حكاوي

«يا أم الشال أخضر وحرير»: الشيخة مريم.. مقصد المسلمين والأقباط في الفيوم

ارتبط ضريح ومقام الشيخة مريم بالفيوم، بالعديد من المعتقدات الشعبية لدي الأهالي، إذ يعد أحد أبرز الأضرحة والوحيد الذي يرتبط باسم سيدة في الفيوم، والتي مازال حضورها طاغيا في الحياة اليومية لأهالي الفيوم، ويتردد على زيارتها المسلمون والأقباط على حد سواء.. فمن هي الشيخة مريم التي يعرفها الكثير؟

ضريح الشيخة مريم

أمام الضريح الذي يقع على ضفاف بحر يوسف بالقرب من ميدان السواقي الشهير بالفيوم، يصطف الجميع من المسلمين والمسيحيين للتبرك بصاحبة الضريح، وقد لا يلفت مكان الضريح انتباه كثير من المارة الذين لا يعرفون عن الشيخة مريم سوى أن هذا المكان يعد من محطات المواصلات الداخلية بالفيوم، إذ تظهر على استحياء واجهة الضريح التي لا تتجاوز بضعة أمتار تخفي جزء منها شجرة عتيقة، ويظهر المقام خلف تلك الشجرة متوسطا المحال التجارية، أما مدخل الضريح فيوجد في زقاق ضيق يضم العديد من المحال التجارية أيضا وقد تقلصت المساحة الكلية للضريح الذي يتبع مديرية أوقاف الفيوم، وبالرغم من ذلك إلا أن المصلي الصغير الملحق به التابع لأوقاف الفيوم لا يوجد ما يدل على تاريخ ميلاد أو وفاة صاحبة الضريح.

دراسة أكاديمية

أفادت دراسة حول مقام وضريح الشيخة مريم، أجراها الدكتور وليد عبدالسميع، مدرس مساعد بكلية الآثار بجامعة الفيوم، معتمدا على مجموعة من الوثاق والصور، بأن محمود بك صبري، مدير الفيوم في الفترة من 2/11/1889م إلى 15/11/ 1894م أنشئ قبة الشيخة مريم الموجودة حاليًا حيث عمل اكتتاب عام، وتبرع بضعف ما جمع من الاكتتاب من ماله الخاص لبناء الضريح. وبالفعل تم إنشاء القبة الحالية للضريح في الفترة من 1889 إلى 1890م، وقد كان هناك قبة أعلى ضريح الشيخة مريم أقدم من القبة الحالية، وكان ملحقًا بها سبيل.

ويذكر الباحث في إشارة ودلالة على أهمية هذا الضريح، أن الخديوي توفيق عين في 11 محرم 1298هـ/ 1880م ناظرًا على سبيل الشيخة مريم وملحقات الضريح. وفي شهر إبريل من عام 1943م عُين وزير الأوقاف عبدالهادي بك الجندي ناظرًا على الضريح وملحقاته بصفته نائبًا عن الملك فاروق، كما صدر بتاريخ 11/11/1943 قرار المحكمة العليا الشرعية بتنظير محمد إسماعيل رفاعة على الضريح وملحقاته، وتم رفض طلب السيد أحمد مراد البكري ووزارة الأوقاف في النظارة.

وتحول السبيل الملحق بالقبة، والواقع تحت نظارة وزارة الأوقاف إلى أرض فضاء في 2/1/1949، وقد ظل وضع الضريح وملحقاته هكذا حتى عام 1968 حيث تسلمت وزارة الأوقاف القبة وملحقاتها (دكانين، مخزن، حوش) من الناظر محمد محمد إسماعيل رفاعة المقيم آنذاك بدرب النجارين بشارع الرملة، وقد تقلصت مساحة الضريح وملحقاته ليكون على وضعه الحالي وهو عبارة عن مكان للضريح فقط.

البنت المدللة

ويذكر الباحث الدكتور إبراهيم عبدالعليم، في كتابه الهام “تحت القبة شيخ”: أن الشيخة مريم كانت تقيم في منزل على ترعة بحر يوسف، وارتبط اسمها بالنماء والخصوبة، وكانت توصف بأنها فتاة مدللة وجميلة، كما عرف عنها صفاء النفس والمشاعر، وكانت محبة للناس، وتحب مجالسة الطرق الصوفية إذ كانت من مريديها وتدرجت في مناصب إحدى الطرق الصوفية حتى أخذت العهد وأصبحت خليفة وشيخة طريقة وأطلق عليها “البنت المدللة” وكثر ذكرها في الأناشيد الدينية وتعلقت بها النساء حيث كانوا يجلسون حولها في حلقات الذكر الصوفي ويطلبن منها أن تمسح على رؤوسهن بأيديها كي ينجبن ذكور، وقد عرف عنها أنها لا تتكلم كثيرًا فهي إما تحدث نفسها أو تشير بأيديها.

ويشير عبدالعليم، إلى المكانة الكبيرة التي حظيت بها الشيخة مريم في نفوس مواطني الفيوم مسلمين ومسيحيين، حيث شكل اسمها دورا كبيرًا في اعتقادات مجتمع الفيوم، فقد نسبها الأقباط إليهم نسبة لمريم العذراء، أما المسلمين فيرونها شيخة مسلمة صوفية، ومع مرور الزمن أصبحت الشيخة والقديسة المطلقة.

وتابع: من أكثر الطقوس المعكوسة تميزًا والتي قد لا يوجد في أي مكان أو لأي شيخ آخر هو طقس “خبز مريم” وهو عبارة عن نذور تقدم لـ”الشيخة مريم” حيث كان المسلمون يهدون هذا النذر إلى كنيسة ماري جرجس بالفيوم أو أي كنيسة قريبة، بينما كان الأقباط يقدمون نفس الخبز ولكن عند مقام الشيخة مريم، ويتفق أصحاب الديانتين حول زيارة الضريح والمقام والاحتفال بمولد صاحبة المقام في يوم شم النسيم المرتبط في الأذهان بالخصوبة وانبعاث الكائنات، حيث يقومون بالدوران حول المقام وتوزيع الخبز المصنوع من عجين من الدقيق والماء مضاف إليها كمية كبيرة من الخميرة و قليل من الملح، ويعتقد أن هذه الخميرة تحمي من صنع وأعد هذا الخبز من أي أرواح شريرة، وهو الخبز الذي كانت تفضله الشيخة مريم، ويحمل النساء خبز مريم في سلال، وعند قيامهن بتقديم الخبز يرددن أغنيات يصفون فيها الشيخة مريم بأنها الجميلة البيضاء ذات الأصل الطيب والتي كانت ترتدي الشملة الحرير الخضراء الطاهرة.

ديانة مريم

ويتعرض الباحث الدكتور وليد عبدالسميع إلى ديانة الشيخة مريم، ويؤكد بحسب ما توصلت إليه دراسته من عدة دلائل، أنها – مسلمة ولا يؤثر على المكانة الشعبية والحضور الطاغي لمقامها عند المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء- ومن الدلائل التي توصل من خلالها أنها مسلمة الديانة أن إنشاء القبة الحالية تم على يد محمود بك صبري الذي ينتهي نسبه إلى الإمام على ابن أبى طالب، إضافة إلى أن الوقف وإدارته كان تحت يد مسلمين، كما أن التصميم المعماري للقبة، وتتويجها بالهلال يؤكد أن صاحبة المقام مسلمة الديانة.

ويزور مقام الشيخة مريم حتى الآن العديد من محبي الأولياء الذين يعتقدون في كراماتهم وأنهم “واصلين” ومن المدهش أن أغلب مريدي الشيخة مريم من النساء وتحديدا الراغبات منهن في الحمل أو إنجاب الذكور، وذلك لارتباطها في مخيلتهم بالنماء، وهو ما يؤكد على الدور الوظيفي الذي يقوم به المقام وصاحبة الولي من خلال العديد من الحكايات والأساطير حول بركاته وكراماته، وفي هذا الصدد فإن للشيخة مريم في المخيلة الشعبية قدرة على مساعدة النساء في الحمل وإنجاب الذكور، كما يشاع أن من يحلمن بها تساعدهم على الشفاء من المرض، ومن الأغاني التي ارتبطت بالشيخة مريم وكانت النساء تغنيها تلك الأغنية التي تقول:

زرعنا القمح وقلعنا الزرع         وانت البيضاويـة

احنا وانتِ على الزراعيـة         يا مريم يا بنت الأكابر

والله لأخبزلك عيش فاخر         وانت البيضاوية

يا أم الشال أخضر وحرير          ه ه ه ه هاي

لأعمل لـك حـمام وفطيـر         طيري يا شايلة الفلاحة

زرعنا القمح وقلعنا الزرع          وانت البيضاويـة

اقرأ أيضا

ضريح الفاوي.. قبة خشبية ثمانية الأضلاع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى