دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

إيمان إسماعيل في «نخل عالي»: رسائل من الجنوب

هنا فصل من رواية «نخل عالي» المكتوب بالعامية المصرية، وسوف يصدر خلال أيام عن دار المرايا، ولن يكون متوافرا في معرض الكتاب، بسبب منع الدار من المشاركة في المعرض للعام الثاني على التوالي. الرواية هي الأولى للكاتبة إيمان إسماعيل التي قررت أن تكسر المألوف وتكتب بجرأة «اللغة اللي بنسمعها وما بنشوفهاش في الكتب. رواية عن الصداقة، عن الحقوق اللي ضاعت في قلب الصعيد»، وعن شجاعة كاتبة قررت تكتب بلغة أهلها الأصلية دون تجميل.

عزيزتي سمية:

أتمنى يصلك خطابي التاني ويجدك في أتم صحة وأحسن حال.

فات شهر ولا حس ولا خبر يا سمية. أنقول لنفسي يمكن الجواب الأولاني موصلش، أصل لو وصل ومرديتيش يبقى الزعل كبير قوي، زعل منعرفش إيه دواه يا سمية؟

ولو زعل يبقى تاني وتالت وألف حقك علي.

ما هو خلاص معادش في العمر كتير نضيعوه في القمص، دا إحنا شعرنا طقطق إبيض، وجلدنا كرمش، ومفيش في العمر 20 سنة كمان نضيعوهم في الزعل.

كبرت يا سمية، واللمة من حواليا اتتفض، ولما الدوشة تهدى الواحد مش ايسمع غير صوت الحبايب اللي قلوبهم اتحبه بجد، وإنتي مهما زعلتي مني برده أنا حبيبتك.

وإنتي عارفة إن القلب معرفش أصحاب زيك، عرف كتير لكن زيك معرفش، صاحبت قليل وكتير، لكن مقعدتش قعدة واحدة تشبه قعدتك، ولا عمره قلبي اتفتح وحكيت زي ما حكيتلك.

***

ولأجل القلب يكون مرتاح وصافي، لازم زي العادة نفضفضلك ونحكيلك. بقى يا سمية إنتي تقولي: “إن اللي باعت أهلها سهل تبيع أي حد”؟

أنا يا سمية بعت؟ باه يا بت عمي! بعد كل اللي شفته وإنتي شفتيه معايا يتقالي أنا اللي بعت؟! تقفي في موقف حق وتشهدي بالباطل؟!

يعني عشان حتة أرض وراجل تنسي كل اللي عملوه وتكسري صاحبة عمرك؟! والله يا ريتك ما اتجوزتيه، أخويا ده، من يوم ما خطبك وأنا قلت إنتي خسارة فيه، بس هنقول إيه! هي يعني البنات عندينا من ميته اتختار!!

وبعدين بعت كيه؟! فهميني!

***

ما كله على إيدك، دا أنا كنت العيلة الجبانة اللي يوم ما تسمع صوت عراك تجري تاخد عروستها المحشية قطن وتلبد تحت السرير، وتيجي إنتي تعملي فيها الكبيرة وتطمنيني وتستني لحد الدنيا ما تهدا وتطلعيني، مكنوش 40 يوم دول اللي بيني وبينك وخلوكي كبيرة!

بس أنا ما أخترتش برده يا سمية، ما أخترتش نتغير ونبص نلقي نفسي غرقانة في التساؤلات. عمري ما اتخيلت يجي اليوم ونوقف قدامهم يضربوني الكف ورا الكف عشان نقول حاضر، تطلع في وشهم لا وألف لا.

ما اخترتش نبقى عنيدة وعصية، مخترتش كل ما نيجي نخطي خطوة نلقي نفسي مقفول عليا ألف باب، دا أنا حِتى مفهماش أنا كنت غلط ليه؟

***

دا أنا كل اللي طلبته لما طلعت برا القمقم لقيته العادي لكل البنات، طلع حرام عندينا إحنا بس، طلع السجن موصوف لبناتنا وبس، ولما طلعت منه معرفتش نرجعله.

تقولي أنا بعت؟! طب كيه؟ وليه؟

فاكرة الطريق البحري؟ كنا نمشيه أنا وإنتي كل يوم وإحنا رايحين المركز للمِدرسةِ. كان تراب ونُقر، كل ما تعدي عربية يقوم التراب يعمى عنينا ويقفل صدري. مخترتش يبقى عندي ربو، والتراب يدخل كل يوم يقفل صدري. مخترتش تقف قدامنا عربية فيها الشاب اللي قتلوه. مفكراش اسمه، بس فاكرة إن السواق حاول يهرب ويتفادى العربية اللي اتطارده، لكن معرفش، عشان الطريق كان تراب ومكسر. أهو راح فيها المسكين اللي يا دوب كان عمره 19 سنة زي ما قالوا. فاكرة الدم اللي غرق العربية والناس اللي حواليه؟ ضربوه عيار ولا كأنه كلب ملهوش تمن.

***

وأنا كل اللي عملته إني سألت، بس سألت.

ولما سألت أستاذ حسن ليه الطريق مش مرصوف زي طرق المركز، سمعني لأول مرة كلام عن الحق والتوزيع والضرايب والمواطن. مع إني كنت يا دوب 14 سنة لكن فهمت. وعليه كتبت جواب للمحافظ نطلب منه، بصفتي مواطنة مصرية، أهلها وأهل النجع وكل أهل البلد ايدفعوا ضرايب وليهم حقوق المواطن إن الطريق يترصف، عشان أنا صاحبة ربو، وعشان محدش تاني يتقتل زي الكلب.

بس باين كدا المحافظ فيه حاجة منك، مردش عليا من أول جواب، ولا تاني، ولا حتى مية.

بس أنا معرفتش نمِل، ماهو حقي بقى. وبعد جوابات كتير بطلت نعدها، أخيرا استجاب، وبعتلي جواب دعوة لمكتبه.

***

لما وصل الجواب للبيت وشفت رد فعل أبويا وأخواتي، خصوصا إبراهيم، خفت نقول إني بعت جوابات، عملت نفسي معرفاش عاوزيني ليه.

وطبعا رحت، وكان معايا إبراهيم، ومع إنه أكبر مني بعشر سنين ومع إنه أكتر قلب قاسي شفته في حياتي، شفت لأول مرة إيده الطرشة وهي اتترعش وهو خايف قبل ما ندخل للمحافظ. بس أنا مكنتش خايفة، ما أنا كنت نقول في سري: “يا بت إنتي صاحبة حق”. ولا حسيت في لحظة بخوف من المقابلة، الخوف كله كان من إبراهيم الجِلف.

دخلنا على المحافظ وكان مستغرب لما لقيني 14 سنة بس. وحكيتله أسباب طلبي، والراجل كان هادي ومبتسم، وكنت نبص له هو شوية وإبراهيم شوية، ومفهماش ليه إبراهيم خايف؟ إيه اللي يخوف في الراجل بالظبط؟

خلصنا عنده بوعد رصف الطريق، بس أنا مفهمتش ميته يعني؟ فسألت، ووالله لقيت عينين إبراهيم حمرة زي الجمر، وعرفت إن إيده الطرشة مش هترحمني، بس مش مهم، هي موتة ولا أكتر؟!

ضحك المحافظ من السؤال ورد بمكالمة لحد حكاله قصتي وطلبي، ووعدني إن التنفيذ هيكون في وقت قريب، شهور قليلة ويتم.

***

طلعت من المكتب فرحانة ومش عاوزة نبص لإبراهيم الغضبان اللي قفاه مطلع نار، وأنا مفهماش ليه؟ أنا غلطت في إيه؟

طول الطريق منطقش. دخلنا البيت وجرني على الأوضة زي البهيمة ودور فيا ضرب، يقولي: “وإحنا مالنا يا بت الكلب! مالنا بالطريق واللي يموت واللي يعيش؟ كان من بقية أهلك؟ وإنتي مين عشان تبعتي للمحافظ؟ ليه بت زيك تكتب وتتكلم؟ إيه، الرجالة خلصت من البلد؟ حلقنا شنباتنا عشان حتة بت هي اللي تتكلم؟ دا أنا ندفنك حية لو نسيتي نفسك، يا بت عيشي عيشة أهلك!”

ضرب فيا لحد ما دراعه خدل، بس والله كل الوجع راح لما الطريق اترصف. ومع إن إبراهيم محكاش لحد أي حاجة ومقالش عن الجوابات اللي اتبعتت حتى لأبويا وأمي، لكن كل ما كنت نعدي في الطريق كنت نقول لنفسي: طلعت الأسئلة زينة ولها فايدة. كنت نفرح بنفسي ونقول: “اسألي يا بت، أوعي تبطلي أسئلة”. ومن ساعتها عرفت إني مش حتة بت، لأ، عرفت إني إنسان له حق وألف حق، وإن كمان محدش هيدي حتة بت حقوقها لو مطلبتش.

أنا في إنتظار الرد يا سمية، أمانة عليكي ما تطوليش.

سلامات

(ملحوظة: أنا سجلت الجواب بعلم الوصول عشان ميتوهش زي اللي قبله)

اقرأ أيضا:

الفيلم السينمائي كأرشيف للتراث المديني

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.