حكاوي

يس الضوي: الجنوب وعديد الرجال

يس الضوي واحد من الشخصيات التي تتمتع بقدرات فنية متنوعة، تجمع بين التمثيل، والإخراج المسرحي، والتأليف، كل هذا إلى جانب هويته الأولى، حيث بدأ حياته بكتابة الشعر، ونشر عددا من تلك القصائد، كما كتب عددا من الأشعار الخاص ببعض العروض.

في مجال التمثيل، ظهر الضوي في أدوار قليلة وقصيرة. لكنه استطاع أن يلفت الانتباه، ويحقق حضورا قويا قياسا بعدد المشاهد وزمن ظهوره، كما هو الحال في تجسيده لشخصية “الشيخ محمود” في مسلسل “الزوجة الثانية”.

طاقة كبيرة

جهود يس الضوي كثيرة، وتكشف عن طاقة كبيرة لكنها في تقديري مهدرة، لأن الفرص التي أتيحت لها في مجال السينما والتليفزيون كانت قليلة بدرجة غريبة ومريبة. كما أن الفرصة التي أتيحت له كي يبدع ويتألق في مجال المسرح كانت محكومة بظروف قاتلة، فالمسرحيات التي قام بإخراجها أو تأليفها كانت تتمتع بقيمة فنية عالية، لكنها  لم تعرض تقريبا، أو عرضت في نطاق ضيق ولأيام معدودة.

كل عمل من أعمال يس الضوي المسرحية كان يستحق التناول النقدي. ففي كل مرة كان يترك بصمة فنية تستحق الحفاوة والتأمل، لكن أعماله كانت تظهر وتختفي دون أن تحصل على ما تستحقه من اهتمام.

تراثه الجنوبي

علاقة الضوي بتراثه الجنوبي واحدة من السمات التي ميزت مسيرته. وقد نجح في التفاعل مع ذلك التراث وهضمه حتى صار امتدادا طبيعيا له. وصرنا نفقد القدرة أحيانا على التمييز بين نصوصه والنصوص التراثية. وصار بعض الناس ينقلون تلك النصوص ويتداولونها باعتبارها من التراث.

من أمثلة ذلك المربعات والبكائيات التي كتبها وأضافها للنصوص المسرحية وهو يعيد إعدادها لتظهر برؤية مسرحية جديدة. كما هو الحال مع إعداده للعرض المسرحي (قولو لابوها) الذي أخرجه إيمان الصيرفي، عن مسرحية عرس كليب لدرويش الأسيوطي، وأنتجها البيت الفني للمسرح عام 1999 بمسرح حديقة الحوض المرصود.

يس الضوي
يس الضوي

لقد لجأ يس الضوي وهو يقوم بإعداد النص مسرحيا إلى فن العدودة. من أجل توظيف طاقته التعبيرية، ومن نصوص تلك البكائيات التي أضافها للمسرحية يقول:

نادى منادينا وكحرتْ القُلة

قال افتحوا نعشه وابكواعلى العلة

 

نادى منادينا وكحرت النبوت

راح  اللي كان ضله مالي علينا بيوت

 

نادى ملاك الموت وندهته جاتك

خطَّى عليك يازين خطفك ولم فاتك

 

موت يا حشيش أخضر في الأرض واتنَّى

راح اللي كان يسقيك من ميِّتُه مَحَنَّةْ

 

سيف الخصيم الشوم يا رشقته يمَّك

ياللي ما كان في الناس أعفى عفي يهمك

 

طلعتْ الجبل عالي لقيت حجر مفلوق

فكرني يا حزني ع القلب مات محروق

 

مين فصَّلك ياتوب كان سبْعِنا لابسُه

بابكي عليك بالدمع اللي سنين حابسُه

تشخيص عميق

لقد نجح يس الضوي في تشخيص الجنوب بشكل عميق، من خلال هذا التماهي مع تراثه، ونحن لا نستطيع الوقوف أمام جماليات العدودة هنا بشكل كامل، لأننا ننزعها من سياقها المسرحي، ونحرمها من طاقة الأداء التي ترفع شأن الكلمات من خلال جمال الصوت واللحن.

عديد الضوي لا يقف عند حده الجمالي في العمل المسرحي. بل يثير أسئلة تتعلق بالبكائيات الشعبية نفسها، لأن العدودة ترتبط في الأذهان بالنساء، ويعتبرها البعض من إبداع المرأة. لكن تجربة الضوي تكشف عن قدرة الرجل على تقمص وجدان المرأة على النحو الذي لا يمكننا أن نفرق معه بين المرأة والرجل، أو بين قروية تقليدية وفنان مثقف، تجربة الضوي تضع علامة استفهام تستحق التأمل.

هل كان العديد تعبيرا عن مشاعر  أنثوية محضة. ولهذا أبدعته المرأة كي تعبر عن وظيفتها الاجتماعية في الصراخ والبكاء، أم كان العديد تعبيرا عن مشاعر ذكورية، وقد أبدعه الرجل وأخفاه تكبرا في حناجر النساء؟

اقرأ أيضا

عصا الجنوبي في لوحات المريخي: حواء الضلع المستقيم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى