هاني رسلان: العزاء في سرادق النيل

هناك أشخاص يرحلون، ولا أشعر بالرغبة في الذهاب إلى ذويهم في المنادر أو السرادقات، من أجل تقديم العزاء، هناك أشخاص يرحلون، فأشعر بالرغبة في النظر إلى النيل

النيل سرادق كبير، خيمة شفافة ولها عُمّارها، وهو جاهز دائما لاستقبال الأفراح دون شرط أو قيد، وجاهز لاستقبال واجب العزاء، لكن بشرط وحيد، هو الرابط الروحي العميق الذي يجمعه بالراحل.

كلنا مرتبطون روحيا بالنيل بوعي أو بدون وعي، لكن بعض الأشخاص تنفرط حياتهم مثل العقد في كل الجهات، إن سحبنا منها انشغالهم بالنيل، أو عشقهم الصوفي لمشهده العظيم.

هاني رسلان واحد من الذين ربطوا حياتهم بالنيل، وفي العقود التي انشغل فيها الجميع بالنظر بعيدا عن أفريقيا، كان يسبح  ضد التيار، لم يكن يبحث عن شهرة أو تجارة، كان مستقبله يتجه نحو الهامش في ظل الهرولة الحمقاء بعيدا عن أفريقيا طوال العقود الماضية، لكنه ظل يسبح في صمت، ودون ملل من تعب الكتفين.

لم ينتبه معظمنا إليه، إلا عندما  صرخ النيلُ من الحَرْبة التي راحت تغرزها أثيوبيا في ظهره، وفي ظل الأجواء المريبة التي تتعلق بالملف، وفي ظل خوفنا الأسطوري من المساس بالنيل، والشعور بالعيش في ظل سوق عالمي لا يرحم، كنا نبحث عن الضوء هنا وهناك، وكثيرا ما كنا نجده عند هاني رسلان.

خبير من الأهل

لم يكن هاني رسلان مجرد باحث مجتهد وغارق في موضوعه، و رغم الواقعية التي يتميز بها، إلا أنه يبدو منفصلا عن الواقع فيما يتعلق بالشأن الأفريقي عامة، والسوداني خاصة، يتعامل معه كما يتعامل مع الشأن المصري بشكل حرفي، وكأنه لم يسمع بانفصال مصر عن السودان، أو كأن انفصال مصر عن السودان حدثٌ عابر، أو مجرد لعبة سياسية خارجية مؤقتة  فرضتها الظروف، وسوف تنتهي.

ميزة هاني رسلان  كانت في حساسيته، فلم يكن يتعامل مع موضوع خارجي، وكان يتحرك انطلاقا من منطقة المشاعر، وكان أهم ما يشغله هو إحساس أثيوبيا بملكيتها للنهر، وقد رأى أساس العدوان في الإحساس، وهكذا كان يتعامل مع الخطاب الأثيوبي بحساسية شديدة، وهذا ما كان يمنحنا الطمأنينة ونحن نتابعه، أي أننا لم نكن نتابع خبيرا بقدر ما كنا نتابع واحدا من أهلنا.

الميزة الأخرى التي تمتع بها رسلان هي قدرته على ضبط مشاعره، والتصرف بعقلانية شديدة، والوقوف بهدوء على مظاهر التدليس في الخطاب الأثيوبي، وكشف علامات التعنت، وأشكال اللعب بالمفاوضات، و حيَل فرض سياسة الأمر الواقع، وفنون إخفاء اللامبالاة بالمخاطر التي تهدد الشعب المصري والسوداني على وجه الخصوص.

لا يعرف المسافات

عاش رسلان بحكم عمله في القاهرة، و لم يكن منفصلا عن بلدته دندره، بل كان مشاركا بفاعلية كبيرة في همومها وأفراحها، وكانت “الأسرة الدندراوية” التي ينتمي إليها، كيانا كبيرا، يعمل على  خلق روابط  روحية عميقة بين المصري والسوداني والأفريقي بشكل عام، وكان ذلك يبدو جليا في احتفالاتها الدورية الكبيرة، ونشاطاتها التي تتجاوز الحدود الجغرافية.

لا شك أن جذوره الصعيدية ساهمت في رفع إحساسه بالمشكلة، وجعلت تعلقه بالشأن الإفريقي عميقا كتعلق الرجل بأهله، وقويا دون ادعاءات ومظهرية جوفاء، وما زال الجنوبي ينظر إلى القاهرة ، (أو إلى مصر كما يقول) نفس النظرة التي نجدها عند السوداني تقريبا وهو ينظر إلى مصر.

الجنوبي يعرف أن القلب لا يعرف المسافات، فقد يكون القلب في طيبة، وقد يكون في القاهرة، وقد يكون في السودان، وهكذا كان ينظر إلى منابع النيل باعتبارها القلب، وإلى أفريقيا باعتبارها المركز الحقيقي.

اقرأ أيضا:

طريق الكباش: تحنيط الخيال والدعاية الخفية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى