دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

ياسر منجي يكتب: السِجال السياسي وإعادة اختراع المرجعية (2-3)

هذه الأطوار المشحونة بتنويعات من الاحتجاب، والعرقلة، وإعادة التخصيص المكاني، والتي جاءت على خلفيات سياسية بالدرجة الأولى، لم تكن بمعزِلٍ عن دَيناميّاتٍ أخرى، لا تقل عنها أهمية في رسم معالم الصراع الأيديولوجي المُمازِج للسجال السياسي السابق عرضُه، فضلًا عما كان لها من أثرٍ بعيد في إعادة تأويل مشروع «مصطفى كامل» الوطني، على نحوٍ يكاد يصل إلى حد (اختراع) مرجعية أيديولوجية تَنوبُ عنه.

إن أهم ما يلفت النظر في شأن تصميم تمثال «مصطفى كامل»، إنما يتمثل في تلك المرجعية المصرية القديمة، التي هَيمَنَت على مضمون فكرته بِجَلاءٍ تام؛ إذ ظهر “مصطفى” معتمدًا بإحدى يديه على رأس تمثالٍ مصري قديم، يقارب ملامح “أبي الهول” بدرجة لافتة – وهي ذاتها الفكرة التي طُوِّرَت لاحقًا في تصميم تمثال “نهضة مصر”، الأحدث منه تنفيذًا، والأسبق له إشهارًا – وذلك على الرغم من أن سيرة “مصطفى كامل” لا تتضمن ما يشير إلى ما قد يربطه بهذه المرجعية. فعلى الضدّ من ذلك، كان مشروع “مصطفى كامل”، وانحيازاتُه، وكتاباتُه في أكثر من مناسبة، تقطع بميله لمناصرة نظام الخلافة العثمانية، وبقُربِه من السلطان “عبد الحميد”(17).

***

كما كانت رؤية “مصطفى كامل” لقضية التحرر الوطني المصري مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بـ(المسألة الشرقية) Eastern Question؛ حيث ظهر في كتابه الذي حمل نفس الاسم، وضعُه حركة الاستقلال التي كان يقودها من أجل تحرير مصر في إطارٍ ترسم حدودَه الدولة العثمانية والعالم الإسلامي(18).

ويتضح مما سبق أن هذا المضمون لا يتفق كثيرًا مع المرجعية المصرية القديمة، التي جرى إقحامُها ضِمن أسلوب تصميم التمثال. غير أن التفاوض مع “سافين” على فكرة التمثال، بمراجعة اللجنة التنفيذية القاهرية التي أقرتها، بعضوية “أحمد لطفي السيد”، ربما يطرح تفسيرًا محتَمَلًا لهذا الأمر؛ بالنظر لإيمان “محمد فريد”- مندوب اللجنة للتعاقد على تنفيذ التمثال – بفكرة القومية المصرية وقتها، بعد أن كان في بداياته متحمسًا للدولة العثمانية.

كما لا يقل عن الاحتمال السابق أهميةً ما أثِرَ عن “لطفي السيد” من تَوَجّه مصري صِرف؛ كان ثمرة للتيار الداعي للقومية المصرية بين تلامذة “محمد عبده”، والذي تصاعد بعد ذلك خلال العشرينيات وما بعدها؛ وظهر في كتابات “لطفي السيد” عن استمرار المكون الفرعوني في مصر الحديثة. فإذا أضيف لذلك الانتماء الثقافي لـ“سافين” الفرنسي، واستشراء اتجاه “الإحياء المصري” في النحت الفرنسي، جاز أن نتخيل أسباب هذا الإقحام، الذي يكاد يكون إعادة اختراع لمرجعية “مصطفى كامل” الأيديولوجية.

الإحياء المصري القديم في سياق خطاب “النهضة”

غير أن هذه الإرهاصة بتَبَنّي المرجعية المصرية القديمة، رمزًا للهوية القومية، كان عليها أن تنتظر قرابة عقدٍ، لتصير تَوَجُّهًا عامًّا للمجتمع المصري، يبلغ ذروته إبّان عقد العشرينيات من القرن الماضي.

وقد جرى تعبيد السبيل أمام هذا التحول على أثر أحداث جِسام على المستوى الدولي، يأتي على رأسها: الأحداث التي أفضَت إلى انهيار الخلافة العثمانية. وكانت ذروة ذلك خلال الفترة الممتدة من اندلاع “الثورة العربية”(1916 – 1918)، وما واكبها من وقائع مشروع اتفاقية “سايكس – بيكو” (1916)، وهزيمة العثمانيين في ختام الحرب العالمية الأولى 1918، و”وعد بلفور”(1917)، وإذلال شروط السلام في “مؤتمر باريس” (يناير 1919).

وما أعقبها من إنهاك فادح لدولة (الرجل المريض) خلال “حرب الاستقلال التركية”(1919 – 1923)، وإقرار تقسيم الهلال الخصيب بالانتداب البريطاني/ الفرنسي في مؤتمر “سان ريمو 1920”، والتخلي بموجب “معاهدة سيفر”(1920) عن الأراضي التي يقطنها غير الناطقين بالتركية، بما أفضى إليه ذلك من إلهاب للروح القومية، وانتعاش الانتباه إلى تمايُز الهويات في المنطقة، وبالتالي انتعاش ما يعززها بصريًّا من رمزيات ثقافية محلية بالدرجة الأولى (19).

***

كذلك فقد استمد التوجّه لترجيح الهوية البصرية المصرية القديمة وقودًا دافعًا هائلًا من مشروع الدعوة إلى “النزعة الفرعونية”، تلك النزعة التي كرَّسَتها كتابات “أحمد لطفي السيد” (1982 – 1963)، و”محمد حسين هيكل”(1888 – 1956)، و”سلامة موسى” (1887- 1958)، ونظراؤهم من الداعين لإحياء القومية المصرية. ويفسر ما سبق واقعة تغيير “مختار” تصميم تمثال “نهضة مصر”، من نموذج يستلهم فكرة البطولة العربية، إلى النموذج المتضَمّن رمزَي الفلاحة وأبي الهول.

ويتضح من إجماع المراجع على مسألة احتفاء أقطاب الوفد في باريس عام 1920 بالنموذج المصَغَّر للتمثال (20)، عندما نال إحدى جوائز صالون باريس، أن النموذج العربي الذي تم تغييره ينتمي زمنيًّا إلى ما قبل عام 1919. كما يتضح من مراجع أخرى أن فكرة التمثال شهدت العديد من المعالجات والصياغات، قبل أن يستقر “مختار” علىالنموذج الذي نُفِّذَ بالفعل، وأن الفكرة لم تخطُر له بسبب بدء الحركة الوطنية مع ثورة 1919.

بل بدأت قبل ذلك بزمان؛ لتخليد ذكرى النهضة الفكرية والأدبية والعلمية في مصر(21). غير أن اصطلاح “النهضة المصرية” سرعان ما ارتبط دلاليًّا بما نعرفه الآن باسم “ثورة 1919”؛ وهو ما تواترَ في عددٍ كبير من الكتابات وقتها؛ مُوازيًا في ذلك لظاهرة شيوع كلمة “النهضة” خلال العشرينيات، واستخدامها في سياق التعبير عن فكرة تطور مناحي الحياة المصرية كافة.

***

الشعور بأرومة مصرية واحدة، في مواجهة مُحتَل يسعى لإثارة النعرات الطائفية لِصَدع الصف الوطني. ومن الصور التي يتجلى فيها مدى هذا التداخُل والاشتباك، بين دلالة التمثال، اسمًا ورمزًا، وبين ارتباط ثورة 1919 في الوجدان الجمعي بالطفرة الحداثية التي كانت مصر تشهدها آنئذٍ، ولصوق كل ذلك بشخص “سعد زغلول”، تلك الصورة التي تصدرت غلاف العدد رقم 118 من “المصور”، الصادر يوم 14 يناير 1927، والتي يظهر فيها “سعد زغلول” خلال زيارته لموقع العمل في التمثال في ميدان “محطة مصر”، تحت عنوان “زعيم النهضة أمام تمثال النهضة”. (شكل7. 5)

(شكل7. 5) زعيم النهضة أمام تمثال النهضة
(شكل7. 5) زعيم النهضة أمام تمثال النهضة

استمرت الوقائع الدالّة على الوجود الرمزي لتمثال “نهضة مصر” في بؤرة الصراع السياسي المعقد وقتها إلى ما بعد الانتهاء من إنجازه، بل وخلال حفل رفع الستار عنه، بعد قُرابة تسعة أشهُر من وفاة “سعد زغلول”. فبرغم حضور الملك “فؤاد” للحفل وإلقاء “النَحّاس”- بصفته رئيس الوزراء – خطاب الحفل أمامه، وبرغم إعلان أن الملك سيتولى رفع الستار بيده، تغير الأمر في اللحظة الأخيرة لتتولاه مجموعة من رجال الإطفاء بمعاونة أفراد من الشرطة.

وبالإضافة لذلك، فقد تجاهل ثلاثة من أبرز رؤساء الوزارات السابقين في تاريخ هذه المرحلة حضور الحفل؛ إذ لم يحضر كلٌّ من “عبد الخالق ثروت”، و”يحيى إبراهيم”، و”أحمد زيور” (22)، بما لكلٍّ منهم من أدوار متشابكة مع أعقد تحولات العقدين السابقين في تاريخ مصر السياسي.

إعادة التخصيص في سياق تلاقي الفُرَقاء

عبّر المشهد السياسي المعقد لتلك الفترة عن نفسه بعد إنشاء التمثال من خلال الاستنفار الصحفي المعنوي لرمزية “نهضة مصر”، وتوظيفها في مناسباتٍ بعينها، تعكس تشابُك مقاصد القوى السياسية والاجتماعية المتصدرة لهذا المشهد حينذاك. فقد كان تمثال “نهضة مصر” هدفًا للهجوم المتكرر في الكاريكاتير السياسي بالمجلات والصحف المُشايِعة لخصوم “الوفد” أو الداعمة للسراي أو الإنجليز؛ وهو ما تجلى في كثرة من الأفكار الانتقادية الرامية للخَصم من رصيده الرمزي.

وقد مَثَّلَت هذه الحالة ما يَصِحُّ تسميتُه (إعادة تخصيص إعلامي)؛ وهو ما تجلّى، على نحوٍ مختلف، في ظهور مطبوعات شعبية، جمع الرسامون فيها بين زعماء تلك القوى المُتدابِرة؛ أمثال: “عبد العزيز جاويش”، والأمير “عمر طوسون”، و”محمد فريد”، و”مصطفى كامل”، و”سعد زغلول”، وفي القلب من التصميم بدا تمثال “نهضة مصر” واسطةً لائتلاف هؤلاء الفُرَقاء (23).

واستمرت هذه الظاهرة إلى نهاية عقد الأربعينيات؛ إذ تكررت النماذج التوليفيّة من الصور والرسوم الصحفية، التي تجمع زعماء أحزاب متنافسة، أو رؤساء حكومات متناحرة، حول تمثال “نهضة مصر”؛ للتعبير الرمزي عن أمل الشعب في ائتلافهم، أو لتوجيه الانتقاد لضعف الأداء الناجم عن هذا التناحُر. (شكل8. 5).

 (شكل8. 5) نماذج توليفيّة من الصور والرسوم الصحفية، التي تجمع زعماء أحزاب متنافسة، أو رؤساء حكومات متناحرة، حول تمثال “نهضة مصر”
(شكل8. 5) نماذج توليفيّة من الصور والرسوم الصحفية، التي تجمع زعماء أحزاب متنافسة، أو رؤساء حكومات متناحرة، حول تمثال “نهضة مصر”
***

وقد بلغ من أمر هذا الاستحضار الرمزي أن نشرت مجلة “الهلال” في عدد شهر نوفمبر 1947 مقالًا بعنوان: “هل نهدم تمثال نهضة مصر؟”، أُخِذَت فيه آراء طائفة من أعلام المجتمع والسياسة والفن والفكر جديًّا في هذا الأمر. وكان الغرض المُعلَن من هذا المقال/الاستبيان هو استشفاف مدى صلاحية تمثال “نهضة مصر” للاستمرار رمزًا للوطن، بعد مُضِيّ قرابة عشرين عامًا على تدشينه.

والجدير بالملاحظة في شأن تاريخ نشر هذا المقال أنه تم بعد ثلاثة أشهُر فقط من إخفاق “النقراشي” في عرض قضية مصر على مجلس الأمن؛ وهو ما يمثل في تقديرنا تلخيصًا رمزيًّا لخلاصة الواقع السياسي المتأزّم آنذاك. فمن الممكن أن يُفهَم من ذلك أن هذا الاستطلاع الصحفي كان من قبيل الإسقاط الرمزي على حالة (النهضة المصرية)، من خلال الرمز لذلك بهدم تمثال “نهضة مصر”، بالتوازي مع تأزُّم الأحوال في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي أثناء تَكَشُّف إخفاق “فاروق” عن تحقيق الآمال العِراض التي كانت منوطة به في مُستَهَلّ عهده.

***

غير أن فكرة المساس بتمثال “نهضة مصر” ظلت محض فكرة نظرية، ولم يَجرِ تنفيذُها إلا حين نُقِلَ بأكمله من موقعه الأصلي في ميدان المحطة (باب الحديد) إلى موقعه الحالي بجوار حدائق الحيوان عام 1955. وأعيد تخصيص مكان تمثال “النهضة”، حين وُضِعَ بدلًا منه تمثال “رمسيس الثاني” عام 1956. وقد تم التمهيد لهذا الأمر في الصحافة خلال عام 1954؛ إذ نسبت عدة مصادر صحفية إلى الملك “فؤاد” فكرة محاولة نقل التمثال إلى حدائق الحيوان؛ وكأنما للإيحاء للقارئ كذلك أن النقل الفعلي خلال العهد الجمهوري مجرد تحقُّق لفكرة جرى طرحها خلال العهد الملكي (24).

مشروعات لم يُقَدَّر لها الاكتمال

بخلاف مشروع تمثال “نهضة مصر”، كان “مختار” قد انشغل بمشروعات موازية، ارتبط بعضُها بمشروع تمثال النهضة نفسه – وربما استُلهِمَ منه – ونَجَمَ بعضُها الآخر عن انفعاله بظروف تحولات سياسية وثيقة الصلة بالظروف التي دفعته من قبل لمعالجة فكرة تمثال النهضة. غير أن تلك المشروعات جميعًا لم يُقَدَّر لها أن تكتمل؛ بسبب إنفاق “مختار” جُلّ طاقته ووقته لإتمام مشروعات تماثيله الميدانية والفنية الشهيرة، من جانب، ومن جانبٍ آخر لوفاته المبكرة نسبيًّا.

كان “تمثال الاستقلال” أبرز تلك المشروعات التي لم تكتمل، والتي أراد من خلالها أن يعبر – كما يبدو من اسم التمثال – عن حُلم مصر بنيل استقلالها التام. وعلى رغم أن هذا المشروع عُرِّفَ بكونه تمثالًا، في المراجع التي أشارت إليه، وفي مقدمتها كتابات “بدر الدين أبو غازي”، فإن تأمل الصور القليلة الباقية لنموذجه المكتمل تُبَيِّنُ أن خصائص النُّصْب التذكاري تنطبق عليه، بأكثر مما يمكن حصرُه في صفة التمثال؛ وهو ما يظهر حتى في بقايا نموذجه المعروض حاليًّا في “متحف مختار”.

فالنموذج لا يقتصر فقط على منحوتة لتمثال أو لبضعة تماثيل، بل يشتمل على تصميمٍ ميدانيّ متكامل، يجمع بين عناصر معمارية ونحتية، تمثل حالة تذكارية ورمزية مُستَوفية لعناصر النُّصْب التذكارية الضخمة كافة، وهو ما يجعله في تقديرنا أجدر باسم (نُصُب الاستقلال).

***

وبرغم المستوى التصميمي والتعبيري الممتاز لهذا النُّصْب، فالمعلومات المتوافرة عنه شحيحة للغاية، وتقتصر مراجعها الموثوق بها على كتابات “أبي غازي” القليلة عنه. وحتى في تلك الكتابات، نلحظ اختلافًا في بعض المعلومات؛ كتاريخ تنفيذه؛ الذي يَرِدُ آنًا على أنه عام 1921 (25)، وآنًا آخر على أنه الفترة ما بين عامَي 1922 و1923، وأنه تعبير عن الأمل الذي لاح باستقلال مصر وقتها وتأكُّد شيء من ذاتيتها بدستور سنة 1923 (26).

ومِن أهم الملحوظات التي يمكن استخلاصُها من الكتابات القليلة التي تناولت هذا النُّصْب، أنه برغم عدم تشييده فعليًّا، فإن بعض رموزه وعناصره ما بَرِحَت حاضرة في وجدان “مختار”، لتؤثر فيما بعد على بعض أهم أعماله الميدانية؛ ومن أهمها تمثال “سعد زغلول” بالقاهرة؛ الذي يتضح من تصميم الرموز المنقوشة على قاعدته تأثُّرٌ بالنقوش والعناصر النحتية المُكَمّلة لنُصْب الاستقلال، والمعبرة عن الأفكار ذاتها (الدستور، والعدالة، والإرادة، والزراعة، والنيل).

***

أما المشروع الثاني فلم يُكشَف عنه إلا عام 1954، عقب انتهاء إحدى لجان الجرد من حصر محتويات “قصر القبة” (27)؛ إذ عثرت تلك اللجنة على خمسة عشر مُصَغّرًا نحتيًّا، تمثل نماذج لتماثيل ميدانية من تصميم “مختار”، كان محتَفَظًا بها داخل المتحف الشخصي للملك “فاروق” داخل القصر. وبحسب ما نُشِرَ عن هذا الموضوع آنذاك، فإن أربعة من هذه التماثيل رمزت إلى “الوطن”، و”العلم”، و”الصناعة”، والعدالة”، بينما رمَزَ كل نموذجٍ من الأحد عشر الباقية إلى إحدى مديريات (محافظات) القُطر المصري؛ وهو ما يُضفي على هذه النماذج أهمية خاصة.

إذ ينطوي على دلالة أن مشروع “مختار” الميداني التذكاري لم يقتصر خلال العهد الملكي على القاهرة فقط، بل امتد ليشمل عواصم الأقاليم المصرية كافة، معبرًا عن خصائص كل إقليم ومُجَسّدًا شخصيته في رمزٍ نحتيّ؛ وهو ما يمكن تأمله بدقة حاليًّا في كل نموذجٍ منها، بعد أن صارت ضِمن مقتنيات “متحف مختار”.

غير أن أفكارًا لمشروعاتٍ صرحية أخرى لم يُقَدَّر لها الاكتمال؛ بسبب المحنة الصحية التي تعرض لها “مختار” في نهاية حياته، والتي أفضَت لوفاته عام 1934. فظلت أحلامه بإقامة شواهق ميدانية لكلٍّ من “حركة عرابي”، و”الإسكندرالأكبر” (28)، و”كليوباترا”(29) محض أمانيَ لم ترَ النور، ولم يُقَيَّض للقاهرة والإسكندرية أن تستَوفيا من خلالهما منظومتها الرمزية النحتية خلال العهد الملكي.

تمثالا “سعد زغلول”: إعادة التخصيص بين المُكايَدة والاستقطاب السياسي

عقب وفاة “سعد” في 22 أغسطس 1927، سطعت فكرة تخليد ذكراه بأكثر من طريقة؛ كان في صدارتها تشييد ضريحٍ مَهيبٍ له، وإقامة تمثال ميداني أو أكثر في بعض أشهر ميادين القاهرة. واستُقِرّ بعد ذلك على إقامة تمثالين كبيرين؛ أحدهما في العاصمة بميدان “الإسماعيلية” (التحرير حاليًّا)، والآخر في الإسكندرية التي شهدت وقائع نفي “سعد” ثم عودته ظافرًا مُكَرَّمًا أكثر من مرة خلال ذروة كفاحه الوطني.

وبعد أن تعاقدت الحكومة مع “مختار” عام 1930 على إقامة التمثالين بارتفاع 20 مترًا لكلٍّ منهما، بدأت بوادر التَرَبُّص الناجم عن الصراع على السُّلطة، الفعلية والمعنوية، بين القصر و”الوفد”، وعادت للمشهد ذكريات النزاع بين “فؤاد” و”سعد” على الحضور الرمزي في ميادين القاهرة؛ واعتُرِضَ على وجود تمثال لـ“سعد” في القاهرة، وفي نفس الميدان الذي يُنسَبُ لـ“إسماعيل”، في الوقت الذي تخلو فيه القاهرة بأسرِها من تمثالٍ للأخير.

كما اعتُرِضَ على أن يزيد ارتفاع تمثال “سعد” السَّكَندري على ارتفاع تمثال “محمد علي” (30)؛ ووفق هذه الحيثيات عطلت حكومة “إسماعيل صدقي” إقامة التمثالين، وأمضى “مختار” سنواته الأخيرة في قضايا مع الحكومة، لم تُحسَم إلا بعد وفاته، ورحل قبل أن يرى تمثالَي “سعد” في مكانهما.

***

ولم يكن الترَبُّص السياسي مِن قِبَل خصوم “الوفد” أو مُنافسي “سعد”، خلال عهد “فؤاد”، بأقل تأثيرًا في مشروع التمثالَين من الانشقاق الذي جرى بين أقطاب “الوفد” أنفسهم في أعقاب وفاة “سعد”، والذي تطور بسبب الصراع على الزعامة، بما أدى – في أعقاب تَوَلّي “فاروق” سلطاته الدستورية مباشرةً – لانشقاق كلٍّ من “النقراشي” و”أحمد ماهر” وقيادات أخرى عن “الوفد” عام 1937.

وتأليفهم في بداية عام 1938 حزب “الهيئة السعدية”، الذي ارتبط بحزب “الأحرار الدستوريين” بشِبه تحالُف ضد “الوفد”، إلى أن بلغ الصراع ذروته بين “النقراشي”و”النحاس” في أغسطس من عام 1938، أي في نفس شهر إزاحة الستار عن التمثالين. وكان ذلك الانشقاق يعود في شطرٍ مهمٍّ منه إلى نجاح القصر في استقطاب “النقراشي” و”أحمد ماهر”؛ بهدف إسقاط وزارة “النحاس” الوفدية، ولفرض أسُس سياسية جديدة، يصير للملك من خلالها دورٌ مؤثرٌ في نظام الحُكم(31).

وفي ظل هذا التشابُك المعقد من المُكايدة والاستقطاب السياسي، أزاح الملك “فاروق” الستار عن تمثال “سعد” بالإسكندرية يوم 27 أغسطس 1938، مُنيبًا عنه “أحمد خشبة” باشا، وزير العدل حينئذٍ، لإزاحة الستار عن تمثال “سعد القاهري” في اليوم نفسه.

***

ولم تَخلُ هذه الواقعة في حد ذاتها من الدلالات المهمة؛ إذ بعد أن نجحت الحكومة في عهد “فؤاد” من إعادة تخصيص فضاء مكاني مُغاير لميدان الإسماعيلية، وإزاحة تمثال “سعد” إلى ميدان “الجزيرة”، يعمَد “فاروق”- إمعانًا في إظهار التأييد العلني للسعديين – إلى إزاحة الستار بنفسه عن تمثال (خصم أبيه اللدود) في الإسكندرية، غير بعيدٍ من الموضع المخصص لتمثال جده “إسماعيل”، الذي سيزيح عنه الستار بعد أقل من أربعة أشهُر من إزاحته ستار تمثال “سعد”، وغير بعيدٍ من تمثال جده الأكبر “محمد علي”.

وتغَيَّب “النحاس” عن حضور إزاحة الستار عن تمثالَي زعيمِه الأكبر؛ بسبب إقالة “فاروق” إيّاه قبل ثمانية أشهُر، وهو السبب ذاتُه الذي جعله يتغيّب بعد عامين عن حضور حفل إزاحة الستار عن تمثال “مصطفى كامل”.

وسرعان ما شهد تمثال “سعد” القاهري واقعة أشد عنفًا، في أكتوبر من العام نفسه؛ إذ بمجرد عودة “النحاس” من سفره بالخارج، ومحاولته زيارة التمثال بصحبة “مكرم عبيد” ومجموعة من الوفديين، تصدّت لهم جموع غفيرة من الجماهير المسلحين بالعصيّ والحجارة، وأصابوهم إصابات بالغة استدعت نقل عددٍ منهم إلى المستشفى، وكان من بينهم “النَحّاس” و”مكرم” (32).

***

وبسبب هذا السياق المعقد، فقد استرعت وقائع إقامة تمثالَي “سعد” وإزاحة الستار عنهما انتباه عددٍ من الباحثين السياسيين والمؤرخين، ممن انتبهوا إلى حضور فن النحت الميداني في بؤرة الصراع السياسي المصري خلال العهد الملكي؛ لدرجة أن الدكتور “يونان لبيب رزق” تناولها باستفاضة في سلسلة “ديوان الحياة المعاصرة” بملفات الأهرام تحت عنوان: “حرب التماثيل!!”.

وإن كان قد ضَمَّن مقاله ذاك إشارة مُلتَبِسة، مفادُها أن حكومة “النحّاس” “كلفت المثال الإيطالي السنيور أندريا فيشا بصناعة التمثال”(33) السكندري؛ وهو ما يوقِعُ في روع القارئ أن تمثال “سعد” الموجود بالإسكندرية من صُنع نحات آخر غير “مختار”. والحقيقة أن “أندريا فيشا” (الصواب: “فيتشيا” A. Veccia) المذكور ليس نحاتًا، بل مُقاول إنشاءات إيطالي متخصص في تنفيذ التماثيل وقواعدها وفقًا للتصاميم والنماذج النهائية التي يوافيه بها النحاتون.

غير أن أحدًا من هؤلاء الباحثين لم يلتفت إلى واقعة ذات دلالة بالغة الأهمية، جرَت ضِمن وقائع إزاحة “فاروق” للستار عن تمثال الإسكندرية؛ إذ كان العرش المخصص لجلوس الملك في سرادق الاحتفال عرشًا مُصَمَّمًا على الطراز المصري القديم، ومُزدانًا بالتاج الملكي في الآن نفسِه، وهي سابقة لم تحدث من قبل في تصاميم عروش عواهل أسرة “محمد علي”، ولم تتكرر كذلك بعد تلك الواقعة. وقد أشير للأمر صحفيًّا وقتها على “أن مصر أخذت تستعيد مجد الفراعنة في ظل مليكها الشاب” (34).

***

غير أن النظر لهذه الواقعة في إطار الطراز الذي صُمِّمَت وفقًا له قاعدتا تمثالَي “سعد”، والذي تناغم مع أسلوب “مختار” المُستَلهِم للفن المصري القديم، يضع هذا الظهور الرمزي لـ“فاروق” على عرش من الطراز نفسه في سياقه الصحيح؛ إذ يفسر رغبته – أو رغبة مَن أعدّوا هذا المشهد – في دَمج صورة الملك الشاب في فاتحة عهدِه ضِمن نسيج الهوية البصرية التي استقرت في وجدان الشعب، وارتبطت بمسيرته الثورية والتحديثية، بدءًا من تمثال “نهضة مصر”، ووصولًا إلى تمثالَي “سعد”، ليظهر “فاروق” بذلك وكأنه يتكئ على شرعية الانتساب للجذور الحضارية نفسها التي ابتعثها المصريون هويّةً لهم. (شكل10. 5).

(شكل10. 5) صورة الملك الشاب في فاتحة عهدِه ضِمن نسيج الهوية البصرية
(شكل10. 5) صورة الملك الشاب في فاتحة عهدِه ضِمن نسيج الهوية البصرية

لم يكن تمثال “سعد” القاهري، منذ بدء التفكير في مشروع إقامته، بمعزلٍ عن تَجَليات “إعادة التخصيص”؛ وهو ما تجلى في ظروف تحديد الموقع الذي نصِبَ فيه؛ إذ “إن النية كانت متجهة عند إقامة تمثال المغفور له سعد زغلول باشا إلى إقامته في ميدان الملكة فريدة – “العتبة الخضراء سابقًا” لقربه من الأزهر منبت سعد، ولأنه ميدان شعبي يتفق وميول سعد، فضلًا عن أنه مقصد الغادين والرائحين من مختلف البلاد والأنحاء.

***

ولكن “أم المصريين” رأت يومئذٍ أن هذا الميدان يقع في القاهرة القديمة، ومصيرها إلى الاندثار عاجلًا أو آجلًا، فآثرت أن يقام تمثال زوجها في ميدان الجزيرة، حيث القاهرة الجديدة ذات المستقبل الزاهر البسام. وهكذا اختير ميدان الجزيرة لتمثال سعد، وخلا ميدان العتبة لتمثال مصطفى كامل” (35).

ويكشف السياق السابق عن عددٍ من الدلالات المهمة؛ منها ما يعكسه هذا الاختيار المكاني من سِجالٍ رمزيٍّ مضمَر، بين أنصار “الحزب الوطني” ذي التوجهات الشرقية، وبين أنصار “الوفد”، بتوجهاته المدنية العلمانية، التي كانت كفة ممثلي شرائح النخبة في صفوفه قد رَجَحَت على غيرهم من ممثلي الشرائح الشعبية.

فميدان “العتبة” الذي طالته تحولات النَّسَق الحَضَري القاهري، ليصير ذا صبغة شعبية، بعد أفول أيام ازدهاره الغابرة، بات نقيضًا لميدان “الجزيرة”، مدخل مجتمع “الزمالك” النخبوي، وبوابة ائتلاف الصفوة من أعلام المجتمع المصري؛ وهو ما حسَم انتصار الفريق الأقوى، والأكثر تَنَفُّذا، والأعلى صوتًا وقتها، للاستئثار بهذه البقعة المكانية، وما ستضفيه من شحنة رمزية على تمثال “سعد”.

***

ومن ذلك أيضًا أن مَن حسمت هذا السجال، كانت “صفية زغلول” نفسها، التي وإن كانت اشتهرت بـ(أم المصريين)، فإنها لم تنسَ انتماءَها لصفوة المجتمع المصري؛ فهي ابنة “مصطفى فهمي” التركي، رئيس وزراء مصر ثلاث مرات، والمعروف بصداقته للإنجليز. فكأنما عكس اختيار “صفية زغلول” للجزيرة، ورفضها لـ“العتبة”، رغبة لا شعورية في طَي صفحة (الشيخ سعد الفلاح الشعبي الأزهري)، وترسيخ صورة (سعد باشا، “الرئيس الجليل” المتربع على ذروة المجد).

وفي الوقت نفسِه، فقد أعربت من خلال اختيارها لمكان التمثال، بوضوحٍ تام، عن رأيها في التقسيم الطبقي المكاني لميادين القاهرة، وعن رؤيتها المستقبلية لكل قسمٍ منها. فهي ترى بذلك قاهرتَين؛ واحدة تراثية تقليدية -“مصيرها إلى الاندثار عاجلًا أو آجلًا”- وأخرى (جديدة) -“ذات المستقبل الزاهر البسام”- فكان أن اختارت لـ“سعد” مكانًا مركزيًّا في هذه (القاهرة الجديدة)؛ لترتبط رمزية تمثالُه برمزيات الحداثة، وبتوجهات جماعات المصالح، السياسية، والاقتصادية، والثقافية، المنتمية إلى هذا الفضاء الحداثي، والضاربة صفحًا عن نظيرِه الشعبي التراثي.

***

بَيدَ أنّ تَجَلّيات إعادة التخصيص لم تتوقف عند هذه الحدود، بل تعدتها إلى ما هو أشدّ منها؛ إلى درجة المطالبة بإجراء تغييرات على ما نُقِشَ على قواعد تمثالَي “سعد”، وهو ما أتى في سياق هجوم عنيف شَنّه الدكتور “زكي مبارك” (1892 – 1952) في مقالٍ نُشِرَ بعد خمس سنوات من إقامة التمثالَين. ولا يستقيم فهم مقال “زكي مبارك” دون الأخذ في الاعتبار موقفه السياسي من “سعد زغلول”؛ إذ كان في البداية من أنصاره، ثم تمرد عليه تمردًا عنيفًا، وهاجمه بضراوة في مقالاتٍ متعددة.

وقد ظلت آثار هذا التمرد تظهر لاحقًا، إلى ما بعد رحيل “سعد” بسنوات طوال؛ وهو ما يفسر اختلاط العديد من الأحكام السلبية والإيجابية، التي أوردها “زكي مبارك” (36). ويستنكر “مبارك” في مقاله عدم الأخذ برأي (الجمهور) في إقامة هذين التمثالَين، قبل أن يصُبّ معظم نقده على تصميم التمثال السكندري.

إلى أن يختم نقده صراحةً بقوله: “أعيدوا النظر فيما رسِم على جوانب هذا التمثال” (37)، في دعوة صريحة للتدخل بتعديل ما نحته “مختار”، وإعادة تخصيص نقوش القاعدة رمزيًّا بما يوافق رؤيته ككاتب ناقد، يتخذ موقفًا سياسيًّا واضحًا مضادًّا لـ“سعد”.

تمثال “إسماعيل” القاهري ومشروع إعادة تخصيص القاهرة (الفاروقيّة)

لم يقَدَّر لـ“إسماعيل” أن يقام له تمثالٌ في العاصمة التي أنشأ قلبَها الحداثي إلا خلال برهة خاطفة من أواخر العهد الملكي. وقد فرضت تحولات السياسة الدولية أن يقام له تمثالٌ من عمل النحات الإيطالي الشهير بيترو كانونيكا Pietro Canonica (1869 – 1959)، داخل نصْبٍ تذكاريٍّ فخمٍ في الثَغر السَكَندَري، قبل قرابة ثلاثة عشر عامًا من الشروع في إقامة نظيرٍ له بالقاهرة(38).

واتخذ هذا النصْب التذكاري السَكَندَري موقعَه في بؤرة الصراع السياسي الدولي طوال مدة تنفيذه، وهو ما تداخل مع مناوءات داخلية بين “الوفد” والسراي بغرض تعطيله (39)، إلى أن أزاح الملك “فاروق” الستار عن تمثال جَدِّه داخل هذا النصْب يوم 4 ديسمبر من عام 1938، بعد أربعة أشهر من رفعه الستار عن تمثال “سعد” في المدينة نفسها، وقبل تسعة أشهر فقط من اندلاع الحرب العالمية الثانية‏.‏

***

وقد قدِّرَ لمشروع تمثال “إسماعيل” القاهري أن يبدأ بعد عامٍ كاملٍ من رفع الستار عن تمثال “أحمد ماهر” (1888 – 1945)، رئيس الوزراء المصري، الذي كان قد اغتيل قبلها بثلاث سنوات؛ جرّاء رغبته في دخول مصر الحرب العالمية الثانية إلى جانب إنجلترا. وقد أعلِنَ حينئذٍ عن اكتتاب عام لاستكمال نفقات تشييد التمثال، شاركت فيه طوائف من الشعب تعاطُفًا. وبذلك قيّضَ لتمثال “أحمد ماهر” أن يكون الأخير في سلسلة الاكتتابات الشعبية التي شهدها تاريخ النحت الميداني الوطني المصري؛ بدءًا من تمثال “مصطفى كامل” مرورًا بـ“نهضة مصر”، وانتهاءً بتمثال “ماهر”.

وأزيح الستار عن تمثال “أحمد ماهر” يوم 31 نوفمبر 1948، قبل شهر واحد من اغتيال رفيق كفاحِه “محمود فهمي النقراشي”(1888 – 1948)، الذي سقط مِثلَه صريعَ رصاصات أحد شباب “النظام الخاص” لجماعة “الإخوان المسلمين”؛ بسبب إقدام “النقراشي” على حل الجماعة خلال توليه رئاسة الوزراء.

***

ولم يقَم تمثال لـ“النقراشي”، برغم تماثل نهايته الدراماتيكية مع نهاية “ماهر”؛ إذ كانت حادثة 9 فبراير 1946 (مذبحة كوبري عباس الثانية) قد سحبت كثيرًا من رصيد “النقراشي” في الوجدان الشعبي؛ فبدا خَصْمًا للشعب وثواره، وحليفًا للملك الذي تقوضت أسطورته في السنوات الأخيرة من عهده، فضلًا عن استعانته ببطش الإنجليز في قمع الطلاب الوطنيين، وتصريحه في مستَهَلّ وزارته الثانية أنه على خطى “صدقي”، وأنه سيستأنف المفاوضات مع بريطانيا، ناهيك عن فشله في عرض قضية مصر بمجلس الأمن عام 1947.

يضعنا السياق السابق طرحه بشأن عدم إقامة تمثال “للنقراشي” موضع إعادة التقييم لمشروع أكبر، كان يهدف لإقامة مجموعة من التماثيل الميدانية والنُّصْب التذكارية في القاهرة، وهو ما أتى ضمن مشروع (تطوير للقاهرة)، تم الترويج له على نطاق واسع عام 1950، مقترنًا بمناسبة مولد “فاروق” في فبراير.

وكانت النيّة أن يشمل ذلك المشروع تكريم ذكرى كلٍّ من:الخديو“إسماعيل”، و”الملك فؤاد”، و”محمد علي”. فكأن التماثيل بذلك أتت ضمن رغبة ملكية من “فاروق” بتدشين قاهرة جديدة، يحاول من خلالها طي صفحة أربع سنوات خبا خلالها نجمه شعبيًّا.

***

بدأت قصة تمثالَين من الثلاثة فعليًّا في نهاية عام 1949، حين أعلن القصر الملكي عن مسابقة فنية كبرى بين نحاتي مصر؛ للتنافُس على تقديم تصورات لثلاثة تماثيل ميدانية ضخمة، اثنين منها للملك “فؤاد”: أحدهما بالطَّيْلَسَان الجامعي ليقام في ميدان “جامعة فؤاد” (جامعة القاهرة حاليًًّا)، والثاني ليقام في ميدان عابدين، والثالث للخديوي “إسماعيل” ليقام في “ميدان الإسماعيلية” (التحرير حاليًًّا).

استحق النحات “مصطفى نجيب” الجائزة الأولى، في الفرع الخاص بتمثال الملك “فؤاد” لميدان “عابدين”. أما الفرعان الخاصان بتمثال “فؤاد” الجامعي وتمثال “إسماعيل”، فقد رأت اللجنة إعادة طرحهما في مسابقة جديدة، لأنها لم ترَ في مستويات المتقدمين للتنافس في هذين الفرعين ما يؤهل للفوز.

وبإعادة المسابقة، فاز النحات “مصطفى متولي” بالجائزة الأولى، في الفرع الخاص بتمثال الخديو “إسماعيل” (40). وتفصيل ذلك أن الملك “فاروق” كان قد تحمس لمشروعٍ للربط بين “ميدان التحرير”، الذي كان يعرف آنذاك باسم “ميدان الإسماعيلية”، و”ميدان عابدين” المشتمل على القصر الملكي، من خلال توسيع الشارع الذي يربط بينها، وإقامة تمثال لوالده الملك “فؤاد” في ميدان “عابدين”، وتمثال لجده الخديو “إسماعيل”، في ميدان “الإسماعيلية”.

***

وقد نسب بعض الكُتّاب إلى حكومة “مصطفى النحّاس” عرقلة توسعة الشارع الواصل بين ميدانَي “عابدين” و”الإسماعيلية”(41). أما الثابت فعليًّا، فهو أن المشروع قد لقي تشهيرًا عنيفًا من قِبَل “أحمد حسين” (1911 – 1982) مؤسس حزب “مصر الفتاة”؛ إذ تناوله بالهجوم في جريدته “الاشتراكية”، تحت عنوان: “فضيحة ميدان عابدين”، مشيرًا إلى قيام وزير الأشغال “عثمان محرم” بإصدار مراسيم نزع ملكية خمسمائة منزل بحي “عابدين” لتوسعة الميدان للتمثال المزمع إنشاؤه – أي لـ(إعادة تخصيص المنطقة لصالح التمثال) – وهو ما أدى إلى تدخل الملك بإلغاء نزع ملكية هذه المنازل تهدئةً للرأي العام(42).

وبعد هدوء العاصفة نصِبَ تمثال “فؤاد” في ميدان “عابدين”، وأحيط بالسواتر، انتظارًا للانتهاء من نَصْب تمثال الخديو “إسماعيل” على القاعدة المخصصة له في ميدان “الإسماعيلية”، وإقامة تمثال “فؤاد” الجامعي على القاعدة الموجودة أمام الجامعة. إلا أن قيام ثورة 23 يوليو 1952، أدى إلى إيقاف المشروع برُمَّتِه، ليُزال تمثال “فؤاد” من ميدان “عابدين” في منتصف عام 1953، ولتظل قاعدتا تمثال “إسماعيل” وتمثال “فؤاد” الجامعي خاليتين.

واتُّخِذت قاعدة تمثال “إسماعيل” لسنوات طويلة مكانًا لإضاءة “شعلة التحرير” التي كانت تصل من أسوان إلى القاهرة، في أعياد الثورة من كل عام. وظلت هذه القاعدة قرابة أربعين عامًا تمثل مَعلمًا من أشهر معالم القاهرة؛ قبل أن تزال في عام 1990.

***

وقد أدت كل هذه الظروف الشائكة والملتبسة، التي أحاطت بتمثال “إسماعيل” وقاعدته الجرانيتية، إلى زيادةٍ في ضبابية الرؤية التأريخية والتوثيقية المتعلقة بها، إلى درجةٍ وصلت أحيانًا ببعض كبار الكُتّاب والمثقفين، إلى الوقوع في أخطاء تاريخية(43)، لا تختلف كثيرًا عن مثيلاتِها التي طالما وقع فيها بعض غير المتخصصين من الباحثين والكُتّاب.

وظلت هذه الأخطاء تتواتر إلى عام 2019، حين تم اكتشاف التمثال ضمن مقتنيات “متحف الجزيرة”، في أثناء الإعداد لمعرض “ملامح عهد”، الذي نظمه “قطاع الفنون التشكيلية” التابع لوزارة الثقافة؛ حيث تأكّدت هوية التمثال بما لا يدع مجالًا لشك(44). (شكل11. 5).

شكل (11. 5): مصطفى متولي:ا لخديو إسماعيل، تمثال من البرونز 1951،مقتنيات متحف الجزيرة بالقاهرة.
شكل (11. 5): مصطفى متولي:ا لخديو إسماعيل، تمثال من البرونز 1951، مقتنيات متحف الجزيرة بالقاهرة.

وقد سبقَت إزالة تمثال “فؤاد” حملة صحفية، نادى فيها بعض الكتاب بإزالة التماثيل ذات الصلة بهذا العهد، وأجرِيَت استطلاعات للرأي، كان من أشهرها استطلاعٌ تَبَنَّته دار “الهلال” ونشِرَ آنذاك في مجلة “المصور”. ولم يقتصر هذا الاستطلاع على إيراد صور التماثيل ذات الصلة بالأسرة العَلَويّة فقط، بل ضم إليها صور تمثال “نهضة مصر”، و”سعد زغلول”، و”أحمد ماهر”؛ على اعتبار أنها جميعًا “تماثيل لا يتلاءم قيامها مع نهضة الشعب ووثبة الجيش” (45).

هوامش
  1. الجبرتي، ص52.
  2. جريدة المقطم، العدد 718، 15 /7 / 1891، ص3.
  3. ياسر منجي، 2023.
  4. أحمد شفيق، 2012، ص303.
  5. “المصور”، 5 ديسمبر 1924.
  6. آخر ساعة، 8 سبتمبر 1948.
  7. آخر ساعة، 9 أغسطس 1950.
  8. عبد الرحمن الرافعي، 1957، ص78.
  9. المصور، 1 مارس 1940.
  10. المصور، 9 سبتمبر 1938.
  11. إبراهيم عبد الله المسلمي، 1989، ص205، 206.
  12. المرجع السابق.
  13. مقال “لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة”، 1940.
  14. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79.
  15. صبري أبو المجد، 1987، ص152.
  16. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79، 80، 82
  17. علي فهمي كامل، 1908، ص122.
  18. المسئلة الشرقية، ص20، وص45.
  19. ياسر منجي، 2023.
  20. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص69، 72، 74.
  21. المصور، العدد 183، 13 أبريل، 1928، ص4.
  22. المصور، العدد 189، 25 مايو، 1928، ص9، 10.
  23. ياسر منجي، 2023
  24. المصور، 4 يونيو 1954.
  25. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص23.
  26. بدر الدين أبو غازي، 1 مايو 1967، ص84.
  27. المصور، 30 أبريل 1954.
  28. بدر الدين أبو غازي، 1 مايو 1967، ص86، 87.
  29. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص64.
  30. المرجع السابق، ص59 – 61.
  31. للتفاصيل، راجع: لطيفة محمد سالم، 2005، ص495، 496.
  32. المصور، 14 أكتوبر 1938.
  33. يونان لبيب رزق، 9 مارس 2006.
  34. “الفاروق فوق عرش الفراعنة”، ص15.
  35. “مصطفى كامل، كيف أفرج عن التمثال”، مرجع سابق.
  36. ياسر منجي، 21 أغسطس 2016، ص14.
  37. زكي مبارك، 14 يونيو 1943، ص469.
  38. راجع: ياسر منجي، 2019، ص59 – 65.
  39. راجع: د‏.‏ يونان لبيب رزق، العدد 43676.‏
  40. ياسر منجي، 2022.
  41. لمعي المطيعي، 2001.
  42. أحمد حسين، 2007، ص156، 157.
  43. راجع: جابر عصفور، 5/29/ 2011.
  44. يُنظَر: ياسر منجي، 2/9/ 2019.
  45. المصور، 4/10/ 1953.
اقرأ أيضا:

ياسر منجي يكتب: تماثيل القاهرة (1-3)

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.