ياسين محجوب: رحلة البحث عن الإشراق في الموسيقى المستقلة
ينسج الفنان السكندري ياسين محجوب تجربة موسيقية لا تشبه غيرها. i, مغني يمتلك مشروع موسيقي شامل ومتعدد الأنماط والمستويات، يجمع بين التلحين والتوزيع وتأليف الأغاني والإنتاج والإخراج الموسيقي والهندسة الصوتية.بدأت مسيرته الغنائية في عام 2010 عند أسس فرقته السابقة “قرار إزالة” ومنذ ذلك الحين تعاون مع العديد من الموسيقيين من خلفيات وأنواع موسيقية مختلفة ومتنوعة.
أصدر 3 ألبومات، وقدم أكثر من 200 حفل موسيقي مع فرقته، بالإضافة إلى العديد من العروض المستقلة والمسرحيات والأفلام والمهرجانات الدولية والأعمال المشتركة. وصولاً إلى مشاركته في مهرجان الفنون العالمي «بينالي فينيسيا 2024»، وحصوله على جائزة الدولة التشجيعية في التأليف الموسيقي من المجلس الأعلى للثقافة 2024.
في هذا الحوار يكشف محجوب كيف يصهر الروك المتطور والموسيقى الأوركسترالية والروح المسرحية في بوتقة واحدة، وكيف يرى في «التناقض» هوية إبداعية كاملة قادرة على إعادة صياغة التراث بروح العصر.
داخل الاستوديو: ياسين عبر عدة قبعات
في استوديو محجوب للتسجيل الصوتي، وبعد أن تأملت الآلات الموسيقية (الدرامز والجيتار الكلاسيكي والجيتار الإلكتريك والكيبورد) في أركان غرفة التحكم والبروفات، جلست لأتابع ياسين، بينما يوجّه عازف الساكسفون الذي يعزف مقطعًا ضمن track (مقطع موسيقي) جديد.
هنا كان يرتدي ياسين قبعة مهندس الصوت، بعد أن خلع قبعة الملحن والموزّع الذي عمل على اللحن والتوزيع. ووسط كل هذه الأدوار، وبعد أن انتهى من التسجيل، بدأنا الحوار. سألته كيف يعرّف نفسه كفنان، أو بأي هذه الأدوار يفضّل أن يعرّفه الناس.
يجيب ياسين: «عندما بدأت علاقتي بالفن، لم تنطلق من الغناء، جرّبت أن أمثّل وأكتب وألقي شعرًا، حتى غنيت. بالتأكيد ما أفضل أن يعرفني الناس به هو أنني مغنٍ أولًا وملحن/ مؤلف موسيقي ثانيًا، وأحيانًا أعمل كمهندس صوت في الاستوديو الخاص بي، وما يدخل ضمن عملية الإنتاج الموسيقي عامة بأنواعه. وتأتي الأدوار الأخرى كالتمثيل والإخراج في الأعمال الموسيقية كخلفية لتجارب أحب أن أخوضها».
***
ويستكمل، ردا على سؤال حول ما إذا كان هذا التنوع قد أضاف ثراءً إلى تجربته أم كان من الأفضل أن يركّز في الغناء: «في البداية لم أكن أتصوّر أن أقوم بكل هذه الأدوار. ما كان يحدث أثناء العمل على أغنية أو مشروع ما، أن أتعثر في وقت معيّن، فأجد نفسي متوقفًا على مساعدة شخص ما في تنفيذ الموسيقى.
فوجدت أنني أحتاج أن أتعلم، خاصة في مرحلة مع فرقة “قرار إزالة”، مررت بعدة سنوات لا أستطيع إنتاج ألبومي. فمثلًا كانت لديّ أفكار موسيقية معيّنة، ولا أمتلك لغة تواصل مع مهندسي الصوت لتنفيذها، فاضطررت أن أتعلم هندسة صوتية حتى أستطيع الإنجاز».
ورغم ذلك، لا يريد ياسين الاستمرار في القيام بكل ذلك، عند سؤال حول مستقبله المهني، يتابع: «بالطبع أريد أن أستمر مغنيًا ومؤلفًا موسيقيًا، وليس من طموحي مثلًا أن أستمر في عملي كمهندس صوت، بالعكس أريد أن أتعاون مع آخرين من كل التخصصات في صناعة الأغنية.
كوني أقوم بكل ذلك منفردًا يضع عبء مهام وضغطًا أكبر، والإنتاج يأخذ فترات أطول، وهذا يؤخر الإنجاز، لكني أراه مفيدًا على المدى الطويل. ليس بالضرورة مستقبلًا أن أنفذ كل شيء بيدي، لكن المهم أن أكون مثل المخرج السينمائي؛ حتى وإن لم أصوّر أو أمنتج، أعرف كيف تعمل الأشياء، حتى أستطيع توجيه فريقي».

بين الضجيج والذكر: من “قرار إزالة” إلى “الله معين”
هذا التنوّع في أدواره الفنية يبدو امتدادًا طبيعيًا لشخصيته وتجربته الموسيقية؛ ففي العمل الكورالي متعدد الأصوات الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية «الله معين»، يراه ياسين التعبير الأمثل عن مشروعه الموسيقي، كأنه بطاقة تعريف يقدّمها للناس ليقول من هو كموسيقي.
هذا العمل، الذي يمزج بين الصوفي والروك والأوركسترالي، يصفه ياسين قائلًا: «الله معين أعتبرها خلاصة رمزية لرحلتي الفنية والإنسانية، مررت فيها ببحث وتجلي وطمأنينة وخوف وتعبير ومناجاة، والكثير من التغيرات والتقلبات. تجربة موسيقية دسمة، رحلة كاملة من البداية للنهاية، بها صعود وهبوط، فيها كم كبير من الأصوات، تنقلات مقامية، وتغييرات في الحالة، وتداخلات صوتية، واختيارات آلات متعددة.
يقوم العمل على تصور موسيقي واسع يمزج بين الأوركسترا وProgressive Rock (الروك المتطور) ولمحات من Fusion Jazz (مزيج الجاز)، مع إيقاعات شرق أوسطية وعناصر إلكترونية وكورال أوبرالي، في بناء صوتي مركّب يعكس رؤيتي الموسيقية».
اقرأ أيضا: في مئويته: هل كان «يوسف شاهين» ممثلا مقموعا صار مخرجا ديكتاتورا؟
***
بدأت ملامح مشروع ياسين الأول مع تأسيس فرقة “قرار إزالة”، وهي فرقة موسيقية مستقلة قدمت الروك المتطور ممزوجًا بالألحان الشرقية، كما حملت مرجعية فكرية من الاسم، يقوم على مواجهة العادات والأفكار السلبية، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، والدعوة إلى إصدار قرار بإزالتها وتغييرها نحو الأفضل.
هذا النوع من الروك الذي قدمته الفرقة، أتاح له إمكانيات أوسع في البناء الإيقاعي والهارموني وتركيب الجمل الموسيقية، فهي موسيقى تقوم أساسًا على كسر التوقعات، سواء في Timing أو بنية الـ track، يوضح كيف تشكّلت رؤيته في التجديد، انطلاقًا من استيائه من نمطية الأغاني الدينية: «كان عندي شعور دائم أن هذه الموسيقى فيها نوع من الـEnergy (الطاقة)، الكبيرة المناسبة جدًا لحالات صوفية كثيرة. فعندما بدأت أعمل على أول تراك “صوفي”، بدأت أدمج هذا الشكل الموسيقي، بمنطق موسيقى الروك، مع الإيقاعات غير المعتادة.
فالـStructure (البنية) كله أخذ هذا المنطق: جزء Orchestration (توزيع أوركسترالي)، وجزء Orchestra (أوركسترا)، مع إيقاعات أساسية مختلفة، وليست أربعة أربعة بشكل مباشر، كما أن الصوت مبني على الـDistortion (التشويه الصوتي/الصوت العنيف)، مع الإلكتريك جيتار الذي يعطي Power (قوة) معينة.
***
كان الشكل فعلًا أقرب إلى Heavy (ثقيل/صاخب)، لكن اعتمدت أن يكون اللحن قريبًا من الذائقة السمعية. طريقة الغناء فيها شكل موّال، وهو ما هو معتاد في الأغاني الصوفية، وأضفت مردّات أو ما يُسمّى “بطانة”، أجاد فيها الفنان محمد سرور. بينما الإطار العام ستسمع فيه أصواتًا غير معتادة بالنسبة لهذا النوع: Distortion (تشويه صوتي)، Synthesizer (مُركِّب أصوات إلكتروني)، Keyboards، وDrums تعزف بشكل Heavy، وهكذا».
ويستكمل في وصف التحول داخل البنية الموسيقية نفسها: «تلك كانت التجربة الأولى: أن أضع هذه الحالة الصوفية داخل قالب موسيقي مختلف. مشاكلي لم تكن مع الألحان، بالعكس كنت أعتقد أن الألحان مظلومة؛ اللحن في النهاية هو الإسكتش، لكن الأهم: في أي إطار سيوضع ليحكم شكله النهائي. لذلك، التوزيع الموسيقي هو ما يجعل لحنًا ما ينير أو ينطفئ، مع إضافة طبقة سمعية مختلفة فيها مزيد من التجريب والتعبير. فالموسيقى في الأساس لغة تعبير، والحالة الروحانية لها أشكال مختلفة، ربما تكون صاخبة».
ثم مع تطور التجربة ينتقل إلى مرحلة جديدة عبر مشروع “مداد” عام 2018، حيث يعيد النظر في أدواته من زاوية أكثر هدوءًا، متسائلًا عن إمكانية الحفاظ على نفس منطق كسر الإيقاع والهارموني ولكن داخل صوت أقل صخبًا، فاستبدل االجيتار الإلكتريك باالكلارينت، والدرامز بآلات وترية أو إيقاعات مختلفة، مع الحفاظ على روح التجريب.
***
ومع انتقال المشروع إلى القاهرة، اتسعت دائرة التعاون ليشارك فيه الموسيقي أدهم السعيد من فرقة وسط البلد، إلى جانب المنشد مصطفى الشافعي، الفائز بجائزة منشد الشارقة، حيث تم العمل على عرض موسيقي قُدّم في مركز جوته بالقاهرة. ومن داخل هذه المرحلة خرجت عدة تراكات مثل “صلوا عليه” التي حملت طابع Fusion (مزيج)، و«الله معين»، الذي احتفظ به محجوب لفترة قبل أن يعاود إنتاجه بالشكل الذي يراه أكثر اكتمالًا.
يلخّص ياسين فكرته في إعادة التفكير في تصور شائع حول الأغاني الدينية، والتي غالبًا ما تُقدَّم في إطار حزين أو منكسر، لكنه يتحفظ على هذا التنميط. ويطرح تساؤله في هذا السياق: «لماذا لا نمنح هذه الألحان والكلمات مساحات لونية أكثر اتساعًا، ترتدي فيها نبرة أكثر إشراقًا وبهجة بدل أن تظل محصورة في أجواء قاتمة وكئيبة؟».

إعادة اكتشاف الموسيقى من الاستوديو إلى المسرح
ينتقل ياسين إلى المسرح، حيث يعمل كمدرب للأداء الصوتي مع مدرسة برفورم للفنون الأدائية، في 2022 عمل على الرؤية الموسيقية والتدريب الصوتي لعرض حكاوي المولد، وفي 2023 أخرج وألف موسيقى عرض شالله يا سيدنا، كما شارك كمغني أو حكاء في عروض أدائية مثل عرض ما بعد الجسد في 2025.
يحكي ياسين عن تلك العلاقة الوثيقة: «أنا جئت أساسًا من المسرح، في بداياتي كنت ممثل مسرحي، ولدي ارتباط كبير جدًا به، كنت أحضر أو أشاهد أون لاين لفترات طويلة عروض تحدث في أماكن كثيرة في العالم، وعملت فترات في تدريب الممثلين».
ويستكمل بينما يستعيد تجربته مع حكاوي المولد: «الإطلاع على الليلة الكبيرة ألهمني لتجربة جديدة، كانت وجهة نظري في تقديمه هي التجريب بأسلوبي مع الحفاظ على روحه الأصلية بدون تشويه، عرض حكاوي المولد كان عن عرضين مسرح عرائس الليلة الكبيرة والفرح، كان التحدي خاصة بالنسبة لليلة الكبيرة، هو أنني أعيد تقديمه بشكل معاصر، مع مراعاة أنني أعمل على لحن شرقي موجود في وجدان المصريين، حتى أنهم يستخدمون منه مقاطع في الأمثال، فهناك حساسية تجاه تقبل الجمهور لهذا التغيير».
***
ويضيف واصفًا طبيعة التكوين الموسيقي داخل العرض: «استعنت بموسيقيين من خلفيات مختلفة، موسيقي كلاسيكية مع دانيال سيدهم عازف آلات متعددة مثل البيانو والفلوس وآلات نحاسية، إلى جانب موسيقى إلكترونية مع عمرو زيدان، وروك مع نديم الحبشي عازف الجيتار الإلكتريك، وموسيقى شرقية مع باسم ضياء عازف العود، كنت أريد أن أخلط كل ذلك بشكل جديد ومنسجم.”
هذا التوجه في طبيعة الفريق الموسيقي نفسه الذي جمع بين خلفيات متباينة، من الموسيقى الكلاسيكية مع دانيال سيدهم، إلى الإلكترونيات مع عمرو زيدان، إلى الجيتار الإلكتريك والروك مع نديم الحبشي، وصولاً إلى الموسيقى الشرقية: العود مع باسم ضياء، في محاولة لخلق مساحات صوتية هجينة قادرة على احتواء هذه التناقضات داخل عرض واحد.
اقرأ أيضا: في عوالم «داوود عبد السيد»: رثاء شخصي لمخرج علمني حب الحكمة والحكاية والحياة
***
التجربة الصوفية فيها طقوس قائمة على الجماعية، لذلك ربما الأغنية وحدها لم تعد كافية للتعبير عن هذه الحالة الاستعراضية عند ياسين، حين سألته عن الفارق بين طريقة العمل والمساحة من الأغنية إلى المسرح يوضح: «هناك فرق يبدأ من طريقة بناء العمل نفسه، الأغنية تمر بمسار تقليدي من كتابة وتلحين وتوزيع وتسجيل، قبل أن تصل إلى الجمهور بشكل مؤجل، بينما المسرح يضع الفنان داخل لحظة تفاعل مباشر، حيث يكون رد الفعل حاضرًا في الزمن الحقيقي، من خلال ممثلين وجمهور وأداء حي».
هذا الحضور المباشر يفتح بحسب ياسين، مساحات وأبعاد أوسع للتجريب والإبداع تشمل الإضاءة وهندسة الصوت والحركة والحضور الجسدي، ما يجعل التجربة أكثر كثافة واشتباكًا، يضيف ياسين: “أشعر أن التجربة في المسرح أغنى وأنشط كثيرًا، وأعتبر العمل في عرض مسرحي أكثر تجربة مؤثرة أمر بها، خاصة عندما أعمل على تأليف موسيقي لعرض مسرحي، أنسى نفسي تمامًا وأشعر أنني أطير، ربما لا أكون أعرف تمامًا ما علي فعله، لكن أشعر بشيء ما، ويخرج مني موسيقى وإبداع لا أتصور أنه سيأتي من العمل بمفردي».
التناقض كهوية موسيقية: كيف يصنع ياسين صوته؟
«أعتقد إن تجربتي ملخصة في إني ممكن أكون شخص متناقض، وبيحاول يكون إنسان متناقض ومتصالح مع هذا التناقض، وأحاول التعبير عنه والتعامل معه، لذلك أنا أعبر عن هذا التناقض في داخلي بالموسيقى» هكذا يعرف ياسين نفسه.
هذا التصور ينعكس مباشرة في طريقته في بناء مشروعه، إذ يصعب، كما يرى، حصره داخل قالب موسيقي واحد مثل الروك الخالص أو الشرقي الخالص، لأنه ينطلق أساسًا من انفتاح على تنوع الأصوات على مستوى الأنواع الموسيقية والآلات معًا. يشرح ياسين: «كل الأصوات بالنسبة لي جميلة ومحببة، وأقصد بالأصوات هنا على مستوى الأنواع الموسيقية وعلى مستوى الآلات. يعني ممكن أعمل تداخلًا بين الأصوات التقليدية، وآلات مثل الآلات الشرقية مثل العود، مع موسيقى الإلكترونيات، ومع التوزيع الأوركسترالي».
***
وتتجلى هذه الرؤية بشكل عملي في أعماله الغنائية التي تمزج بين أكثر من هوية صوتية داخل كل تجربة؛ مثل «مفك تست» الذي يأتي كمهرجان مودرن/تراب شعبي متأثر بموسيقى شمال أفريقيا خاصة في المغرب العربي، ويجمع بين الغناء الشرقي وموسيقى الروك، و«بعافر بس» الذي يتخذ من الدريل أحد أشكال الهيب هوب والتراب منطلقًا داخل حس الهارد روك مع حضور الساكسفون وسولو الإلكتريك جيتار بنَفَس قريب من الموسيقى الهندية، وصولًا إلى «وحدة» الذي يمزج بين الروك وموسيقى الهيب هوب والراب، مع تقليل واضح في الهارموني لصالح إحساس بالعزلة، حيث تمنح الأصوات الإلكترونية (pads) إحساسًا بالوحدة.
ورغم هذا التعدد، يشير ياسين إلى وجود سمة صوتية عامة تتكرر عبر أعماله، تتمثل في ميله إلى الجروفز ذات الإيقاعات المركبة، والهارموني ذي الطابع الجازي أو الأوركسترالي العميق، إلى جانب حضور الأصوات الإلكترونية، مع بقاء الغناء الشرقي والموسيقى الشعبية في مصر وغيرها حاضرًا في الخلفية. كما يستند إلى خلفية صوفية في التفكير الموسيقي وفي بناء الجمل اللحنية والتوزيعات، بما يدفعه إلى إدخال هذه العناصر داخل صيغ جديدة وغير تقليدية.
ويختتم هذا التصور برؤية أقرب إلى تعريف ذاتي لخبرته، إذ يرى أنه يمتلك قدرة على صياغة جمل لحنية مؤثرة ومبتكرة داخل توليفات متعددة الطبقات، بما يسمح له بإعادة تقديم العناصر التراثية داخل سياقات معاصرة تحمل بصمته الخاصة.
اقرأ أيضا: «ترام الإسكندرية».. ذاكرة الصمت والانتظار بعيون فنانيها



