دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«هامنت» لـ«كلوي چاو»: ثنائية الحياة والموت في فيلم يعيد تعريف شكسبير

عن رواية تحمل ذات الاسم، تتعاون المخرجة الصينية كلوي چاو مع مؤلفة الرواية ماجي أوفاريل في كتابة سيناريو فيلمها الثالث. «هامنت»، كما يعرض على الشاشة قبل ابتداء الفيلم، هو نفس اسم «هاملت» في ستراتفورد القرن السادس عشر. هذه الثنائية تصحب الشكل كما تلازم المضمون في الفيلم. البناء ومعالجته بصريا قائم على التبادلية. متضادات متساوية تتحرك في زمن متمهل، ينشأ في تقابلاتها تطور خافت تحمله قيمة الوقت المستغرق والهيكلية اللغوية لبناء المشاهد واللقطات. لتعيد صياغة ما نعرفه عن شكسبير ومسرحيته من منظور جديد.

***

تفتتح المخرجة فيلمها على شجرتين عاليتين وسط الغابة. نراهما من زاوية منخفضة. تهبط متابعة جذعيهما حتى نرى وحدة قاعدتهما وجذورها المتشعبة في الأرض الداكنة. في بقعة منخفضة أسفل القاعدة ترقد “أنييس” في وضعية الجنين وتحاوطها أفرع الجذور. اللقطة الأولى لا تلعب دور التقديم فقط. يمكننا رؤية الفيلم كله بها. ثنائية الطبيعة، دائرة الحياة، الأم، الأرض.

“أنييس” التي أورثتها أمها علاقتها مع الطبيعة تربي صقر وتقضي وقت بين الأشجار والنباتات التي تعالجها وتستخدمها في الطبخ والدواء. نشاهدها في وقت لاحق وهي تنقل خبراتها إلى أطفالها. تقابل من يثير فضولها ويحبها. ومعا يفرضا زواجهما على عائلتيهما. أم الزوج وأبيه الذي تربطه بابنه علاقة مؤذية استغلالية، من جانب، وزوجة الأب التي يغيب الود والاهتمام بينها وبين “أنييس”.

***

زوجها “وليام شكسبير” يغيب معظم الوقت عن قريتهما ومنزلهما الصغير. ولا يذكر أسمه لنا كمشاهدين إلا في الثلث الأخير من الفيلم. شجعته “أنييس” عندما شهدت اضطرابه المشروط بالمكان وما يحمله من إساءة ومحدودية له. يعيش بين قريته وبين لندن. يحضر مولد ابنته الكبرى. مشهد الولادة مهيب. تقوم به الزوجة وسط الطبيعة قرب الشجرة العملاقة. تتمخض الغابة لها وتحرك الرياح أوراقها وتأن أجسامها في الاستعداد لصراخ الأم. يصل مع أخيها وتنتقل الرضيعة من حضن الأم لحضن الأب.

في المرة الثانية لا تسمح لها أم الزوج بمغادرة المنزل. تحاول “أنييس” أن تقاوم. لا تقدر على الخروج إلى الطبيعة كتجربتها الأولى، لكن الطبيعة تستجب لها. الطقس العنيف والسيول التي أخافت حماتها عرفت طريقها لباب الغرفة. تسربت المياه للداخل كمياه الولادة. نترقب الألم والتكاتف من الحاضرين. يصل المولود الذكر الأول. تكتشف أنها لم تنتهي. تعاد العملية مرة ُثانية حتى تصل الابنة الثانية. ساكنة لا تبكي. ترى المولدة أنها ماتت، لكن الحياة تظهر عليها تدريجيا وهي بين ذراعي أمها.

***

المشهدان السابقان طويلان، نشتبك مع زمن كل منهما ونتوحد مع مناخه. يمثل كل منهما قالب معتبر من بناء الفيلم. هذا الاستثمار في اللحظات الحرجة يعوض عن المشاهد المسببة التي تمهد وتؤدي إلى أحداث مرحلية. لقد أدركنا حجم المعاناة وقيمة النجاة. استثنائية العلاقة وعموميتها في الوقت ذاته. نرى تجلى الحياة الشائع في صورة الولادة من عين خاصة بصاحبته. هكذا يصير الفيلم. يراقب الاعتيادي ويعيد طرحه ببصمة صانعه من خلال فرادة شخصياته.

المنظور لا يصاحب البطل الشاعر ولا يعرض العالم من عينه. اللقطات لا تصور وجهة نظره بل تحيده وتساوي بينه وبين شخصيات باتت لعهود في الخلفية. بل وتنتصر لهم عندما توفر لهم مساحة أوسع من مساحته أغلب الوقت.

***

نعود إلى الثنائية. يكبر التوأم ويستهويهما دائما لعبة تبادل الشخصيات. إلى أن يتذكر العائلة الجانب الآخر من الطبيعة. المرض يصيب الابنة الصغرى. نقضي معها يوم عصيب استنزف الأم. قالب مغاير يقابل قالب الحياة. تتبادل الأدوار ويمرض الابن “هامنت” ويرحل متألما بين ذراعي أمه ظنا منه أنه قد فدا أخته وخدع الموت.

يتبع الفقد مرحلة تنافر. تذبل الأم وتتلاشى صلتها ببيئتها. تغضب وتعجز أمام القدر وغياب زوجها عن ابنهما المحتضر وعنها عندما قرر أن يغادر بعد وفاة الابن. هنا نراه وهو شكسبير. يشرف على تحضيرات مسرحيته الجديدة. نراقب وجهه في مقدمة اللقطة، يذهب ويجيء، وهو يقيم إلقاء الممثل في الخلفية وهو يتنكر من أوفيليا ويرفضها. كأنه ما يدور في ذهنه ويعيد إنتاجه. يصير المشهد الأول من الفصل الثالث ذو دلالة جديدة لنا.

***

وعندما يتم تداول منشور إعلان المسرحية في المدينة، والذي نرى به اسم “هاملت” و”شكسبير” للمرة الأولى، تصل نسخة لـ”أنييس” وتذهب بصحبة أخيها إلى عرض الافتتاح. في البداية لا تستوعب الأم تداول اسم ابنها الفقيد. تتمهل بعد غضب عندما ترى الممثل المؤدي لدور هاملت والتشابه بينه وبين ابنها. تتعرف على زوجها عندما يظهر في هيئة شبح الملك الأب. وتدرك أنه لسان ابنها عندما يخاطب الأب هاملت. عرفت روح ابنها طريقها في دور الشبح، وتبدلت أدوار الابن والأب، هامنت ووليام.

مرة ثانية تصير المسرحية ذات دلالة جديدة، والمشاهد والحوار انعكاس لمألوف شاهدناه في حكاية أنييس ووليام. حينها نجح التواصل بين الزوجين واستوعبت أنييس حزن زوجها واستقرأت تعبيره عن خسارته.

ننتهي إلى تصالح الأمل والخسارة. الألم والفرح. إنها ليست قصة شكسبير. هي قصة الحياة وتقلباتها. التجارب تشكلنا. نستقبل الأثر ثم نعيد إنتاجه. عادة ما يتم ذلك بشكل لا واعي. حتى وإن كان موضوعنا يشمل كاتب فذ. هو ليس بالضرورة متحكم بالكامل في معالجة تجربته داخل فنه. غالبا ما يتسلم اللاشعور دفة الأمور وتنسب القيمة إلى الصدق والجهد.

اقرأ أيضا:

طارق علي يروي قصة حياة رئيس وزراء بريطانيا: تشرشل وفلسطين واليهود

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.