركة في المناسبات الوطنية والدينية.

اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور

أسبوع الآلام.. طقوس خاصة داخل الكنيسة

مع حلول أسبوع الآلام، تشهد الكنيسة أجواءً روحانية مميزة. حيث تقام صلوات «البصخة المقدسة» يوميًا. مستحضرةً أحداث الأيام الأخيرة في حياة السيد المسيح. وتتسم هذه الطقوس بالخشوع، إذ تتردد الترانيم الحزينة داخل أروقة الكنيسة. ويحرص المؤمنون على الحضور المكثف طوال أيام الأسبوع. بداية من أحد الشعانين وحتى ليلة عيد القيامة، التي تمثل ذروة الاحتفال بانتصار الحياة على الموت. في مشهد يعكس عمق الإيمان والتقاليد الكنسية المتوارثة.

دورها البارز في الحياة الدينية

يوضح الباحث الأثري الدكتور رضا الباز أن مدينة دمياط كانت إحدى العروش الأسقفية التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس بالإسكندرية، إلى جانب مدن كبرى مثل الإسكندرية والقاهرة ورشيد. وهو ما يعكس مكانتها الدينية والتجارية المهمة في العصور الوسطى.

وكانت دمياط، بحكم موقعها على البحر المتوسط وفرع النيل، مركزًا حيويًا للتجارة والتواصل مع العالم البيزنطي. ما أدى إلى وجود جالية يونانية «رومية» كبيرة لعبت دورًا بارزًا في الحياة الدينية والاقتصادية. لذلك أُنشئت بها مطرانية أسقفية تتبع البطريركية. وكان لها مطران يدير شؤون الطائفة الأرثوذكسية في المدينة وما حولها.

تغيّر الأوضاع السياسية والاقتصادية

يواصل «الباز» أنه مع دخول الفتح الإسلامي لمصر في القرن السابع الميلادي، استمر الوجود المسيحي في دمياط. لكن مع تغيّر الأوضاع السياسية والاقتصادية عبر العصور، خاصة بعد الحملات الصليبية التي استهدفت المدينة. مثل الحملة الصليبية الخامسة، تراجعت أهميتها تدريجيًا كمقر ديني رئيسي.

ومع مرور الزمن، وانتقال الثقل السكاني والاقتصادي إلى مدن أخرى، تقلّص دور دمياط كعرش بطريركي، حتى اختفى هذا المنصب فعليًا. وبقيت تبعية الكنسية ضمن نطاق أوسع دون أن تكون مقرًا مستقلًا كما كانت في السابق.

أيقونة مميزة وفريدة للسيدة العذراء

يؤكد «الباز» أن الكنيسة تضم 3 رفات مقدسة داخل صناديق بهيكل الكنيسة، محفوظة وفق تقليد كنسي قديم لدى الكنائس الأرثوذكسية. حيث تحفظ رفات القديسين في أقدس موضع داخل الكنيسة، كدلالة على استمرار حضورهم الروحي.

ومن التفاصيل اللافتة في تاريخ الكنيسة وتراثها الطقسي، وجود أيقونة مميزة وفريدة للسيدة العذراء مريم على الجانب الأيمن من الباب الملكي. تعرف بين أبناء الكنيسة باسم «ملكة الكل». وهذه الأيقونة ليست مجرد عمل فني، بل تحمل قيمة روحية وتاريخية كبيرة. حيث كسيت تقريبا بالكامل بطبقة من الفضة. في تقليد معروف داخل الكنائس الأرثوذكسية يسمى «التلبيس» أو «التغشية»، وهو تعبير عن التبجيل والتكريم.

اقرأ أيضا: كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة

زخارف تجمع بين مفارقة الفن وجلال الإيمان

كما يوضح « الباز» أن الأيقونة تظهر العذراء مريم وهي تحمل السيد المسيح، في وضع يبرز مكانتها كأم النور. بينما تحيط بها الزخارف الفضية الدقيقة التي تضفي عليها مهابة وجلالًا. وتعكس في الوقت ذاته مهارة الصناع الذين نفذوا هذا العمل.

وغالبًا ما تكون هذه الفضة قد أضيفت عبر عصور مختلفة. إذ كان المؤمنون يقدمونها نذورًا أو تعبيرًا عن الامتنان. وتبقى أيقونة «ملكة الكل» شاهدًا حيًا على عمق التراث الكنسي في دمياط. وعلى ارتباط الأهالي عبر الأجيال بهذه الرموز الروحية، التي تجمع بين الفن والإيمان والتاريخ في آنٍ واحد.

الكنيسة من الداخل.. تصوير: حلمي ياسين
الكنيسة من الداخل.. تصوير: حلمي ياسين
كنيسة الروم الأرثوذكس بدمياط.. تاريخ ممتد حتى اليوم

توثق مخطوطات وكتب تاريخية لبطريركية الروم الأرثوذكس بدمياط. من بينها مؤلف المطران بندلايمون لامباذاريوس، تاريخ كنيسة القديسين مارجرجس ونيقولاوس. باعتبارها واحدة من أقدم الشواهد الدينية في المدينة، والتي تعكس تعاقب فترات تاريخية متعددة منذ القرن الثالث عشر وحتى العصر الحديث.

وتشير المصادر التاريخية إلى أنه في عام 1250، وبعد هزيمة الحملة الصليبية بقيادة لويس التاسع، التي بدأت عام 1248. ورحيله عن مدينة دمياط، أصدر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس قرارًا بهدم المدينة القديمة بالكامل لأغراض دفاعية. مع الإبقاء على مسجد عمرو بن العاص كأحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية.

وفي أعقاب وفاة لويس التاسع عام 1254 ميلادية أثناء حملته على إفريقية «تونس حاليًا». بدأت مرحلة بناء مدينة دمياط من جديد. وفي عام 1260، أعيد بناء كنيسة الروم الأرثوذكس لتبدأ مرحلة جديدة من عمرانها. وذلك بعد سنوات من الأحداث التي شهدتها المنطقة.

تجديد الكنيسة عام 1647

خلال تلك الفترة، جرى إنشاء كنيسة للروم الأرثوذكس في موقعها السابق، وعثر أثناء أعمال إعادة البناء على بقايا معمارية من الكنيسة الأولى. من بينها أعمدة حجرية وأجزاء منقوشة، بالإضافة إلى إناء للمعمودية مصنوع من الحجر. كما شهدت الكنيسة عدة مراحل من التطوير والتجديد. حيث تم تجديدها عام 1647 في عهد البطريرك يوانيكيوس. ثم توالت أعمال التجديد خلال القرن الثامن عشر، خاصة في فترة البطريرك كيبريانوس، ما بين عامي 1766 و1783. وهو ما يعكس استمرار الاهتمام بها كمقر ديني مهم في المدينة.

وفي عام 1779، شهدت الكنيسة تحولًا مهمًا. حيث تم تقسيمها إلى جزأين، احتفظ الجزء الأول باسم القديس مارجرجس، بينما حمل الجزء الثاني اسم القديس نيقولاوس رئيس أساقفة ميراليكية. مع فصل الجزأين بواسطة أعمدة معمارية تميزت بوجود عرش بطريركي مزخرف بنقوش دقيقة.

تفاصيل معمارية وأثرية مميزة

تكشف النقوش المكتوبة على الأبواب الملكية داخل الكنيسة عن معلومات مهمة حول تاريخها. حيث تشير إلى وجود «إيكونستاسيو» مزدوج، الأول يعود إلى ما قبل عام 1772 وتم تجديده في نفس العام بتبرع من أحد أبناء الطائفة. بينما تم تركيب الثاني عام 1779 بالتزامن مع إنشاء جزء كنيسة القديس نيقولاوس. كما توضح المخطوطات أن بناء هذا الجزء تم بمشاركة وتبرع أحد أبناء الجالية. ما يعكس الدور المجتمعي في دعم المنشآت الدينية خلال تلك الفترة.

مركز ديني وتجاري جاذب الجاليات

تؤكد وثيقة تاريخية مؤرخة في 18 يناير 1937، والمحفوظة ضمن أرشيف بطريركية الروم الأرثوذكس بالإسكندرية، أن دمياط كانت عبر قرون مركزًا تجاريًا ودينيًا بارزًا. حيث جذبت تجارًا وجاليات من اليونان وسوريا وأوروبا. وهو ما ساهم في ازدهار الكنيسة ودورها كمقر للبطريركية وممثلي الأديرة المختلفة. خاصة دير سيناء وبطريركية أورشليم.

كما تشير الوثيقة إلى أن الكنيسة كانت جزءًا من ممتلكات بطريركية الإسكندرية. وأنها لعبت دورًا محوريًا في خدمة الزائرين ورجال الدين القادمين إلى مصر أو المغادرين منها عبر موانئ دمياط ورشيد. ومع تطور الزمن، تم دمج الجزأين ليصبحا كنيسة واحدة. حيث أزيلت الأعمدة الفاصلة واتسعت المساحة الداخلية، ليأخذ المبنى شكله الحالي الذي يجمع بين الطابع التاريخي والتطوير المعماري.

اقرأ أيضا:طقس«المباركة».. عادة سنوية لتنظيم العمل في صناعة الأثاث بدمياط

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.