وليد الخشاب متأملا تجربة فؤاد المهندس: الكوميديا مسألة جادة!

في كتاباته النقدية المتعددة، يتعامل الناقد والشاعر وليد الخشاب مع الكوميديا كونها من الأشكال الفنية المهمة لفهم المجتمع وآليات تطوره، وكذلك فهم التاريخ الاجتماعي المصري. من هنا كان اهتمامه بتأمل ونقد وتحليل تجربة الفنان فؤاد المهندس. وهي التجربة التي لم يفتر حماسه لها. هي نفس الحماسة التي رآه بها أول مرة في عمر الخامسة. حتى بعد مرور خمسين عاما مازال شعور “الخشاب” تجاه “فؤاد المهندس” كما هو.

يصف “الخشاب” فؤاد المهندس كأراجوز لكن أراجوز جاد، ارستقراطي، أما كناقد فهو يرى أعمال المهندس مليئة بالمفارقات والإشارات لقضايا بها عمق ورهافة. يمكن من خلالها النظر على التاريخ الاجتماعي المصري.

وكشاعر يراه تجسيد لفكرة القصيدة الكوميدية، فيقول: “هو الشاعر الحقيقي لأنه قادر بجسمه وخفة دمه أن يكتب قصائد كوميدية، قصائد تغير العالم باستخدام الكوميديا وحدها”.

العروبة الكوميدية

في محاضرة ألقاها وليد الخشاب على هامش “سينما الأحد” في مكتبة الإسكندرية، شرح فيها رؤيته عن فيلم “فيفا زلاطا”، يقول: “فيفا زلاطا إشارة للتحرر الوطني، في بداية الفيلم يظهر الصراع بين الولايات المتحدة والمكسيك، ويظهر “زلاطا” كرمز بطل التحرير القومي في هذه البقعة من الأرض”.

ويتابع: الفيلم يقدم فكرة متناقضة، يظهر ذلك في كل الخيارات والتصرفات التي يقوم بها البطل غير الخاضعة للقانون، ورغم ذلك، نحبه. لأن المهم بالنسبة للتفكير الشعبي أن هذا البطل “طيب”. لذلك نؤيد ما نراه يفعله، حتى لو كان بطريقة غير قانونية.

ويستطرد الخشاب: فؤاد المهندس مؤسسة كاملة، لافتة ينضوي تحتها كافة صناع العمل الفني. في الغالب لا نقول فيلم “فيفا زلاطا” من إخراج “حسن حافظ ” إنما نقول فيلم لفؤاد المهندس. لأن كوميديا “المهندس” تخاطب المفهوم الشعبي آنذاك عن الهزار. أو بالأحرى طبقة الفلاحين الذين أتوا للمدينة وأصبحوا من الطبقة الوسطى بعد أن عملوا كموظفين لأول مرة. ببدنه استطاع فؤاد المهندس أن يحاكي الكوميديا في الأرياف.

فالكوميديا مسألة جادة، وأفلام فؤاد المهندس دليل على ذلك. رغم أنه بها هزار لكن أيضا بها قضايا جادة وبها رهافة يمكن أن نفكر فيها ونتأملها انطلاقا من هذا الهزار.

فؤاد المهندس في كواليس تصوير أحد أفلامه في إفريقيا
فؤاد المهندس في كواليس تصوير أحد أفلامه في إفريقيا
مطاردة المفارقات

يقول الخشاب: “انطلاقا من مصادفة أن ميلاد ووفاة فؤاد المهندس وقعتا في سبتمبر وأن هذه البنية الدائرية العود على بدء -بمعنى ما – تشبه البنية السردية أو الحبكة المسرحية لكثير من أفلام ومسرحيات فؤاد المهندس. وكأن هناك توازيا من حيث البنية بين حياته وأعماله”.

كما أن كثير من أعمال فؤاد المهندس تنتهي بالعودة إلى نقطة البداية، بمعنى ما: “سيدتي الجميلة- أنا فين وأنتى فين؟ – حواء الساعة 12″، على سبيل المثال كلها أعمال بها نفس البنية الدائرية، لا بمعنى أنها تنتهي بالعودة للحظة البداية بالضبط، لكنها تنتهي بالعودة للحظة سابقة في بدايات الحكاية، مثلما تردد شويكار في نهاية مسرحية “سيدتي الجميلة” عبارات كانت تتعلمها في بداية الدروس التي تلقتها على يد فؤاد المهندس”.

وتابع: مصادفة أخرى أيضا جمال عبدالناصر مات في سبتمبر. ميلاد فؤاد المهندس الفني تواكب مع ثورة يوليو، التوازي بين فؤاد المهندس وعبدالناصر مستمر حتى ولو بعد عقود.

يرى “الخشاب” أن فؤاد المهندس يرمز لحركة الدولة الحديثة في قطاع الإنتاج الثقافي الكوميدي فيقول: “في رأيي لو أن جمال عبدالناصر يمثل العروبة السياسية، وأم كلثوم العروبة الغنائية، فؤاد المهندس يمثل العروبة الكوميدية. وأقول عروبة لأن التلفزيون وقتها كان اسمه الرسمي التلفزيون العربي”.

الاقتباس والحفاظ على الهوية

اللحظة التي يبنى فيها المجتمع التحرر الوطني والثقافي، هي اللحظة التي يلجأ فيها الفن للاقتباس من الغرب، لكنه يحاول ألا يقع تحت سيطرة أفكاره. حينما اقتبس “فؤاد المهندس” من الغرب كان ذلك في سنة 56 في مسرحية “أنا وهو وهي” أي بعد حوالي 6 سنوات من التحرر الوطني.

وفي فيلم “فيفا زلاطا” التي تبنى فيها “المهندس” تيمة أفلام “الكاوبوي” بعد أن انتهت موضتها في الغرب. ورغم ذلك حافظ على التوازن بين الاستقلال الثقافي، والاقتباس من أعمال أجنبية.

يقول الخشاب: حافظ فؤاد المهندس على خطاب العزة الوطنية في مثل هذه الأفلام. في “فيفا زلاطا” طرح نموذج عن الزعيم، الذي يحب بلده لكن لا يقع في فخ امتلاكها. في الغالب نقارن هذا بتجربة جمال عبدالناصر لكنني أتذكر جيفارا. جيفارا لم يكن كوبيا لكنه ساهم في تحريرها.

نفس الأمر مع “متولي زلاطا” الذي ترك توكسيكو لتعود للتوكسكين ويعود هو مرة أخرى لبلده مصر.

بين تهميش وتعزيز السلطة للكوميديا

حينما يتحدث فؤاد المهندس عن جمال عبدالناصر يقول: “قابلته في مواقف طريفة”. وحينما يتحدث عن السادات يقول: “السادات كان صديقي بحبه أوي وبيحبني أوي”.

بالرغم من ذلك منع المسلسل الإذاعي “سها هانم رقصت على السلالم” في السبعينات. بعد أن كان يتمتع فؤاد المهندس بدعم المؤسسات الثقافية والإعلام للدولة. كان أحد أشكال هذا الدعم هو أن يقدم فؤاد المهندس مسلسل إذاعي في رمضان مع “شويكار”، وكان هذا معلم هام في رمضان.

يقول عنه الخشاب: “أتذكر في طفولتي في نهاية الستينات، في كل رمضان أنا وأسرتي نسمع فؤاد المهندس وشويكار عبر الإذاعة. لكن ذلك توقف في نهاية السبعينات، وفي رأيي هذه علامة على تغير الدعم شبه الرسمي من مؤسسات الدولة لفؤاد المهندس”.

ويتابع: نحن لا نعرف الشكل الذي كان يتخذه الدعم المؤسسي، لكن الذي نعرفه هو أن أعمال “فؤاد المهندس” كانت تدعم ثيمات مهمة في الخطاب الرسمي مثل أفلام “مستر أكس أخطر رجل في العالم”. نسخة مبتذلة “لجيمس بوند” كان مستر أكس يسخر منها في لحظة شكوك حول الهيمنة الأمريكية، حتى أن أفلام جيمس بوند منعت في مصر سنة 67.

واستطرد: لكن في لحظة ما، اختلف شكل الدعم المؤسسي لفؤاد المهندس. بالطبع ظل محبوب ومهم. هذه اللحظة في رأيي فؤاد أصبح قديم، وأصبح السوق يحتاج نجم جديد أكثر شبابا. والمهتمين بدعم النجوم لخطابات رسمية على ما يبدو لي كانوا مهتمين بوجود نجم آخر يلعب هذا الدور. وبالفعل بنهاية السبعينات بدأ عادل إمام هو من يلعب هذا الدور وأصبح عمله يدعم هذه الخطابات الرسمية.

العلاقة بين الفنان والسلطة

يرى الخشاب أنه بجانب مسألة علاقة الفنان الكوميدي بالسلطة -في رأيه- لا تحدث عبر اتصال مسؤول معين في الدولة بفنان ليخبره بما عليه فعله، لا يوجد دليل على هذا لكن هذا ليس مهم معرفته، لكن المهم أن نرى العلاقة بالتوازي بالتعارض أو التآزر بين الخطاب الرسمي وبين خطاب موجود في أعمال فنية.

مثلا في فيلم العتبة جزاز هل مثلا هناك مسؤول كلم فؤاد المهندس أن عليه في آخر الفيلم تقديم دعم للمقاومة الشعبية بعد حرب 67!

لا نعرف، لكن المهم أن فؤاد المهندس عمل فيلم في آخره دعوة الناس للمشاركة في المقاومة الشعبية بشكل أو بآخر. مرة أخرى لا يهم كيف حدث هذا، المهم أننا كنا في ظرف تاريخي كل واحد يحاول تقديم مساعدة بالطريقة الذي يستطيع فعلها.

يؤكد الخشاب أن هناك جانب لا واعي في أعمال فؤاد المهندس يدعم خطابات سائدة في المجتمع، لكن أحيانا يقدم بشكل لاواعي نقدا للخطابات أو المؤسسات.. ويوضح: في فيلم العتبة جزاز في رأيي أنه يقدم نقد للبطل الأمريكي المتفوق وفي نفس الوقت تحية لهذا البطل الأمريكي المتفوق لا أظن أن هذا مقصود بل عكس ما ينويه، لأنه ينتقد “جيمس بوند” مثلا لكنه يجعلنا نحب “مستر أكس” ونتعلق به، لكن بشكل عام هذا ما اسمه لاوعي الفيلم.

عبث ما بعد الهزيمة

في بداية الستينات تم استيراد مسرح العبث في مصر وأماكن كثيرة حول العالم. لكن بعد هزيمة 67 كان هناك احتفاء بتقنيات العبث. مثل استخدام أسلوب يظهر مفارقات لفظية أو استخدام أسلوب فانتازي غير معتمد على المنطق الواقعي، إنما يعتمد على منطق عبثي. هذا ظهر عند نجيب محفوظ مثلا في “تحت المظلة” وظهر في مسرحيات لميخائيل رومان وعلي سالم.

يقول الخشاب: ملامح العبث عند أعمال فؤاد المهندس بعد 67، كانت جزءا من جو عام في الإنتاج الثقافي الجاد والخفيف في نفس الوقت. لكن عند فؤاد المهندس كانت مجرد حيل لفظية أكثر من كونها انغماس حقيقي في الفكرة لمسايرة الموضة.

ويتابع: يتجلى ذلك في بعض المشاهد من فيلم مطاردة غرامية، هناك مشهد للطبيب النفسي الذي قام بدوره عبدالمنعم مدبولي يخبر مريضه أن يقنع نفسه أنه طويل وليس قصير القامة. هذا يمثل فكرة العبث لأننا نراه قصير لكن طبيبه يخبره بالعكس. هذه المفارقة العبثية أقرب للنكتة واستخدام وصفة رائجة وقتها.

هروب مؤقت

تبني العبث في مصر كان وسيلة للهروب من الرقابة. مثلا في مسرحية المخططين لـ”يوسف إدريس” تظهر كوسيلة لانتقاد النظم الشمولية وربما كان يقصد انتقاد النظام السياسي ذو الحزب الواحد في مصر وقتها. الرقابة كانت متسامحة مع مسرحية المخططين لأنها قدمت في قالب العبث، بالفعل كانت منعت في لحظة ما لأن الرقيب كان له وعي بالإسقاط السياسي.

في رأي وليد الخشاب، العبث في مصر لم يكن جزءا أصيلا في الإنتاج الثقافي لكنه كان موضة وكان وسيلة للهروب من الرقابة.

فيقول: “لو اعتبرنا بعض قصائد أحمد فؤاد نجم قصائد عبثية، فأنا أرى أنه تعبير فني له جذور حقيقية في الثقافة المصرية ينتقد ظروف معينة في الستينيات والسبعينيات باستخدام آليات العبث لكن “فؤاد المهندس” يستخدم تقنيات العبث أرى أنه يستخدم وصفة مجربة ورائجة”.

وتابع: هل المجتمع المصري والعربي بدأ في تأمل فكرة العبث بعد هزيمة 67؟، نجد صدى هذه اللحظة في المجموعة القصصية “تحت المظلة” لنجيب محفوظ، لكن لم يتم التعبير عنه بشكل متواصل ومتأصل. لأن العبث وجد في ظروف معينة في العالم الغربي، الخارج من الحرب العالمية الثانية، ولم يكن له نفس الظروف في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي لا يوجد ما يسمح للغرق في فكرة العبث.

اقرأ أيضا

الفنان علاء عبدالحميد: «ليتني أستطيع تحمل هذا الجمال البشع»!

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى