أمل خليف في «ثلاث رسائل »: الكتابة من المسافة صفر
لا أعتقد أن هذا الديوان قد أخذ حقه من القراءة أو المتابعة النقدية مع أنه احتوى على مغامرة فريدة. الحديث هنا عن ديوان «ثلاث رسائل» لأمل خليف الصادر عن دار العين ٢٠٢٢، آخر أيام جائحة كورونا، أما المغامرة الفريدة فتمثلت في الكتابة الفورية أو الكتابة بنت اللحظة أو الكتابة من المسافة صفر. فكأنما كانت للشاعرة عين على التجربة وعين على الكتابة، فما إن خيم شبح الفشل على التجربة حتى شرعت في الكتابة. لم تترك الوقت الكافي للتجربة لكي (تختمر)، فكانت كالصياد الذي لا يجيد إلا رمي الشباك كل يوم، فلا يفاضل بين أيٍّ من صيده وإنما يذهب به إلى السوق مباشرة وهو ما زال ينزف.
المغامرة هنا أن الشاعرة أمل خليف وثقت في قيمة المنتج وهذا هو الشيء الجديد الذي أرجو الانتباه إليه، فكما أن الحوليات أو المعلقات لها قيمة فإن هذه الكتابة (غير المختمرة) لها قيمة أيضًا، على أقل تقدير لها قيمة في رصد انتقال الحالة المعنوية من مرتبة إلى أخرى، قبل أن يطويها النسيان، أي قيمة توثيقية، أما القيمة الأهم من وجهة نظري، فهي القيمة الاستشفائية في الدفاع عن النفس ورفض الإهانة ومحاولة سريعة للتماسك الداخلي، على كل حال فأمر القيمة هذا يخص نظريات الإبداع الأدبي، أما نحن محبي الشعر فمحظوظون بهذا العمل الرائع.
***
شبح الفشل يعمل من النص الاستهلالي “شكرًا للحب” وكأنها تقول شكرًا للحب على كل هذا الوقت لقد انتهت مهمتك، وفي النص الأول (الترقيم من عندي) من الفصل الأول مخاطبةً الطرف الآخر “نجوت من سجن الحب ووعد الحياة”، جدير بالذكر أن الديوان عبارة عن نص استهلالي وثلاثة فصول تحمل أرقام ١ و٢ و٣، كل فصل يحتوي عدة نصوص غير مرقمة. كما أن الديوان تجربة أو صرخة واحدة مقسمة على عدة نصوص. من اليسير أن تلاحظ أن هناك عدة خطوط انفعالية تنتشر على مدار الديوان ككل مع كثافات متفاوتة: تشريح العلاقة والبحث عن أسباب الفشل (الفصل الأول)، دفاعًا عن الحب والرغبة في الاستمرار (الفصل الثاني)، التدريب على الفقد والدفاع عن الذات (الفصل الثالث).
***
الحب، كما هو معلوم، أو الارتباط العاطفي بين امرأة ورجل هو من أهم التجارب التي قد يخوضها الإنسان ولأنها لا تحدث في فراغ ومن ثم تكون عرضة لمئات العوامل فاحتمالات عدم التوافق قائمة. في تلك الحالة تحدث المعاناة حتى إنه قد يشار إليه كلعبة أو كحرب. من الواضح أن الكاتبة في ديوانها قد فوجئت باختلاف الإيقاع فيما بينها وبين الطرف الآخر. ففي اللقاء الأول هو كان رجلًا مبهجًا يطلق روحه في ضحكة وهي ضحكت له، هو قد اقترب بخطوات سريعة وهي قد ظنت أن الحياة في جسدها قد أصابته، هي أرادت روحه بإصرار “لي الحرائق في جسدك”، هو كانت له احتياجات محددة سلفًا امرأة ترتعش بين ذراعيه.
في اللقاء الثاني جاءها بدرع من حديد بوجه أصفر من شدة الخوف أما هي فكانت في فستان للرقص، هو كان أجبن من أن يفتح عينيه لكي يراها، هي كانت قد دخلت في مرحلة أخرى لم يعد الرجوع ممكنًا نظرًا لاختلاف آليات التعايش، لم يعد الانكماش كحيلة يصلح، فتوقفت على بعد خطوة واحدة من الانهيار وأخذت تمارس لعبة الفقد: “حبيبي ألقى بنفسه من فوق الكرسي” فمات.

نعود إلى مسألة الكتابة (غير المختمرة)، ليس المقصود هنا السطحية أو السذاجة لا سمح الله، ولكن الكتابة كرد فعل أولي بفعل الصدمة، إذ يبدو أن الفشل جاء سريعًا جدًا بعد أو قبل الاكتمال مباشرة، بلغة الإحصاء يبدو تطور العلاقة كمنحنى صاعد ثم منحنى هابط بدون أي فترات من الاستواء، فتداخلت البدايات مع النهايات في سيمفونية رائعة هي هذا الديوان. أنا واثق أنه قريبًا جدًا سيكون هناك موقف متوازن من هذه الأمور في حالة إعادة تناول هذه التجربة – لو حدثت.
***
فيما يلي سوف نستعرض أهم ملامح هذه الكتابة غير المختمرة كما تبدت هنا، التلقائية؛ فكأنها تطبق مقولة (يكفي أن تفكر فيكون الشعر) حرفيًا، لا هندسة مفرطة وخصوصًا في تنظيم نصوص الديوان ككل، حتى أن التباين بين نصوص الفصول المختلفة طفيف، اللهم فيما عدا النص الاستهلالي والنص الأخير الذي سنعود إليه لاحقًا. التلقائية محمودة بشرط عدم الوقوع في خانة كتابة يوميات وهذا فن مختلف، وعدم التكرار وإن بدا أحيانًا تكرارًا، فإنها إعادة تناول retake للفكرة من زاوية أخرى مثلا “الطريق إليك لم تكن بهذا الطول” (نص في الفصل الأول)، و”الطريق التي أخذتني إليك لم تكن مخيفة” (نص في فصل آخر). ربما كان هناك عدم اطمئنان للمرة الأولى فرجعت إلى نفس الموضوع ولكن من زاوية أخرى.
تبدل المواقع بين لحظة وأخرى ملمح آخر من ملامح الكتابة غير المختمرة: بين موقف “الممكن كل ما أردناه” هي وعشرات الأصدقاء الحلفاء رافعين راية المرح وموقف “قرع الطبول في دمي زغردة بربريات حرائر لا تعرفن الانتظار الطيع”. واضح أن السياق مختلف فيما بين الجمعي والفردي، ولعل هذا ما يبرر هذا التباين، طبعًا نحن لا نأخذ على محمل الجد هذا الموقف المحافظ “علمني أن الامتلاء الراضي أشد على القلب من لحظات الفيضان الجامحة” باعتبار أنه قد ورد في النص الاستهلالي كعربون طمأنينة للقارئ وربما للذات أيضًا. من بين الملامح -ولكن الأقل حضورًا- غياب اليقين: “قلت إن بعض الأسئلة جعلت لتعيش معلقة”، والشعر المكشوف أحيانا: “الأورجازم لحظة الكشف” و”أحب ريقك المكافأة”.
***
على أنه من أبرز ملامح الكتابة “غير المختمرة” كما تتضح في النص الأخير من القسم الثالث، وهذا القسم الأخير من الديوان ككل، وهو نص بمثابة الخاتمة، التمترس حول الذات “حبك لأنوثتك” عوضًا عن محاولة التجاوز والتخطي وهو السلوك (الصحيح) أو المنشود في مثل هذه المواقف، وفي نفس النص الاستعجال في إصدار حكم كهذا “لا أحد سابق أو آت سيدفع من وقته وجهده لمعرفتك كما تفعلين”.
الاستعجال يتضح أكثر في الأسلوب، فلقد أهملت أداة الجر هنا “طويلًا تدربت طي نفسي” وأداة العطف هنا (لم تكن بذلك السوء، الصعوبة أو الوحشة). أتمنى أن يكون هذا الإهمال مقصودًا، بشيء من المرونة يمكن استيعاب هذه الروح الأوروبية في استخدام لغتنا فالمعنى متماسك في الحالتين، فمن الواضح أنها متمكنة من اللغة العربية تمكنًا فائقًا حتى أنها استخدمت ألفاظًا مهجورة أحيانا “في هدن الوقت”.
الشعرية هنا قائمة على التلقائية وعلى اتباع الغواية والهوى، في حالة من التدفق بدون حسابات مفرطة وفي نفس الوقت لا تدعي أشياء لا تمت بصلة إلى جوهر الشعر مثل القول الفصل أو الحكمة. وهذا سر جمال هذا الديوان، نترك هنا بعض الجمل التي تصلح أن تسبح وحدها في بحور المعاني المعممة “أفقد المعنى فأسهب في القول” (صفحة 78) أما من صفحة 71 فنجد “السحر نصيب من لا يحاول فك الخدع”. وفي النص الختامي “كل الذين أحببتهم يوما/ كانوا رائعين بطاقة الحب التي وصلتهم بها”.
اقرا أيضا:
«عظومة» لعصام البرعي: رحلة البحث عن صديق قديم

