هنري لورنس في الإسكندرية: المؤرخ قصاص أثر

اختتم المؤرخ الفرنسي هنري لورنس سلسلة جولاته بمصر أول أمس، بمحاضرة بالمركز الثقافي الفرنسي بالإسكندرية، تناول فيها تفاصيل أحدث كتبه «التاريخ المفروض/ Le passé imposé» الصادر عن دار «فايار».

ماهية التاريخ

بدأ لورنس محاضرته بالتأكيد أن آخر زيارة له إلى الإسكندرية كانت منذ 40 عاما. ما جعل تحولات المدينة ماثلة أمامه. وهو الأمر الذي يطرح سؤالا عن ماهية التاريخ. يوضح: بدأت في تكوين نظرة تاريخية عن الإسكندرية، وهذا يجعلني أفكر في ماهية التاريخ. الذي يعرف في فرنسا أما نظرة شمولية للماضي أو معرفتنا حول الماضي، والتعريف الثاني يختلف عن الأول لأنه لو كنا نملك كل المعرفة عن الماضي لما بذلنا كل هذا الوقت في دراسة الماضي، لأن الماضي لم يعطنا سوى بصمات وآثار والمؤرخ هو من يعمل حول هذه البصمات مثل الطبيب الذي يعمل حول الأعراض.

ويستطرد لورنس: المؤرخ يحاول أن يفهم ما حدث من خلال هذه الآثار عبر الاستعانة ببعض المعارف والأدوات مثل دراسة اللغة والعملات. ويذهب بعض المؤرخين لدراسة الأحياء والجينات/ DNA. لكني لا اتفق معهم فيما يذهبون إليه من خلال “الوراثة”.

يرى “لورنس” أن طرق المؤرخين تتنوع من أجل التأكد حول حدث معين، وأن الطرق تتسع مع التطور ذلك أنه منذ أن بدأ التصوير من الطائرات في القرن العشرين بدأ المنظور للأرض والتاريخ نفسه يختلف.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
طرح الأسئلة على الزمن

يجادل “لورنس” أن كل تاريخ هو تاريخ معاصر، لأن المؤرخين يطرحون تفاسير عن مصادر تم التأكد منها، وهذا ما يجعلنا نقول إننا لسنا في عصر مظلم لأننا نعرف ما حدث، لكن المؤرخ يطرح أسئلة على الزمن الذي يؤرخه من خلال الزمن الذي عاصره.

يوضح: يختلف المؤرخ عن الروائي لأن المؤرخ ينتج عمل حقيقي وليس حكاية. ذلك أنه يملك أدوات من عصره تتمثل في الأسئلة التي يطرحها على زمن آخر وهو ما يجعلنا نملك تصورات عن بطل الحكاية أكثر دقة مما كان يمتلكها البطل نفسه حينها.

إيقاع الفترات الزمنية

الأسئلة التي يطرحها المؤرخ هي ما تقسم الزمن لفترات والتاريخ يتمحور حول هذا الزمن. يرى “لورنس” أن الأشياء عندما تؤرخ لا ترتبط بإيقاع واحد، فالفن لا يرتبط بإيقاع السياسة والحرب أو بإيقاع الثورة الصناعية إنما لكل شيء إيقاعه المتفرد.

فيقول: لو أننا أخذنا حدث من القرن الـ20 في أوروبا لنؤرخه من منظور الفن سنبدأ بالمدرسة الرومانتيكية، وسيحدث ذلك بإيقاع معين. إنما لو تحدثنا من منظور سياسي سنبدأ من الحرب العالمية الأولى وسيكون الإيقاع مختلفا تماما.

جانب من الندوة
جانب من الندوة

ويستطرد: الفترة بحد ذاتها تشكل مشكلة لأن الإيقاعات غير مرتبطة ببعضها، وهذا ما يجعلنا نطرح أسئلة حول كل فترة بشكل دقيق. وأتذكر حديثي مع “سمير قصير” حول عزل الفترات المتتالية، لكي نفهم الفكرة التي يطرحها الغرب عن الحرب مثل الحرب اللبنانية وكيف يتم استقبالها في الشرق.

لن ننتهي من التفسير

يرى “هنري لورنس” أن الحدث التاريخي أيا ما كان لا يمكن أن ننتهي من تفسيره من زوايا متباينة. ويضرب مثالا بالحرب العالمية الأولى.

فيقول: أول جيل درس تاريخ الحرب العالمية كانوا ممن عاصروها وشاركوا فيها، فكانت دراستهم للجوانب الدبلوماسية لكن أبنائهم يدرسون الحراك الاقتصادي والسياسي أثناء الحرب وتأثرها بها. ثم جاء جيل ثالث اهتم بطرح سؤال: كيف لضباط الحرب أن يتحملوا عذابات وحشية كهذه؟ ثم جاءت وجهة نظر أخرى تطرح سؤال: هل كان الضباط ضحايا فعلا؟

يستطرد لورنس: لم يكن سؤال كهذا يطرح في الماضي، سؤال يتعلق بالضحايا الحقيقية للحرب. لذلك أقول إن التفسيرات التاريخية التي تظهر من خلال الأسئلة تتراكم ولا تلغي بعضها. وبمعنى آخر لا يمكننا أن نعرف عن الماضي سوى بالأسئلة لتظهر جانب آخر من التاريخ. لذلك أقول أنه لا معان أو تفاسير نهائية للماضي وعليه، لا يمكن التنبؤ بالمستقبل.

عودة البطل

حينما تغيرت ثقافة الحرب في أوروبا وبدأت تتجه للسلام تحول شكل البطل. يقول هنري لورنس: إن البطل في الماضي كان ممسكا بسيفه لكن بعد تغير فكرة أوروبا عن السلام أخذت فكرة البطل في التراجع وبدأت الضحية تأخذ مكانه. وهو شيء معقد في تحليله، لو بحثنا عن صور الحرب قديما سنجد أن الفريسة تصور جثث العدو كنوع من الانتصار.

يستطرد لورنس فيقول: بدأت فكرة أن تكون الضحية هي البطل مع الحرب في فيتنام. الآن عادت صورة البطل القديمة مع الحرب في أوكرانيا. هذه الصورة التي اختفت من سنة 75. أتذكر أن جدي الذي شارك في الحرب العالمية لم يهتم بالضحايا لأنه كان ضابطا. الآن أصبحت صور الأطفال في فلسطين بعد أي اعتداء هي بطلة المشهد.

الاستعمار وما بعده

بفضل مساهمات التاريخ، يتساءل “هنري لورنس” عن علاقتنا بالتاريخ المعاش، الذي يعد مصدر دائم للجدل في مواجهة نقاشات وتحديات الحاضر حول حركات ما بعد الاستعمار.

يقول لورنس: في القرن الـ18 كان هناك ثبات، كل شخص- في الغرب أو الشرق- ينظر للآخر من بعيد لكن في 1750 تحديدا بدأت هذه النظرة في التغيير ويظهر ذلك في المسرحيات التي بدأت في السخرية من ثقافات أخرى سواء في الغرب أو الشرق، وبدأ الغرب يرى أنه يتقدم وبدأ الشرق يرى أنه يتأخر ويحاول اللحاق بالغرب. لكن مع القرن الـ20 بدأت الأمور في التناسق وحينما بدأنا نمسك نفس الأجهزة المحمولة ونشاهد نفس الأفلام من ثقافات مختلفة بدأنا في التماهي سويا. بالتالي الفكرة العالمية تطرح نفسها على هيئة سؤال: هل العالمية فكرة غربية؟ ما أعرفه أن الأوروبيين استفادوا من الاحتكاك بالشرقيين والعكس وبأشكال مختلفة على حسب التجربة.

يستطرد لورنس: هذا التناسق كان له بوادر حيث نرى في لوحة باسكال كوست التي توضح محتويات بيت الشيخ الجبرتي من الداخل فيظهر فيه لوحات وأثاث أوروبي. ما أود قوله بمعنى آخر أن الثقافة المادية تنمو وتنتقل بدون مقاومة على كل الجوانب ويتم استهلاكها بنفس الطريقة.

وكشف لورنس في الندوة التي أدارها د. توفيق أكليمندوس، أنه أراد أن يكون غلاف كتابه الجديد أول صورة للراديو الفرنسي الذي توجه للعالم. لكن المصمم لم يجد الصورة بجودة تصلح لتكون غلافا للكتاب. فاختار خريطة تتحدث عن الاستعمار الفرنسي. لقد أراد لورنس أستاذ التاريخ المعاصر للعالم العربي في جامعة “كوليج دو فرانس” بباريس بهذا الاختيار أن يرمز كما يقول لما أراد التعبير عنه في كتابه: «ما بعد الاستعمار والعنف المعاصر، ومدى تطور الاستشراق والاستغراب بشكل مواز».

اقرأ أيضا

وليد الخشاب متأملا تجربة فؤاد المهندس: الكوميديا مسألة جادة!

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى