حكاويمتابعات وتغطيات

«نقطة التحول»..الوثائقي الأفضل عن الحادي عشر من سبتمبر

تحل خلال أيام الذكرى العشرون لـ الحادي عشر من سبتمبر 2001، الذي قامت فيه عناصر إرهاب “القاعدة” باختطاف عدد من الطائرات وتفجيرها في برجي التجارة العالمية ووزارة الدفاع الأمريكية، وسقوط طائرة أخرى قبل أن تصل إلى هدفها.

في هذا اليوم المشئوم، الذي فزع فيه من فزع، وفرح فيه من فرح، وكانت عواقبه وخيمة على الجميع، باستثناء تجار الحروب والموت، ومصممي تكنولوجيا التجسس والمراقبة..في هذا اليوم تغير العالم تماما، للأسوأ غالبا، وكالعادة لم يكسب الارهابيون شيئا، بل تم تدميرهم، غير أنهم كالعادة تسببوا في أذية بقية خلق الله، بأشكال وألوان مختلفة.

نقطة التحول

في الذكرى العشرين لهذا اليوم الفاصل تعرض برامج وأفلام كثيرة، قديمة وجديدة، من أفضلها مسلسل وثائقي جديد بعنوان “نقطة التحول: 11/ 9 والحرب على الارهاب” من انتاج منصة “نتفليكس” وإخراج برايان كنابينبيرجر.

في خمس حلقات مدة كل منها ساعة يحقق المسلسل أكثر من هدف: الأول هو تقديم ملخص دقيق وشامل ومشوق لأحداث 11 سبتمبر وما قبلها وما بعدها، ليبين فكرته الأساسية وهي كيف أصبح هذا اليوم نقطة تحول وعلامة فارقة في التاريخ الحديث. الهدف الثاني هو تقديم صورة “موضوعية” بقدر الإمكان، بل تبين وتنقد أيضا ممارسات إدارة الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، جورج بوش الابن، وتتوصل لنتيجة مفادها أن تداعيات ما فعله الارهابيون وجورج بوش أوصلتنا إلى حالة من الخراب وعجلت من تطور تكنولوجيا المراقبة والتجسس على الحياة الشخصية من قبل أجهزة غامضة مشكوك في نواياها.

بعد مقدمة مؤثرة ترصد أحداث اليوم الدامي في سرد مشوق يجمع بين الأحداث العامة والفردية، يعود البرنامج إلى اللحظة التي بدأت فيها مقدمات 11 سبتمبر ويحددها البرنامج بلحظة غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان وقرار إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بدحر هذا الغزو مهما كلف الولايات المتحدة من مال وأرواح ومؤامرات، ليس من باب الدفاع عن استقلال الشعوب بالطبع، ولكن لمواجهة الخصم السوفيتي.

تصدير الجهاد

يتتبع البرنامج الدور الأمريكي في دعم المقاومة الأفغانية ضد الاحتلال السوفيتي بتحفيز الدافع الديني لدى الشعوب المسلمة، مما حولها إلى حرب دينية ساهمت في ظهور جماعات “المجاهدين” وتنظيم “القاعدة” وغيرهما من الجماعات الاسلامية المسلحة. وبعد عشر سنوات، عندما انتهت المعركة برحيل السوفيت، تركت أفغانستان المدمرة نهبا للفقر والجهل والجماعات الدينية المتصارعة، انتهاءا باستيلاء “طالبان” على الحكم، وصعود “القاعدة” التي قررت تصدير “الجهاد” إلى الخارج، وبالتحديد إلى البلاد التي ساهمت في صنع وحش فرانكشتين: أمريكا والسعودية ومصر وباكستان وغيرهم من أطراف التحالف ضد الغزو السوفيتي!

الثأر البائت

بعد أن يتتبع نشأة التطرف والارهاب وصولا إلى قرار بن لادن بشن الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية مع بداية القرن الواحد والعشرين، والعمليات التي سبقت 11 سبتمبر، وكان أحدها تفجير أصغر في برج التجارة العالمي نفسه، يبدأ المسلسل في تتبع ما جرى عقب هجمات 11 سبتمبر من قرارات بالحرب على أفغانستان، والقضاء على “طالبان” لرفضها تسليم بن لادن وعصابته وتعهدها بعدم مناصبة أمريكا العداء، ثم التخلي مرة أخرى عن أفغانستان وتركها نهبا للجماعات المتصارعة، بل وحتى عدم استكمال مطاردة بن لادن ومساعديه للنهاية، في قرار غريب، قد ينم عن غباء، أو عن خبث، وصولا إلى مؤامرة تدبير حرب ضد صدام حسين، لا علاقة لها بأحداث 11 سبتمبر، بقدر ما لها علاقة بالثأر البائت بين صدام وإدارة جورج بوش الأب، عقب حرب الخليج الثانية، التي قامت فيها أمريكا بقيادة تحالف تحرير الكويت، ثم تقاعسها، كالعادة، عن استكمال المهمة بالتخلص من نظام صدام حسين.

الحقائق القديمة

ربما تكون الحقائق قديمة، ولكنها لا تزال صالحة لإثارة الدهشة، والتأمل، والتفكير في حالة العالم اليوم وما يحدث فيه، وهذا هو ما ينجح فيه مسلسل “نقطة التحول” ببراعة، إذ لا يتعامل مع التاريخ كقصة مغلقة على نفسها مملة، ولكن كجزء من الحاضر الذي نحياه والمستقبل الذي نشرف عليه.

نقطة أخيرة تتعلق بتوجه المسلسل ورؤية مخرجه. نحن أمام عمل وثائقي “أرشيفي” عبارة عن “قص ولزق” من آلاف الوقائع واللقطات على مدار أكثر من ثلاثين عاما، وهو عمل قد يبدو سهلا، بإمكان أي مخرج أو “مونتير” أن يفعله، وفي الوقت نفسه قد يبدو مستحيلا، نظريا، الالمام بكل هذه الأحداث والتفاصيل العلنية والمخفية، في فيلم أو برنامج أو كتاب أو موسوعة واحدة. من ناحية ثانية تكمن شياطين “التحيز” في عملية اختيار كل لقطة وجملة تقريبا، ولذلك فإن كل شئ هنا يتعلق بمدى براعة المخرج ورجاحة عقله ونقاء قلبه، وأعتقد أن برنامج “نقطة التحول” واحد من أفضل الأعمال التي صنعت حول 11 سبتمبر بفضل امتلاك مخرجه لهذه الصفات تحديدا.

ملحوظة أخيرة: مهاويس نظريات المؤامرة والكراهية يمتنعون!

اقرأ ايضا:

نجيب محفوظ والسينما.. جناية متبادلة!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى