نجيب محفوظ وفتنة اللعب بيهوذا الإسخريوطي

عندما نتحدث عن الصورة النموذجية للمجرم في الثقافة المسيحية تظهر صورة يهوذا الإسخريوطي، رمز الجريمة الأكبر، تلميذ السيد المسيح المقرب، وأمين صندوقه الذي خانه، وقام بتسليمه إلى اليهود.

لقد قام نجيب محفوظ باستدعاء يهوذا إلى عالم (اللص والكلاب) بشكل فني دون ذكر اسمه. وكان السياق يفرض عليه دمجه في شخصية اللص/ السفاح، لكنه خالف المتوقع، وباعد بينهما، وقام بدمج يهوذا في شخصيات أخرى.

لقد تم استدعاء يهوذا من أجل الآخرين الذين تسكنهم روح الشرير النموذجي ويعيشون بلا مطاردة، تم استدعاؤه كمرآة تكشف البراءة الكامنة خلف قناع الجريمة، و الشرَّ الحقيقي المتخفي خلف قناع البراءة.

خصم سعيد مهران

حضر يهوذا ليصبح خصما لسعيد مهران، ومجرد وجوده في هذا الموقع يعني دمج بطل الرواية في شخصية المسيح. لقد كان حضور يهوذا مراوغا على مستوى الشكل والمضمون. فلم نشعر بوجوده ونحن نقرأ الرواية اعتمادا على ظاهرها، ولم يلعب دوره المتوقع وهو التشهير بالمجرم عن طريق دمجه في الكيان النموذجي للشر.

العلامة الأكثر دلالة على يهوذا هي هويته بوصفه تلميذا وأمينا للصندوق، وقد وردت تلك الإشارة على لسان البطل وهو يعلن استعداده للعمل أمينا للصندوق في إدارة رؤوف علوان. وهكذا يجتمع مع يهوذا في هوية واحدة، لكنه اجتماعٌ وهميٌ يفضحه سياقُ السخرية الذي ورد فيه.

تظهر تللك العلامة الوحيدة في الحلم لا في الواقع، وظهورها في الحلم يكشف عن إصرار نجيب محفوظ على إخفاء شخصية يهوذا في أعماق الرواية. لأنه لا يريدها زينة خارجية. لا يريدها فكرةً تخاطب المستوى المنطقي ويسهل دحضا بسبب جرائم اللص. يريد تسريبها إلى وجداننا وكأنه لم يفعل شيئا.

اللجوء إلى الحلم يحرضنا على التعامل مع الشخصيات والأحداث تعاملا باطنيا، أو رمزيا، وهو ما حاول تأكيده من خلال علاقة البطل بالشيخ على الجنيدي. حيث تتردد الكلمات بدلالات مختلفة. كأن يقول البطل: “خرجت اليوم من السجن”. فيرد الشيخ: “أنت لم تخرج من السجن”. ويقصد بالسجن شيئا آخر مثل الدنيا أو الجسد.

لقد تكرر هذا الموقف على النحو الذي يجعلنا نذهب إلى أن وظيفة الشيخ على الجندي الإرشادية كانت موجهة لنا كقراء في المقام الأول. وهي لفت انتباهنا إلى لغة الرواية نفسها، لا إلى كلام المتصوفة وعوالمهم.

وقائع الحلم

يسرد البطل وقائع الحلم الذي يظهر فيه الصحفي رؤوف علوان بوصفه شيخ المشايخ، الذي “وعد بتقديم تفسير جديد للقرآن الشريف، يتضمن كافة الاحتمالات التي يستفيد منها أي شخص في الدنيا تبعا لقدرته الشرائية. وأن حصيلة ذلك من الأموال ستُستغل في إنشاء نواد للسلاح، ونواد للصيد، ونواد للانتحار. فقال سعيد: أنه مستعد أن يعمل أمينا للصندوق في إدارة التفسير الجديد” (ص83)

وظيفة أمين الصندوق تربط بطل الرواية بيهوذا الإسخريوطي الذي كان يشغل نفس الوظيفة، لكن الربط يفقد معناه بسبب الصورة الغريبة لرجل الدين، أو الصحفي شيخ المشايخ، والتي تجعل الطعنَ في مشروعه فضيلةً لا خيانة فيها.

البطل يعرض نفسه بوصفه يهوذا خصم المسيح الضد، أو المسيح الدجال وفق الثقافة الإسلامية. يرتدي قناع يهوذا ليثبت أنه أبعد شخص عن يهوذا. وتلك استراتيجية استدعاء يهوذا في الرواية. لقد جاء من أجل براءة اللص لا من أجل إدانته.

يظهر المجرم في هيئة يهوذا بشكل غير مباشر، أيضا، عندما يتوجه إلى فيلا الصحفي رؤوف علوان كي يقوم بسرقتها. حيث يتم القبض عليه بمنتهى السهولة. ويقول له: “من الغباء أن تجرب ألاعيبك معي أنا. أنا فاهمك وحافظك عن ظهر قلب. كنت في انتظارك. على أتم استعداد. بل ورسمت لك طريق السير. وددت لو يخطئ ظني؟ ولكن أي سوء ظن فيك يخطئ؟” (ص 52)

العباءة

نفس الفكرة المسيحية التي تذهب إلى أن المسيح كان يعلم ما في نفس يهوذا. وأنه كشف أمره لبعض المقربين، ولم يفضحه أمام الجميع. وكذلك فعل الصحفي، لم يقم بإبلاغ الشرطة وترك اللص يمضي. حبكة الرواية تستدعي صورة المسيح بمهارة. وتقوم في نفس الوقت باستبعاد الشبه بين الصحفي والمسيح من خلال التفاصيل الصغيرة. لقد أخذ العشرة جنيهات التي سبق وأن منحها للمجرم. بخلاف المسيح الذي ترك يهوذا أمينا للصندوق حتى النهاية.

الشيطانُ هو العباءة التي خرج منها يهوذا، وهذا ما نجده في إنجيل يوحنا، وغيره. يقول السيد المسيح: “أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، الاثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ! قَالَ عَنْ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ”. (إنجيل يوحنا: 6/70، 71). الشيطان أيضا هو العباءة التي خرج منها سعيد مهران. هذا ما تقوله الرواية، لكنه تقوله بشكل يجعلنا نذهب في الاتجاه المعاكس. يتلاعب الراوي بالشخصيات كما يتلاعب شاعر بالألفاظ.

انتظار

سعيد مهران هو الذي يطلق على نفسه كلمة “شيطان” ليصف صورته في عين طفلته الصغيرة. عندما ذهب ليشاهدها بعد خروجه من السجن. وذلك بحضور المخبر وجماعة من رجال الحارة الذين صاروا أتباعا لـ”عليش”، صبيِّه الخائن. لقد استغرق وصف المشهد ثلاث صفحات كاملة. وفي تخصيص تلك المساحة الطويلة دليلٌ على أهميته، وتلك الأهمية ترتبط بنا كقراء، لأنها جزء من عملية تحريرنا من النظر إلى البطل بوصفه لصا، وتكريس النظر إليه بوصفه ضحية. لقد توقف زمن السرد ليدخل الراوي العليم إلى أعماق سعيد مهران ويصور قلبه الذي يخفق خفقات موجعه. وهو ينظر إلى الباب في انتظار دخول طفلته التي لم يشاهدها أثناء وجوده في السجن. بينما تختفي مشاعر الغضب وتسيطر مشاعر الحنان. وأخيرا ظهرت البنت فالتهمتها روحه التهاما. بعد انتظار “طال ألف سنة”، بمقياس تلك المشاعر الأبوية الجارفة، وهنا حدثت المفاجأة.

نظرت طفلته إلى وجهه باستنكار لشدة تحديقه، ولشعوره بأنها تُدْفع نحوه. وإذا بها تفرمل قدميها في البساط، وتميل بجسمها إلى الوراء. لم ينزع منها عينيه ولكن قلبه انكسر. انكسر حتى لم يبق فيه إلا شعور بالضياع.

ـ أنا بابا تعالي، واشتد ميلها إلى الوراء، جذبها نحوه بشيء من القوة. صرختْ، ضمها إلى صدره فدافعته باكية. قال أنا بابا لا تخافي، أنا بابا، فازدادت البنت مدافعة وبكاء حتى قال المخبر: على مهلك، البنت لا تعرفك..، فتركها تجري يائسا. (اللص والكلاب ص17، 18).

كأني شيطان

لم يكن الموقف بسيطا، أو عابرا، وسوف يتكرر استدعاؤه في الرواية عدة مرات بشكل يكشف عن بقائه في الذهن كحدث أسطوري يُولَد ويتجدد كل يوم، ويعيش في الزمن الحاضر باستمرار. يقول في الفصل التالي، ص 28:

ـ أنكرتني ابنتي، وجفلتْ مني كأني شيطان.

تختلف صيغة الشيطان في الإنجيل عنها في الرواية. المتكلم هناك هو المسيح عن يهوذا. والمتكلم هنا هو سعيد مهران عن نفسه، يهوذا هناك شيطان صريح، وسعيد مهران هنا شيطان في سياق التشبيه والسخرية. الكلمة هنا بمعنى ملاك، لأنها تصف رجلا وهو ينظر إلى طفلته بحنان جارف.

جملة جفلت مني كأني شيطان تكاد تكون مجلوبة من العهد الجديد. فعندما جاء الجنود والكهنة ليقبضوا على المسيح قال لهم: «كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي!

لقد قام الكاتب بإعادة صياغة الجملة لتصبح “خرجوا ليأخذوني وكأني لص”. ثم حولها في الرواية إلى “أنكرتني وكأني شيطان”. وهنا أيضا إشارة إلى استراتيجية الكاتب، إنه يحذف، ويحذف، ويضيف القليل، لتصبح الصورة النهائية بعيدة عن الصورة الأصلية بُعْدَ الحلم عن الواقع، وبُعْد الكلام الصوفي عن الكلام العادي.

وجوه يهوذا

لا تقدم الرواية وجها من وجوه يهوذا، تقدم أبا يحلم بأخذ طفلته في حضنه، تقدم أستاذا تعرَّض للخيانة من صبيِّه الذي وشى به، وتسبب في دخوله السجن، واستولى على بيته وماله.

هكذا تحضر صورة يهوذا من خلال إشارات كثيرة لكنها مثل إشارات الصوفية، تعتمد على الإيحاء لا التصريح، وهي تحضر لتراوغنا، وبدلا من قيامها بوظيفتها العادية في تشويه صورة اللص، تقوم بتحريره من التشوهات، وتحريكه من مقام المجرم إلى مقام الضحية، وهو ما يتم دعمه من خلال استدعاء رموز مسيحية أخرى مثل بطرس الرسول، ومريم المجدلية، وبنفس الطريقة التي تحرضنا على قراءة الرواية كما نقرأ الأحلام، أو كلمات الصوفية.

اقرأ أيضا:

«العشاء الأخير» في لص نجيب محفوظ وكلابه

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى