ألف عام من الضوء.. «زينة رمضان» بين أصالة الأمس وحداثة اليوم
بين صفحات المؤرخين، وتحت ضوء القناديل القديمة، تكشف المصادر أن حكاية زينة رمضان ليست وليدة الصدفة، بل قصة موثقة بدأت منذ أكثر من ألف عام. فلم تأت زينة رمضان في مصر من فراغ، ولم تكن مجرد تقليد شعبي بلا جذور، بل امتدادا لتاريخ طويل وثقته كتب المؤرخين، وسجلته صفحات التراث، منذ أن عرفت القاهرة الاحتفال بالمواسم الدينية، وحتى تحولت الشوارع الحديثة إلى لوحات فنية في كل محافظات مصر.
الفاطميون.. حين أضاءت القاهرة لأول مرة
يذكر المؤرخ المصري الكبير تقي الدين المقريزي في كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”، أن الدولة الفاطمية كانت تهتم بالمواسم الدينية اهتمامًا بالغًا. وكان شهر رمضان من أبرز تلك المواسم التي تضاء فيها المساجد وتعلق القناديل في الشوارع.
كما أشار المقريزي إلى مظاهر الاحتفال عند دخول المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة في رمضان سنة 358هـ. حيث خرج الناس لاستقباله ليلًا بالمشاعل. ورغم أن النص لم يذكر فانوس رمضان الحالي بشكل مباشر. فإنه وصف الإضاءة الكثيفة بما يمنح جذورًا تاريخية لفكرة الاحتفال بالضوء في الشهر الكريم. وهو ما أسس للارتباط بين رمضان والزينة والنور.
المماليك.. الضوء يتحول إلى فن
في العصر المملوكي، وصف المؤرخ ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، الحياة الاجتماعية في القاهرة وصفا دقيقا، متناولًا الاحتفالات الدينية ومظاهرها. حيث ذكر كيف تحولت أدوات الإضاءة إلى عناصر فنية، خاصة المشكاوات الزجاجية المزخرفة التي انتشرت في المساجد.
وقد بلغت الصناعة الفنية للفوانيس والمشكاوات ذروتها في العصر المملوكي. حتى أصبحت تحفًا فنية باقية في متاحف الفن الإسلامي. فلم يعد الضوء وقتها مجرد وسيلة إنارة، بل أصبح رمزًا للجمال والهيبة الدينية.
ومع التطور الذي شهدته مصر في العصر الحديث، تحدث المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه “عصر محمد علي”، عن التحولات العمرانية والإدارية التي عرفتها مصر في القرن الـ19. والتي كانت مهدَا جديدًا لدخول وسائل الإنارة الحديثة. وقد انعكس هذا التطور العمراني على شكل الاحتفالات الشعبية. فانتقلت الزينة من الطابع الرسمي المرتبط بالمساجد والقصور إلى الأحياء والشوارع. حيث بدأ الأهالي يعلقون القناديل ثم المصابيح احتفالا باستقبال شهر رمضان.
من كتب التاريخ إلى دفء البيوت
تقول نجوى علي، 55عامًا، من صدفا بمحافظة أسيوط، إنه قبل أن تغزو الزينة الجاهزة الأسواق. وقبل أن تظهر سلاسل الـ(Led) في الشرفات، كان لرمضان في البيوت المصرية طقس خاص يبدأ بورق ملون أو كتب وكراسات قديمة ومقص صغير. وينتهي بضحكات تملأ المكان.
وتابعت: “كانت الأسرة تجتمع قبل حلول الشهر بأيام، تجلس الأم على الأرض، وإلى جوارها الأطفال. بينما يتولى الأب أو الأخ الأكبر مهمة رسم الهلال والنجمة على الورق. تطوى الأوراق بعناية وتقص بحذر، فتخرج الأشكال متناسقة كأنها دانتيل شعبي بسيط. لم تكن هناك قوالب جاهزة أو تصميمات مطبوعة، بل كانت الفكرة تولد من الخيال، ويتولى الجميع تنفيذها”.
الورق والمقص.. طقوس ما قبل الهلال
تضيف علي: “أما الصمغ، فلم يكن يشترى من المكتبات، بل يصنع في البيت. خليط بسيط من معجون القمح أو الدقيق والماء، يقلب حتى يتماسك. ثم يستخدم للصق الأشكال الورقية على الحبال أو الجدران. كانت الأيدي الصغيرة تتسخ بالمعجون، وتتعالى الضحكات كلما التصق الورق في غير موضعه. لكن لم يكن أحد يغضب، فالمسألة لم تكن دقة صناعة بقدر ما كانت لحظة مشاركة”.
وتوضح أنه في ليالي الشتاء، حين كان رمضان يأتي ببرودته الخفيفة. كانت رائحة الطعام الساخن تمتزج برائحة الورق والمعجون. دفء البيت، وضحكة الأم، وحماس الأطفال وهم يعلقون أول خيط زينة بين جدارين. كان ذلك إعلانًا مبكرًا بأن رمضان على الأبواب،
الإبداع من أبسط الأشياء
تقول علي: “لم يقتصر الإبداع على الورق فقط. ففي البيئات الريفية والشعبية، كانت “شكاير” الأسمدة البلاستيكية الملونة، التي كانت يشتريها المزارعون لأراضيهم. تتحول إلى خامة زينة مبتكرة. كانت تغسل جيدًا، ثم تقص إلى شرائط أو أهلة ونجوم. ويستخدم الخيط والإبرة في تصميمها على شكل عقد طويل تزين به الشوارع والبيوت. وكانت الألوان الصارخة الأحمر والأخضر والأصفر، تلمع تحت ضوء المصابيح، فتمنح الحارة مظهرًا احتفاليًا خاصًا.
لم يكن أحد ينظر إلى الخامة، بل إلى النتيجة، شارع كامل يتزين بجهد أبنائه، الجيران يتعاونون. الأطفال يتسابقون في تعليق الزينة، والكبار يراقبون بابتسامة رضا. كان رمضان يصنع يدويًا قطعة قطعة”.

الزينة الجاهزة.. جمال بلا ضجيج
يقول محمد سيد، 60 عامًا، بائع فوانيس بمدينة أسيوط، إنه مع ظهور الزينة الجاهزة بأشكال دقيقة ولمبات متحركة وألوان ثابتة لا تتأثر بالمطر أو الرياح، لم تعد هناك حاجة إلى قص الورق أو إعداد معجون الدقيق، بضغطة زر تضاء الشرفة كاملة. نعم هي جميلة، لكنها صامتة. وربما لهذا السبب ما زال كثيرون يحنون إلى تلك الأيام. حين كانت الزينة تقص على مائدة المطبخ وتلصق بأصابع صغيرة. ويعلن قدوم رمضان لا بشراء علبة جاهزة، بل بصناعة فرحة مشتركة.
وتابع: “الفوانيس اختلفت كثيرًا عن الماضي، فأغلبها كان يصنع من الصفيح وبأشكال مختلفة. أما الآن فقد تنوعت الخامات، فمنها الخشبية والبلاستيكية، وهي الأكثر انتشارًا نظرًا لانخفاض سعرها مقارنة بالصفيح. كما اختلفت الأسعار، فحاليا تبدأ أسعار الفوانيس من 50 جنيها وقد تصل إلى 6 آلاف جنيه. حسب الشكل والحجم والخامة التي يصنع منها الفانوس”.
ويضيف بائع الفوانيس أن الإقبال على الشراء ليس كبيرًا، نظرًا للغلاء الذي نعيشه، كما أن الفصل الدراسي الثاني من الدراسة بدأ مع دخول رمضان، وربما يكون هذا سببا آخر في قلة الإقبال على الشراء. هكذا لم تكن الزينة مجرد ديكور، بل كانت مناسبة تجمع الأسرة، وتمنح البيوت دفئًا إضافيًا، وتجعل من انتظار رمضان طقسًا حميمَا لا ينسى.
اقرأ أيضا:
من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟
«النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين
«صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية







