دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«الإسكلة البحرية» بالقصير.. بين الإهمال الرسمي ومحاولات الإنقاذ الشعبية

تعاني «الإسكلة البحرية» بمدينة القصير، أقدم رصيف بحري تجاري في مصر، من تدهور شديد نتيجة الإهمال والأمواج، ما يهدد أحد أهم المعالم التاريخية بالمدينة بالاندثار، في ظل غياب أي تدخل رسمي للترميم، واقتصار محاولات الإنقاذ على جهود أهلية غير متخصصة قد تفقد الأثر قيمته التاريخية. وكان ميناء القصير في السابق يعج بالسفن والبواخر القادمة من إفريقيا وآسيا، محملة بالبضائع التجارية أو متجهة بالحجاج إلى شبه الجزيرة العربية. كما شهد حركة عسكرية نشطة استمرت نحو 20 عاما.

نشأة الإسكلة أو الرصيف البحري بالقصير

حول نشأة الرصيف البحري بالقصير، يقول الدكتور طه حسين الجواهري مؤلف كتاب “حول تراث القصير”: “في شهر ذي الحجة عام 1250هـ، الموافق 1834م، صدر قرار من محمد علي باشا إلى حسين آغا، مدير نصف وجه قبلي، بإنشاء رصيف لميناء القصير. وجاء في نص القرار أن يكون الرصيف بطول 150 ذراعا، على غرار ميناء رأس التين، وبمصاريف جزئية. مع عدم الالتزام بالكشف المقدم نظرا لصغر مدينة القصير. على أن تطلب الأخشاب والأسطوات اللازمة من قنا، وفي حال عدم توفرها يتم طلبها من المجلس”.

ويضيف الجواهري أن مراجعة الوثائق التاريخية تبين أن المبلغ المقترح لبناء الإسكلة حوالي 746 كيسة نقدية، وهو مبلغ كبير. مما دفع محمد علي لإدخال الخشب لتوفير النفقات، وعدم بنائها كلها من الأحجار. وتم بناء الرصيف بالدمج بين الأخشاب التي تتحمل مياه البحر والحجارة”.

جزء من الميناء البحري في القصير.. تصوير: إسراء محارب
جزء من الميناء البحري في القصير.. تصوير: إسراء محارب
معنى اسم “الإسكلة”

حول مسمى “الإسكلة” يوضح الباحث محمود عبد العال في رسالته بعنوان “مدينة القصير وآثارها المعمارية الباقية من الفتح العثماني حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي”، أن أهالي القصير يطلقون على هذا المكان لفظ “السقالة”، وهو مشتق من الكلمة التركية “إسلكة”. وتعود الكلمة بدورها إلى الأصل الإيطالي (سكالا) scala، الذي دخل اللغة التركية بصيغة “إسكله”. ويقصد بها مجموعة من الألواح الخشبية المثبتة أفقيًا على المباني ليقف عليها البناؤون، وهي السقالة في اللغة العربية الدارجة.

موقع ووصف الرصيف البحري

تذكر الدكتورة ليلى عبد اللطيف أحمد، في رسالتها للدكتوراه بعنوان “الإدارة في مصر في العصر العثماني”، أن الإسكلة تقع في خليج صغير مفتوح من الجانب الجنوبي الشرقي، أمام مبنى قسم الشرطة القديم (ديوان القصير)، المعروف سابقا بقصر الحكومة.

ويبلغ طول الإسكلة 117 مترا، وعرضها 270 سم، وتنتهي بمنطقة مستطيلة بطول 5.40 متر وعرض 3.9 متر. ويضم هذا الجزء المستطيل سلما مكونا من سبع درجات يُستخدم للنزول إلى قاع البحر. وتتكون السقالة من 19 مساحة مستطيلة، تنقسم إلى قسمين: 11 مساحة من الحجر، يبلغ طول كل منها 6.10 متر، و8 مساحات خشبية بطول منها 4.60 متر لكل منها. وعرض السقالة 2.70 متر، وتحمل هذه المساحات كتلا من الحجر والأسمنت تغوص في أعماق البحر.

جزء من الميناء البحري في القصير.. تصوير: إسراء محارب
جزء من الميناء البحري في القصير.. تصوير: إسراء محارب
دور الميناء وأهميته في العصر العثماني

حول دور الميناء وأهميته في العصر العثماني، يشير كمال الدين حسين في كتابه “أعرف بلدك: دليل تاريخي مختصر عن مدينة القصير” إلى أن الميناء كان بالغ الأهمية. إذ كانت ترسل منه المؤن (الميرة) إلى الحرمين الشريفين وأرزاق أهل الحجاز. كما استقبل الميناء السفن القادمة من موانئ الجزيرة العربية، محملة ببضائع الهند والشرق الأقصى وإفريقيا. مثل التوابل بجميع أنواعها، والعطور، والخشب، والأخشاب العطرية، والأقمشة، وغير ذلك من السلع.

والجدير بالذكر أن ميناء القصير كان الميناء الوحيد الذي يستقبل شحنات البن الواردة إلى مصر من اليمن. واستمر ذلك إلى ما بعد افتتاح قناة السويس في 17 نوفمبر 1869.

بداية الإهمال وتدهور الإسكلة

يشير الدكتور طه الجواهري إلى أنه في عهد الخديوي سعيد باشا، تقرر ترميم هذه الإسكلة، فأمر بغرز أفلاق جديدة وتركيب جديد لتقويتها، وإزالة التالف منها لكي يتم استئناف العمل بها. وصدر هذا الإشهاد في 22 شعبان 1273 هـ. ثم إشهاد آخر بتاريخ 27 ذو القعدة 1276 هـ يوضح ثمن الحديد والأفلاق وأجرة العمال.

لكن الإهمال عاد ليصيب الإسكلة بعد افتتاح قناة السويس. حيث تعطل العمل بها وتهالكت الأخشاب نتيجة شدة ملوحة المياه وشدة الرطوبة.

تهالك الرصيف البحري بالقصير.. تصوير: إسراء محارب
تهالك الرصيف البحري بالقصير.. تصوير: إسراء محارب
آخر ترميم رسمي للميناء

يوضح الجواهري أن الترميم الرسمي الوحيد الذي حظيت به الميناء كان في عهد الخديوي إسماعيل. حيث تم إعادة ترميم الإسكلة عن طريق غرز أفلاق الدوم فيها، وصدر بذلك إشهاد شرعي من المحكمة في 12 ذي القعدة 1283هـ الموافق 1867م.

وخلال تلك الفترة، بدأت مدينة السويس في خطف الأضواء من القصير، بعد تحويل طرق التجارة والحج إليها. ما أدى إلى تراجع أهمية الميناء، وتفاقم إهماله، وسقوط أجزاء منه بفعل الأمواج والجزر، لتصبح العديد من السفن غير قادرة على الرسو بسبب ضحالة المياه.

محاولات التجار لإنقاذ ميناء القصير

في عام 1879، حاول كبار تجار مدينة القصير عرض أزمة الإسكلة على محافظ عموم سواحل البحر الأحمر، السيد رضا، مطالبين بضرورة إعادتها إلى وضعها الأصلي، تيسيرا على حركة التجارة.

وأوضح تجار هذا البندر أن الإسكلة الخشبية الموجودة الآن لم تكن كافية لشحن وتفريغ البضائع من المراكب. وذلك لأنها بعد أن كانت ممتدة داخل البحر إلى العمق الموافق لرسو السفن على طول قدره ثمانين مترًا، سقطت بفعل الأمواج والجزر. والباقي منها الآن هو 23 مترًا فقط. وهو ما يستدعي إعادة تنظيمها لتصبح في حالة تسمح للسفن بالاقتراب منها بسهولة لشحن البضائع أو تفريغها.

واقترح التجار في مذكرتهم إعادة الإسكلة إلى حالتها الأصلية، باستخدام الأخشاب المحفوظة في ديوان المحافظة، وإنشائها بطول 80 مترًا، مع إعادة بناء رصيف الجمرك كما كان.

تدخل الأهالي لإنقاذ الإسكلة بالقصير 

يوضح الدكتور طه الجواهري أن مجموعة من أبناء مدينة القصير قاموا، في منتصف الشهر الماضي، بمحاولة ترميم السقالة أو الميناء بشكل بدائي وعشوائي. تعبيرا عن رغبتهم في الحفاظ عليه، ورغم نواياهم الطيبة، إلا أن هذا العمل يعتبر تشويها وتدميرا لقيمة الأثر.

ويضيف الجواهري أن ما حدث يمثل خطأ كبيرا، إذ لم تتم الاستعانة بأي خبراء أو متخصصين في مجال الترميم لمعرفة أنواع الأخشاب والحجارة وطرق استخدامها. هذا الإغفال قد يتسبب في طمس معالم الأثر وفقدان هويته الأصلية. ومع ذلك، يؤكد أنه لا يمكن تحميل الأهالي المسؤولية. وإنما على الجهات المعنية، وعلى رأسها جهاز التنسيق الحضاري بمحافظة البحر الأحمر، الذي وضع المنطقة كلها ضمن خطته، ولكن فقط على الأوراق حتى الآن.

ويختتم الجواهري بالإشارة إلى أن محاولات أهالي القصير جاءت بعد انهيار أجزاء كبيرة من السقالة. مما جعل مرورهم عليها إلى زوارقهم وفلوكاتهم الصغيرة مهددا بالخطر. ولم تكن هذه المحاولات سوى مسكن لأنين الإهمال وصداع التهالك الذي يضرب المنطقة كلها، ليس فقط السقالة أو الرصيف البحري في القصير.

اقرأ أيضا:

«شونة الغلال» بالقصير.. صرح تاريخي مهجور يروي حكايات التجارة والقوافل

«لمسة مصرية».. معرض لإحياء التراث الثقافي ودعم الحرفيين بالبحر الأحمر

تراث يتنفس على إيقاع السمسمية.. حكاية «فرقة القصير للفن التلقائي»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.