«الفسيخ والرنجة».. طقس العيد الذي لا يغيب عن موائد الصعيد كل عام
كتبت: جاسمين مهنى وأماني خيري وأسماء منتصر
لا تقتصر الاستعدادات لعيد الفطر في الصعيد على شراء ملابس العيد وصناعة الكعك والبسكويت، بل تمتد لتشمل طقسا خاصا يفرض حضوره على الموائد، وهو تناول الفسيخ والرنجة. ومع اقتراب العيد، تنتعش محال بيع الأسماك المملحة وتزدحم بالزبائن، في مشهد سنوي يعكس ارتباط هذه الوجبة بفرحة العيد. وعلى الرغم من ارتباطها في الأصل بموسم الربيع، إلا أنها أصبحت جزءا أصيلا من احتفالات عيد الفطر، حيث تختلط النكهات بذكريات البيوت القديمة، وتتحول الوجبة إلى طقس اجتماعي يجمع العائلات. هنا يرصد «باب مصر» طقوس أهالي الأقصر وأسيوط والمنيا في تناول هذه الأكلات.
في أسيوط.. وجبة أساسية بالعيد
يحرص الكثير من أهالي أسيوط على شراء أصناف الفسيخ المختلفة قبل عيد الفطر المبارك، لتكون الوجبة الأساسية على موائدهم في أول أيام العيد. يقول رمضان بسيوني، صاحب محل “فسخاني البسيوني”، 40 عاما، لـ«باب مصر»: “مع اقتراب عيد الفطر المبارك، تشهد أسواق ومحال بيع الأسماك المملحة في أسيوط حالة من الرواج والإقبال الكبير من المواطنين. حيث يحرص كثير من الأسايطة على شراء الفسيخ والرنجة كأحد الطقوس الغذائية المرتبطة بفرحة العيد. فتزدحم المحال في الأيام الأخيرة قبل العيد بالزبائن”.
ويضيف بسيوني أن المحل يقدم العديد من أنواع الأسماك المملحة التي يفضلها الزبائن. من بينها نوع يسمى “كلب البحر”، وهو من الأنواع التي تتميز بوجود أسنان واضحة، ولذلك أطلق عليه هذا الاسم. إلى جانب نوع “الراية”، والفسيخ البوري.
ويكمل: تختلف أسعار الملوحة هذا العام حسب الحجم، إذ يصل سهر الكيلو من الملوحة الكبيرة إلى نحو 300 جنيه. بينما يبلغ سعر الكيلو المتوسط حوالي 280 جنيهًا. أما الفسيخ البوري فيصل سعر الكيلو منه إلى نحو 400 جنيه. كما تتوفر الرنجة بعدة أنواع، من أبرزها رنجة “أبو السيد” اللوكس التي يصل سعر الكيلو منها نحو 180 جنيهًا.
وأشار إلى أن بعض الزبائن يفضلون شراء الفسيخ المخلي الجاهز في “برطمانات” لسهولة تناوله وسرعة تحضيره. كما يزداد الطلب على الملوحة المفروطة بجميع أنواعها، والتي تباع بكميات وتبدأ من ربع كيلو. إذ يبلغ سعر الكيلو نحو 300 جنيه، والنصف كيلو 150 جنيهُا، والربع كيلو 75 جنيهًا.
“بنحس إنها هي العيد”
آدهم حسين، خمسيني من أسيوط، يحدثنا وهو يحمل أكياس الفسيخ والرنجة قائلا: “شراء الفسيخ بالنسبة لنا عادة لا نستطيع تغييرها، خاصة في عيد الفطر المبارك. فالعيد لا يكتمل من غير الفسيخ والرنجة، إحنا بنحس إنها هي العيد”، موضحًا أن هذه الوجبة لها طابع شعبي لا يقتصر على أسيوط فقط، بل يمتد إلى مختلف المحافظات المصرية.
بينما تقول نوال علي محمد،55 عاما، ربة منزل من مدينة أسيوط: “إحنا حريصين جدًا إننا ننزل ونشتري الفسيخ والرنجة. وكل الأسرة بتتجمع عليها، وكمان الأقارب. الفسيخ بيدي للعيد طابع مميز، إزاي ييجي عيد الفطر من غيره؟ ده هو اللمة الحلوة في أول يوم”.
تربع الملوحة على موائد العيد
في محافظة الأقصر، حيث يلتقي التاريخ العريق بعادات الناس اليومية. تحتل الأسماك المملحة مكانة خاصة على موائد عيد الفطر، إلا أن لأهالي الأقصر طابعا مختلفا في تناولها. إذ تشتهر المحافظة بالملوحة أكثر من الفسيخ.
يقول مؤمن عبد الحميد، أشهر بائعي الملوحة في الأقصر، والذي يعمل في هذه المهنة منذ نحو 17عامًا، وقد ورثها عن أجداده، إن له زبائن دائمين منذ سنوات طويلة. موضحا أنه يجلب الأسماك المستخدمة في صناعة الملوحة من محافظة أسوان، مثل “كلب البحر” و”الراية”.
وأكد أن الأقصر وأسوان تشتهران بالملوحة ذات المذاق الجيد وقليلة الملح نسبيا. وهي تختلف عن محافظات الوجه البحري التي يفضل أهلها الفسيخ.
الملوحة المخلوطة
يوضح عبد الحميد أن أذواق الزبائن تختلف، فمنهم من يُفضل الملوحة المصنوعة من السمك الكلابي، ومنهم من يُفضل المخلوطة. وتحضر الملوحة المخلوطة بطريقة خاصة، حيث تُصنع من السمك وماء الملوحة والطحينة. ثم تخلط جيدا في خلاط كهربائي حتى تمتزج تماما، ويضاف إليها الليمون.
ويشير إلى أنه في عيد الفطر يميل بعض المواطنين إلى شراء أسماك النيل المملحة كنوع من التغيير.
الفرق بين الفسيخ والملوحة
يوضح عبد الحميد الفرق بين الفسيخ والملوحة قائلا: “الفسيخ يكون غالبا من أسماك البحر المالح. ويفضله أهالي القاهرة ومحافظات الوجه البحري والدلتا مثل كفر الشيخ والبحيرة، وأشهره سمك البوري. لكنه لا يتحمل درجات الحرارة المرتفعة في الصعيد، لذلك لا يمكن تخزينه لأكثر من 10 أيام.
أما في الأقصر وأسوان، فيفضل الأهالي الملوحة المصنوعة من أسماك نهر النيل. مثل كلب البحر والراية، والتي تتميز بإمكانية تخزينها لفترات طويلة قد تصل من شهرين إلى خمسة أشهر. كما يمكن نقلها إلى محافظات أخرى دون أن تفسد”.
طريقة تخزين الملوحة
يضيف بائع الملوحة أن طريقة التخزين هي العامل الأساسي في نجاح الملوحة. إذ توضع كميات مناسبة من الملح على الأسماك وتترك لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر حتى تنضج ويتحول لونها إلى الأحمر. ويؤكد أنه في حال تخزينها بشكل غير صحيح قد تفسد. خاصة عند نقلها إلى محافظات أخرى، لذا يجب تغليفها وحفظها بعناية.
أما الفسيخ، فتختلف طريقة تحضيره. إذ ينظف جيدا، ويفتح، ثم يضاف إليه الليمون والزيت قبل تناوله مباشرة، وهي الطريقة الشائعة في محافظات الوجه البحري.
وعن علامات الأسماك غير الصالحة للأكل، يوضح بائع الملوحة أن فسادها غالبا ما يكون نتيجة سوء التخزين. إذ يتغير لونها إلى الداكن، على عكس الملوحة الجيدة التي تتميز بلونها الأحمر ودرجة ملوحتها المتوازنة. وينصح بعدم شرائها في حال ظهور هذه العلامات.
ذكريات.. الملوحة بجنيه واحد
الحاج أحمد، أحد زبائن المحل من أبناء الأقصر، يحرص دائما على شراء الملوحة من “مؤمن”، كونه من أشهر وأقدم بائعي الأسماك المملحة في الصعيد. ويستعيد ذكريات الماضي مع صاحب المحل القديم. حيث كانت الأسعار زهيدة، تبدأ من جنيه واحد وتصل إلى عشرة جنيهات فقط.
ولم يأت الحاج أحمد هذه المرة للشراء لنفسه، بل لضيوف لديه يعشقون الأسماك المملحة، فاختار لهم هذا المحل تحديدا. ويؤكد أنه اعتاد تناولها سواء في الأيام العادية أو خلال مواسم الأعياد، مثل عيد الفطر وشم النسيم. حيث تجتمع العائلة حولها.
سلطانة الفسيخ في المنيا
إلى جانب تزاحم المواطنين على شراء ملابس العيد والكعك والبسكويت. تشهد محال الفسيخ والرنجة أيضا إقبالا كبيرا، لتكون وجبة الإفطار في أول أيام العيد. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الأسماك المملحة، لا يزال الإقبال عليها مستمرا في محافظة المنيا.
وبمجرد المرور بمنطقة وسط المدينة، تقودك رائحة الفسيخ والرنجة إلى محل عائشة عبد الكافي، المعروفة بـ”سلطانة الفسيخ”. حيث تصطف الطوابير لشراء هذه الوجبة.عائشة، وهي فتاة في مقتبل العمر، عشقت هذا المجال، فقررت أن تحوله إلى مشروعها الخاص. وبدأت في ابتكار أصناف جديدة مثل سندوتشات الفسيخ والرنجة.
شاورما الرنجة وصواني الفسيخ
في بداية عملها، حولت عائشة جزءا من منزلها إلى معمل صغير لتخزين وتصنيع الأسماك المملحة. وبدأت تسويق منتجاتها عبر الإنترنت، حتى استطاعت لاحقا افتتاح محل خاص بها. وتميزت بتقديم أصناف متنوعة، مثل الفسيخ الأسواني، والفسيخ البوري، وشاورما الرنجة، وصواني الفسيخ، ومربى الملوحة. إلى جانب سندوتشات الفسيخ والرنجة.
وتؤكد عائشة أن فكرتها بدأت بسيطة على الإنترنت. ثم تحولت إلى مشروع ناجح، مشيرة إلى أن سر الإقبال يعود إلى تنوع المنتجات وتقديم أفكار غير تقليدية.
وتقول: “لكل بائع سر في صنعته، والحمدلله حققت نجاحا كبيرا في هذا المجال. والسبب هو الأمانة والنظافة”. وتوضح أن الطلب على الأسماك المملحة يتراجع خلال شهر رمضان. حيث يفضل الصائمون الأطعمة قليلة الملح، بينما يعود الإقبال بقوة مع اقتراب العيد. وتشير إلى أن الفسيخ يعد من أشهر أنواع الأسماك المملحة، خاصة الفسيخ البلدي لجودته وطعمه. بينما تعد الرنجة الأكثر انتشارا بسبب سعرها المناسب، إلى جانب السردين والملوحة.
أصناف مبتكرة
توضح عائشة أن كثيرا من السيدات يحرصن في المناسبات والأعياد على تقديم أصناف مبتكرة. وتنصح بإعداد سلطة الفسيخ بالليمون والنعناع، أو بالزنجبيل والبرتقال. وكذلك سلطة الرنجة بالبطاطس، وسلطة البطارخ، وطبق “أم الخلول” الذي ينقع في الخل ويقدم مع الليمون.
كما تبتكر عائشة أطباقا جديدة لجذب الزبائن، مثل: الرنجة المشوية على الفحم، وكريب الرنجة بالبطاطس، وحواوشي الرنجة بالجبنة الموتزاريلا. وبرجر وبيتزا الفسيخ والرنجة، وصينية الرنجة بالبطاطس في الفرن، وطاجن البطارخ.
وتضيف أن أكثر ما يلقى رواجا هو سندوتشات الفسيخ، التي تحضر من الفسيخ المخلي الممزوج بالطحينة والزيت والليمون والخل داخل الخبز البلدي، مع البصل الأخضر والفلفل والطماطم. إلى جانب سلطة الفسيخ، وحتى “تورتة الفسيخ” التي تطلب في المناسبات.
نصائح لشراء وحفظ الفسيخ والرنجة
تنصح عائشة بضرورة شراء الفسيخ والرنجة من أماكن موثوقة. وفتح السمكة قبل الشراء للتأكد من سلامة اللحم، وألا يحتوي على ألوان غريبة مثل الأزرق أو طبقة بيضاء، لأن ذلك قد يدل على فسادها.
أما عن التخزين، فتشير إلى ضرورة تقطيع الرنجة وتنظيفها من الجلد والشوك. ثم حفظها في خليط من الزيت والليمون والخل داخل الثلاجة حتى وقت التقديم. كما تنصح بالإكثار من تناول الخضراوات بجانبها، مثل الخس والجرجير والخيار والطماطم والبصل.
اقرأ أيضا:
موائد البحر وسر الملوحة.. حكايات الصيف مع الأسماك في تراث السويس









