دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

واصلت «طبلية مصر» بالتعاون مع مجموعة «صادكو» فعاليات اليوم الثاني من مبادرة «إحياء الماضي وتوثيق الحاضر من أجل المستقبل»، المنعقدة في الفترة خلال الفترة من 15 يناير حتى 5 فبراير، حيث شهد اليوم تنظيم مؤتمرًا بعنوان «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».

الجلسة الأولى.. أكلات وذكريات

قُسم المؤتمر إلى جلستين، حملت الأولى عنوان “أكلات وذكريات”، وتحدثت خلالها الدكتورة شهيرة محرز، أستاذة العمارة الإسلامية بجامعة حلوان. والدكتورة نهلة إمام، مستشارة وزير الثقافة والمسؤولة عن ملف “اليونسكو” للتراث غير المادي في مصر، والدكتورة أميرة صديق، مدير المشروعات التراثية بمركز التوثيق للتراث الحضاري والطبيعي بقطاع التواصل الثقافي في مكتبة الإسكندرية.

شهيرة محرز.. المتحدثة الأولى

استهلت الدكتورة شهيرة محرز حديثها قائلة: “يسعدني اليوم أن أشارك في فعاليات طبلية مصر. وأود في البداية أن أتقدم بالشكر للدكتور الطيب عباس والدكتورة نشوى على الاستمرار في هذه المبادرة الهامة، والعروض الجميلة التي قدمت لنا منذ الخميس الماضي”.

وأضافت أن موضوع الجلسة يدور حول رحلة المصريين مع فنون الطهي والعرض والتقديم. مشيرة إلى أن الطهي فن كبقية الفنون، وله شقان، أحدهما خاص بالصفوة. والآخر بالفئات الأقل ثراءً، إلا أن كليهما في مصر يتمتع بسمات جمالية مميزة.

وأوضحت أن الاهتمام بتقديم الطعام كان واضحا حتى في الطبقات الأقل شهرة. حيث كان طهي الخضراوات يتم في أوان مائلة تسمى “الدقية”، تقطع فيها الخضراوات بطرق خاصة. ثم ترتب داخل الأواني، وبعد اكتمال الطهي تقلب القوالب لتظهر الخضراوات مرصوصة في شكل هرمي.

وصفات اندثرت وأخرى أوشكت

عرضت الدكتورة شهيرة محرز عددا من الوصفات التي اندثرت تمامًا أو لا يعرفها سوى الأقلية، وأشكال تقديمها. وكان من بينها وصفة “السبانخ الروس”، وفيها تطبخ رأس السبانخ فقط، وترص بطريقة معينة في الأواني وبعد طهيها تزين بزخارف معينة حسب كل بيت. لكن أكثر ما كان معروفًا السبانخ المزينة بحبات الحمص.

وأشارت إلى أن طبقة الصفوة، نظرًا لكبر البيوت وتوافر إمكانيات، كانت تضم طباخا رئيسيا ومعاونيه الذين يطلق عليهم “المرمطون”. وكانوا يتفننون في عرض جمالي لكل ما يقدم على السفرة، خاصة في المناسبات المهمة. مؤكدة أن هذا الفن موجود اليوم في آسيا، لكنه اختفى تقريبا من مصر.

وتناولت وصفة “القلقاس المحمر باللحم المفروم والصلصة”، التي أصبحت من الوصفات القليلة الطبخ. بعد أن اتجه معظم الناس إلى إعداد القلقاس بالصلصة فقط. كما تحدثت عن طبق “دقية الفول الأخضر”، وهو من الوصفات قليلة الاستخدام، إذ أصبح يتم أكله مدمسا أو نيئا. لكن قديمًا اعتمد طهوه على الشبت والجزر، الذين يعطون ألوان الريف المصري.

الكوسة البيضاء

كما عرضت وصفة “الكوسة البيضاء”، التي كانت تقطع بطريقة معينة وتطبخ بالبهاريز دون الطماطم. وكانت تزخرف بما يسمى بـ”الطراطوس”، وهو مسحوق مثل الطحينة، لكن مصنوع من الصنوبر. ونظرًا لسعره الغالي لم يكن يستخدم سوى في العزائم الكبيرة. وكان المسحوق يغطى بالخضار أو السمك أو اللحم. ثم يزين بقشور الطماطم والبقدونس، حتى أن زخارفه تشابهت مع أواني فخار القرن السادس عشر الموجودة في المتاحف. وهو ما يؤكد لنا مدى الارتباط بتاريخنا.

أما الطبق الأخير فكان عكس ما سبق، ليس صعبًا، بل يسهل الطبخ، وهو “المحشي الكرنب”. إذ كان يتم سلق الكرنب سلق خفيف. ثم تحشى من خلال وضع الأرز والبهارات والتوابل بين كل طبقة وبعدها تلف كاملة وتوضع في دقية لطهوها، دون تقطيع أو لف. وبعد الطهو تخرج على شكل قبة، وتقطع خرائط كالتورتة. فكان ذلك يسهل طبخ المحشي.

أطباق وأواني التقديم

في الجزء الثاني من مداخلتها، استعرضت الدكتورة شهيرة محرز أنواع الأطباق التي كان يقدم عليها الطعام. موضحة أن الاهتمام بأواني التقديم لم يكن حكرًا على طبقات بعينها، بل كان أمرًا مهمًا في جميع الطبقات. حيث نفس الأطباق التي كانت تصنع من الفضة للصفوة، مثلها تمامًا يصنع من النحاس أو المعدن الأبيض أو الخزف للعامة. نفس الاهتمام بالسفرة والأواني كان موجودًا في كل الفئات، وكذلك صواني تقديم المشروبات.

كما وجدت في كل مكان حتى المقاهي، ونفس الاهتمام لكؤوس الماء، للصفوة من الفضة، العامة من الزجاج البسيط، الطبقة المتوسطة من الزجاج الملون. أما المشروبات الساخنة فكان لها تلبيسة وتصنع من النحاس والمعدن الأبيض والفضة وفقًا لكل طبقة.

شعب ذواق

أضافت محرز: “كذلك الأدوات كانت مزخرفة ولها قيمة جمالية، وأبرز دليل على ذلك مناقيش الكعك. وهو ما يدل على أن الشعب المصري كان ذواقًا. من المهم أيضًا أن الجمال لم يكن حكرًا على فئة مما ميز المجتمع المصري، بل كان في كل مكان حتى الشوارع. وأكبر دليل ما تبقى من محلات تقليدية في شوارعنا وبالذات واجهات الأفران والفكهانية وعربات الخضار التي تدل على رقي الشعب المصري. موصية بالشراء من هؤلاء الباعة بدلًا من السوبر ماركت حتى لا يندثر فن الشوارع”.

واختتمت حديثها بتوجيه الشكر إلى المتحف القومي للحضارة المصرية على مبادرته الفريدة من نوعها، التي لم تحدث من قبل، وهي تكريم مأكولات الشارع المصري. والعروض المقدمة من قبلهم وتنظيم هذه الفعالية.

الاستدامة والإبداع

في المدخلة الثانية، تولت الدكتورة نهلة إمام الحديث. حيث وجهت الشكر إلى طبلية مصر على امتدادها وتوسعها ونزولها الشارع ووصولها أماكن كثيرة، بداية من اهتمامها بالطعام. وصولًا إلى النقطة الأهم وهي الاستدامة، والقدرة على الإبداع بأفكار جديدة.

وأوضحت أنه في كل مرة يجتمع  المشاركون حول محور جديد متعلق بالطعام، وهذا يجعلنا نتساءل: لماذا الأكل؟ مؤكدة أن الطعام يعد الثقافة الأهم لأي بلد. مشيرة إلى أن الرحالة الأوائل أكدوا أن التعرف على أي بلد لا يكتمل دون تذوق طعامه. لأنه يعبر عن ثقافات وليس مجرد مذاق، فهناك ثقافات حارة مثل الهند، المميزة باستخدام التوابل.

وأشارت إمام إلى أن أكثر ما يخيفها من التراث هو أن يلقي بنا إلى التعصب، لأن الاهتمام الشديد قد يجعلنا نتجه نحو التطرف، لذا، على سبيل المثال التوابل تخبرنا عن الثقافات ممكن واحدة تستخدمها بكثرة وأخرى لا. أو ثقافة تستخدم توابل معينة في وصفات معينة فقط. ما يجعلها مختلفة عن الثقافات الأخرى، لكن ما حدث أن هناك سيولة ثقافية في العالم، التي جعلت من العالم كله شبيهًا لبعضه في المأكل والمشرب والملبس. لذلك أصبح الحفاظ على طابع معين من الطعام هو في حد ذاته كفاح. الطعام ملمح من ملامح الثقافة وجزء من هويتي.

ثقافة الطعام

لفتت الدكتورة نهلة إلى أن الطعام كان محطة مهمة في التعرف على الثقافات، إذ كتب عنه المؤرخون باستفاضة. وتحدثت عن “الصونات”، وهي فكرة مصرية قديمة تشبه بموائد الرحمن. لكنها كانت مسؤولية الدولة، ويجلس على رأسها الخليفة، والقضاة والشيوخ وعامة الشعب. وهو ما أشار إلى ذلك المقريزي في كتاباته. كما كان يتم المرور على المنازل لتوزيع “النقل” من المكسرات والياميش.

وأوضحت أنه مع مرور الوقت اختفت هذه الفكرة وتحولت إلى موائد الرحمن، التي بدأت بدورها تقل عن السابق ويحل محلها “كرتونة رمضان”. مؤكدة أن هذه الظاهرة تعد ملمحا ثقافيا مميزا يستحق تسليط الضوء عليه وإحياءه من جديد. مشيرة إلى أن الشعب المصري هو من أكثر الشعوب التي تتقرب إلى الله بالطعام والنذر به.

تسجيل العيش الشمسي

في ختام مداخلتها، تحدثت الدكتورة نهلة إمام عن تسجيل “الكشري” في اليونسكو. وقالت: “فكرة الكشري انطلقت من “طبلية مصر”، التي طالبت بذلك خلال دورتها الأولى”. وأضافت إلى أن رحلة العمل على ملف الكشري، التي استمرت عامين ونصف العام. كشفت لها الكثير عن المجتمع المصري مما لم تكن تعرفه من قبل.

وأكدت عزمها السعي لتسجيل “العيش الشمسي” نظرا لتميزه، خاصة مع تنوع أنواع الخبز، ووجود دول عدة قامت بتسجيل وصفاتها مثل ألمانيا وفرنسا. وأشارت إلى أن العمل جار حاليا على ملفات أخرى مثل “السبوع” ومدرسة التلاوة المصرية. كما نصحت “طبلية مصر” بالالتفات إلى المشروبات  التقليدية، والطقوس المرتبطة بالخروب والكركديه.

كل ما هو طيب

من جانبها، تحدثت الدكتورة أميرة صديق عن أصل الطعام المصري، وواصلت حديثها عن أصل الحكاية للطعام المصري، الذي كان فيه علامة مميزة ويطلق عليه كل ما هو طيب. والتي تعني أن كل ما هو حلو يؤكل على طبلية مصر. وكانت العلامة التجارية لهم، حتى مع زيارة الشعوب الأخرى كانوا ينتظروا منهم الأسلحة واللبس وقبلهم الأكل من العيش واللحم المقدد والأسماك وغيرهم.

وتابعت: “الدليل من قصة سنوحي حين هرب نتيجة مؤامرة معينة في الدولة الوسطى. الحاجة الوحيدة التي قالها أنا أفتقد الطعام ذو الجودة وأفتقد الأكل الجيد والمعاملة الطيبة. وهو ما يدل على امتلاك مصر جودة للحياة. طبعا الأرض المصرية نظرًا لكونها مميزة بغلال معينة هي ما كانت تعطينا أنواع خبز مختلفة بلغت 180 نوع. كل واحد منهم كان يقدم وفقًا للمناسبات أو الحالة النفسية، أو نوع الولائم. بالتالي المطبخ المصري كان قائمًا على الاقتصاد وجزء أساسي منه”.

واختتمت صديق مداخلتها بعرض فيلم تسجيلي قصير عن الطعام المصري يحمل اسم “كل ما هو طيب”، عرض ما انفرد به المطبخ المصري مثل “العيش” الذي ظهر بعد أن اكتشف المصريون القدماء الخميرة. وكيف ربطنا اسم العيش بالحياة والمعيشة، وغيره من أكلات مصرية أصيلة.

حكايات وراء الشيفات

أما الجلسة الثانية، التي حملت عنوان “حكايات وراء الشيفات”. فشارك فيها الشيف مروة الشافعي، والفود بلوجر ميدو برسوم، وعمر فتحي، والإعلامية رجاء إبراهيم، التي افتتحت الجلسة بالحديث عن تجربتها مع “الطبلية” كمبادرة وعادة مجتمعية. معربة عن سعادتها بالمشاركة في نقاشات الموسم الرابع.

وتناولت إبراهيم أهمية موضوع العام الحالي، الذي أصبح من الأهمية بمكان أن يطرح في المتحف القومي للحضارة المصرية. قبل أن يتناول المتحدثون حكاياتهم مع المطبخ، وأسرار المهنة، وعاداتهم مع الأكل.

اقرأ أيضا:

«أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»

من فم إلى أذن.. كيف حفظت الكنيسة الألحان واللغة القبطية؟

الباحث «يوسف طيبة»: الترجمة المباشرة أهم عامل في فهم اللغة المصرية القديمة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.