الدقّة والعيش الناشف.. أكلة الأقباط في فترة التقشف
«الدقّة» هي أكلة تراثية عرفها المصريون منذ قديم الأزل، وهي مصنوعة من السمسم المطحون. ومع مرور الوقت، اقتصر تناولها في محافظات الصعيد بشكل أكبر مقارنة بوجه بحري، كما تُعد الوجبة الرئيسية التي يتناولها الإخوة الأقباط خلال فترة الصيام الانقطاعي مع «العيش الناشف»، تعبيرًا عن التقشف والحزن خلال أسبوع الآلام الذي يسبق عيد القيامة المجيد.
الدقّة والعيش الناشف
يستهل الحديث ثابت زكي بأنه اعتاد، خلال فترة الصيام، تناول الدقة المصنوعة من السمسم والعيش الناشف منذ سنوات طويلة. ويشير إلى أن بعض الأشخاص يتناولون الدقة مضافا إليها بهارات بسيطة، بينما يفضل آخرون تناول البقوليات مثل الفول. حيث يكتفون بوجبة واحدة يوميا خلال فترة الصيام، باعتبارها نوعا من التقشف والنسك والحزن خلال أسبوع الآلام على السيد المسيح. وهي عادة كان يتبعها الرهبان قديمًا ولا تزال مستمرة حتى اليوم.
ويضيف: “يبدأ الصيام من يوم الإثنين عقب أحد الشعانين حتى يوم الجمعة العظيمة، وهو آخر أسبوع في الصوم. وخلال هذه الفترة، يمتنع الصائمون عن تناول الطعام من الساعة الثانية عشرة ظهرا وحتى التاسعة مساءً، أو حتى الحادية عشرة ليلًا. وذلك وفقا لقدرة كل شخص الجسدية على الصيام”.
وتقول إيرين يوسف، ربة منزل، إنها ورثت طقس تناول الدقة والعيش الناشف خلال فترة الصيام عن والديها وأجدادها منذ سنوات. وتوضح أنها تقوم بتجهيز كمية الدقة التي تحتاجها أسرتها قبل الصيام بفترة وجيزة. حيث تشتري السمسم من البقالة أو من أحد العطارين في المنطقة. وتضيف أن أحد أبنائها لا يفضل تناول الدقة، سواء خلال الصيام أو بعد الإفطار، ويكتفي بالبقوليات. خاصة الفول مع العيش الناشف، وهي عادة ورثها عن خالته الكبرى.

طريقة تجهيز الدقّة
توضح مريم رمزي طريقتها في إعداد الدقة خلال فترة الصيام. حيث تقوم بشراء كمية السمسم المطلوبة من أحد العطارين قبل بدء الصيام. ثم تبدأ في تنقيته من الشوائب والحبوب غير الجيدة على صينية، قبل غسله جيدا وتركه ليجف تحت أشعة الشمس لفترة قصيرة. بعد ذلك، تجمع الكمية وتبدأ في تحميصها، سواء في الفرن البلدي أو فرن البوتاجاز.
وتستكمل: بعد التحميص، يتم طحن السمسم باستخدام الخلاط حتى يصبح ناعما. ثم يضاف إليه الملح وبعض البهارات البسيطة مثل الكمون والكزبرة، حتى لا يطغى طعم التوابل. وأحيانا يضاف القليل من الفلفل الحار لإضفاء نكهة خفيفة. وبعد ذلك تعبأ الدقة في علب مخصصة للتخزين، وتحفظ لحين تناولها خلال الصيام.
المصري القديم أول من عرف العيش المخبوز
يؤكد الطيب غريب، الباحث الأثري ومدير معابد الكرنك السابق، أن مائدة الطعام في مصر القديمة كانت متنوعة. وشملت مختلف أنواع الأطعمة من البقوليات والخضراوات والفواكه واللحوم والأسماك والطيور، وهو ما يعكس تنوع البيئة المصرية واختلاف طبقات المجتمع. وكانت البقوليات عنصرا غذائيا مهما، مثل الفول والعدس والحمص والترمس. إذ كانت تمد الجسم بالبروتين وتمنح الشعور بالشبع لفترات طويلة.
ويتابع أن المصريين القدماء عرفوا صناعة الخبز “العيش”، وأبدعوا في إنتاجه بأشكال متعددة وصلت إلى نحو 40 نوعا، من القمح والشعير والذرة. ومنه “التاحج” (العيش الأبيض)، و”التاشعت” الذي يشبه الشكل المثلث. كما أن كلمة “باتاو” (الخبز) اشتقت منها الكلمة العامية “البتاو”، وكان يصنع من الشعير حتى وقت قريب في بعض القرى والنجوع المصرية. وأضاف أن بعض أنواع الخبز كان يزين بالسمسم أو يحشى. فضلا عن العيش الشمسي المستدير، الذي لا يزال منتشرا في صعيد مصر حتى اليوم.
ولفت إلى أن كثيرا من الباحثين يروون أن العديد من الأكلات المصرية. خاصة المرتبطة بالعصر القبطي مثل “الشلولو” و”الفول” و”البصارة” لها جذور تعود إلى المصريين القدماء.

عادات المصري القديم في الطعام
يشير الدكتور عبد الغفار وجدي، مدير عام آثار الأقصر، إلى أن هناك عادات وتقاليد مصرية قديمة انتقلت إلى العصور اللاحقة، ومنها العصر القبطي. خاصة في الأطعمة المرتبطة بالأعياد والمناسبات، ولا تزال حاضرة حتى اليوم رغم مرور آلاف السنين. وأوضح أن لكل نوع من هذه الأطعمة دلالة رمزية قريبة من معناها القديم. سواء في عيد شم النسيم أو خلال الصيام الطويل الذي يسبق عيد القيامة المجيد، والذي يرمز له بالبيض.
وأضاف أن استمرار تناول هذه الأطعمة يعكس تحولا ثقافيا. حيث تغير الإطار الديني الذي يمنحها معناها، وانتقلت الرموز من سياق مصري قديم إلى سياق مسيحي، دون فقدان جذورها الشعبية.
الدقّة.. هل ظهرت عند المصري القديم؟
يوضح وجدي أن هناك بعض الدلائل التي تشير إلى تناول ما يشبه الدقة المصنوعة من السمسم في العصور القديمة، حيث كان السمسم من المحاصيل المهمة لدى المصريين القدماء، خاصة خلال فترة الدولة الحديثة. وقد عثر على بقاياه في عدد من المواقع الأثرية، وكان يستخدم في صناعة الزيوت أو الطعام أو الخبز. ومع ذلك، لم يكن استخدامه شائعا مثل زيت الكتان أو الدهون الحيوانية، كما أن “الدقة” بمعناها الحالي لم تذكر في المصادر القديمة كطبق محدد معروف.
اقرأ أيضا:
70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه
«فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد
صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية



