نبيل عبدالفتاح يكتب: كتابة التحوُّلات والهوية في عصور مضطربة

يواصل المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح الكتابة عن العديد من القضايا الإشكالية، طارحا العديد من الأسئلة عن «هوية مصر» وهي القضية الرئيسية التي يدور حولها النقاش في دورة معرض الكتاب الذي يفتتح غدا . ننشر هنا الجزء الثاني من مقدمته الهامة لكتابه الجديد «تفكيـك الوهـم: مصـر والبحث عن المعنى في عالَم متحوِّل».  

 

مسألة الهوية القومية المصرية ارتبطت تاريخيًّا بنشأة وتطور الحركة القومية الدستورية المصرية، حول الشعار العلَم (مصر للمصريين) في إطار الدولة الحديثة، وأجهزتها، والمشاركة الفعالة للمثقفين المصريين منذ حركة البعثات الأجنبية إلى أوروبا والتعليم المدني، وحتى المرحلة شبه الليبرالية، ومع نظام يوليو، والناصرية بوجه عربي تحرُّري، وذلك على عديد من المستويات، التي يمكن سردها على النحو التالي:

1- التنظير السياسي لفكرة القومية المصرية وتأصيلها نظريًّا وتاريخيًّا، استهداءً بالتنظير الأوروبي – الفرنسي على وجه الخصوص- لمفهوم الأمة في إطار الحركات القومية، والتوسُّع في النظام الرأسمالي الدولي آنذاك، وتجسيد فكرة الدولة/ الأمة، في النماذج الأوروبية.

من ناحية ثانية: الربط العضوي بين الفكرة القومية المصرية، والكفاح من أجل التحرر من نير الاستعمار البريطاني الغشوم.

ثالثًا: التكامل بين السعي إلى الاستقلال الوطني، والحركة الدستورية، بالتأكيد على المسألة الدستورية ومؤسساتها، ودولة القانون الحديث، وهندساته في المجالات المختلفة، وذلك لتأطير أنماط الحياة الدولتية والمجتمعية، في ظل الحريات العامة والفردية.

ولدت الهوية القومية في إطار سياسي تحرري، وتراكمي، منذ الدولة الحديثة في عهدي محمد على وإسماعيل باشا. حيث تم دمج الاقتصاد المصري بالنظام الرأسمالي الدولي آنذاك مع تجارة القطن. وقد تبلورت الفكرة مع تطور الحركة القومية، والانتفاضة الشعبية العظمى عام 1919، ودستور 1923 وسياقات ومؤسسات وأفكار وتفاعلات النظام شبه الليبرالي.

ميلاد الهوية القومية المصرية لم يكن سياسيًّا فحسب، وإنما تداخل مع الثقافي في كتابات المفكرين والمؤرخين المصريين. وفي الفنون التشكيلية والسينما والمسرح، والشعر والرواية والقصة القصيرة.

الاندماج بين الثقافي والسياسي تشكَّل أيضًا وتطور مع تطور المدن والحياة الكوزموبوليتانية في القاهرة والإسكندرية في إطار نمطٍ من التعايش المشترك مع بعض المتمصرين والأجانب. وفي ظل تعددية دينية كرَّس بعضها النمط المعماري الأوروبي، وفراغاته، وحركية وحيوية نمط من المقاهي حيث تبادل الآراء والتفاعلات بين مرتاديها. الأهم أن المجال العام  شبه المفتوح سياسيًّا وثقافيًّا، ساعد على الاندماج بين الثقافة الحديثة والأحرى شبه الحداثية، وبين الفعل السياسي الحامل للقومية والهوية المصرية.

**

2- الإسهامات النقدية للمثقفين، ومراجعات بعضهم للتاريخ المصري. ونقد بعض جوانب الثقافة الموروثة من خلال بعض المقاربات التاريخية المختلفة عن السرديات التاريخية السائدة. من خلال كتابات طه حسين عن الشعر الجاهلي والفتنة الكبرى، وعلى عبدالرازق في كتاب الإسلام وأصول الحكم، وكتابات سلامة موسى وآخرين، والإصلاحيين من داخل الأزهر.

3- مشاركة المثقفين في عمليات بناء أجهزة الدولة وإدارتها، وهو سمت تاريخي، واكب ميلاد المثقف في مصر مع الدولة الحديثة وحولها. هذا الميلاد لم يمنع بعضهم عن ممارسة دوره النقدي.

ثانيًا:أسهمت النخبة السياسية، ومن بينهم بعض المفكرين الكبار الذين عملوا بالسياسة دورًا متميزًا، في إنتاج الخطاب السياسي حول مفهوم الأمة المصرية من مثل لطفي السيد، وطه حسين، وعباس العقاد، ومحمد حسين هيكل باشا وسلامة موسي .. إلخ. هذا المصطلح الذي شاع في الخطابات السياسية على تعددها، وبعض من تمايزاتها، لاسيما في إطار حزبي الوفد والأحرار الدستوريين.

ثالثًا: ثمة سؤال نطرحه في هذا السياق التاريخي والسياسي والثقافي للمرحلة شبه الليبرالية: هل كان مفهوم القومية المصرية والأمة والهوية موضع إجماع في ظل المرحلة شبه الليبرالية؟ كانت الفكرة سائدة وشائعة لارتباطها بالحركة القومية والكفاح ضد الاستعمار والسعي للاستقلال، والنظام الدستوري ودولة القانون. أشاعت الانتفاضة الشعبية الوطنية عام 1919، ومشاركة المسلمين والأقباط المصريين في فعالياتها مفهوم القومية المصرية، وسط بعض فئات اجتماعية صغيرة عديدة، لاسيما الفئات الوسطى–الوسطى المدينية، على نحو أدى إلى بث مفهوم الوحدة الوطنية وسط هذه القوى الاجتماعية.

**

يبدو لي أن الفكرة القومية كجزء من المفاهيم الحداثية السياسية والدستورية والقانونية، ظلت مع ذلك نخبوية بامتياز، مع بعض الانتشار في إطار العمل الوطني التحرري، إلا أنها لم تكن تعتمد على قواعد اجتماعية وثقافية واسعة النطاق وذات صلابة تتجاوز النخبة السياسية والثقافية على التداخل بينهما في هذه المرحلة. ويعود ذلك لعدد من الأسباب:

أ- أن الحداثة السياسية والفلسفية والفكرية تم استعارتها مبتسرة، وغير مكتملة، لاعتبارات الثقل التاريخي الثقافي والقِيمي والديني للثقافة التقليدية والمجتمع التقليدي، الذي سعى بُناة الدولة الحديثة لتغييره نسبيًّا، وتحديثه.

ب- التعدد في النظام التعليمي الرسمي المدني الحديث، والتعليم الديني الأزهري، والكنسي -في المؤسسة الأرثوذكسية، وغيرها من الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية- أدى إلى الانقسام إلى نمطين من المعرفة والإدراك للسياقات التاريخية، وكيفية الخروج من دوائر التخلف المركب، بين الوعي شبه الحداثي، والوعي الديني، وذلك باستثناء بعض المجدِّدين من الأزهريين، أو وسط قلة من رجال الدين والعلمانيين الأقباط.

**

من ناحية أخرى ميلُ غالب المفكرين إلى المناورة مع انتشار الفكر الديني التقليدي، وسط فئات اجتماعية واسعة، لاسيما في الأرياف، ووسط المعسورين. ومن ثم سعيهم إلى تهجين بعض الأفكار الحداثية المستعارة مع بعض الفكر الديني التقليدي، والاستثناءات محدودة. من هنا لم تسُدْ أفكارهم على نطاق اجتماعي واسع.

ج- ظهرت الأفكار السلفية وبعض جماعاتها في أوائل القرن العشرين. ثم ظهرت جماعة الإخوان عام ١٩٢٨لمواجهة ما أطلق عليه بعضهم بالتغريب، وإحياء الإسلام وحضارته، والخلافة الإسلامية. ومن ثم بروز التناقض مع الفكرة القومية، والهوية المصرية الحداثية، لصالح فكرة الجامعة الإسلامية، والخلافة، على نحو ما ورد في أدبيات الجماعة الأولية، التي اتسمت بقدرٍ من العمومية وطابعها التأويلي اللاتاريخي.

د- في أعقاب تأسيس نظام يوليو 1952، استمر مفهوم الأمة المصرية، مع بعضٍ من الإضمار في الخطاب السياسي الناصري، لصالح الفكرة العربية الجامعة حيث بدت الأمور وكأنه تخلى عن هذا المفهوم في ظاهر الخطاب السياسي الناصري. إلا أن إمعان النظر يكشف عن أن القومية والأمة المصرية وظَّفت الفكرة العربية الجامعة، في إطار حركة التحرُّر الوطني العربية والصراعات السياسية مع الاتجاهات المحافظة في المنطقة العربية، وخاصة السعودية وكذلك في مواجهة الدول الاستعمارية السابقة لدول المنطقة والإمبريالية الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا…إلخ.

عبدالناصر ونجيب
عبدالناصر ونجيب
**

لم يكن التوظيف أداتيًّا محضًا للفكرة العربية الجامعة، إنما كان تعبيرًا عن بعض مصادر تكوين الهوية والقومية المصرية ذات التوجه العروبي في هذه المرحلة التاريخية، وذلك على الرغم من شيوع الجدل وسط المفكرين والمثقفين المصريين في المرحلة شبه الليبرالية حول هوية مصر: فرعونية أم عربية أم إسلامية؟

في المرحلة الساداتية عاد الجدل السياسي حول عروبة مصر، وذلك بسبب سياسة كامب ديفيد، واتفاقية التسوية السياسية مع إسرائيل، التي وجِّهت لها انتقادات حادة داخل الجماعة الثقافية المصرية، وانحاز بعض المثقفين الكبار -وهم قلة- إلى بعض أفكار وسياسات السادات-توفيق الحكيم وحسين فوزي ولويس عوض… إلخ- وذلك في مواجهة الهيمنة الرمزية للفكرة العربية على الخطاب السياسي، والسياسات الناصرية.

**

لاشك أن عودة الجدل حول أزمة الهوية، تم في أعقاب هزيمة يونيو 1967 الساحقة، هو ما فتح الباب نحو تنشيط التوجُّهات الدينية. وذلك بتوظيف مزدوج من النظام والسلطة الحاكمة لمواجهة آثار الهزيمة النفسية، والاجتماعية، وفى ذات الوقت أتاح ذلك، للإيديولوجيا الإسلامية التمدُّد وسط قطاعات اجتماعية واسعة كي تبث أفكارها حول إسلامية مصر -وكأن هناك من أنكر حضور الإسلام كديانة ومكون رئيس في الثقافة المصرية- وضرورة العودة للخلافة الإسلامية…إلخ.

أنور السادات
أنور السادات

أسهم التوظيف المكثَّف للخطاب الساداتي للدين في السياسة، إلى بعض الشروخ في الهوية المصرية، وخاصة في قوله إنه رئيس مسلم لدولة مسلمة. من ثم تجدَّدت آنذاك الانقسامات المجتمعية الرأسية على أساس الانتماء الديني، وانفجرت المشكلات الاجتماعية ذات الوجوه الطائفية. من الملاحظ أن سياسة الانفتاح أدت إلى بعض التآكل للفئات الاجتماعية الوسطى، وفي ذات الوقت إلى المزيد من تهميش بعض المناطق في الصعيد والدلتا وسيناء، على نحو أدى إلى بروز بعض الانتماءات للمكونات الأولية وهوياتها.

**

وظفت بعض الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية بعض المشكلات الاجتماعية، بين المواطنين المسلمين والأقباط، لاسيما في الصعيد، وفي بعض المناطق في القاهرة والجيزة سياسيًّا في تعميق الانقسامات الدينية من أجل التعبئة، وبث أفكارها الدينية التأويلية السياسية المتشددة، وفي استخدامها في مواجهة أجهزة الدولة الأمنية. لاشك أن سياسة التوظيف الديني لبعض النزاعات الاجتماعية بين المواطنين كرست بعض أزمات الهوية المصرية.

في عهد مبارك تمدَّدت الحركة الإسلامية السياسية، وجماعة الإخوان، من خلال إستراتيجية الأسلمة من أسفل وسط القواعد الاجتماعية، والفئات الوسطى– الوسطى والصغيرة، والأسلمة من الوسط بالسيطرة على النقابات المهنية، والمشاركة الجزئية في التشكيلات البرلمانية، على نحو أعطاها حضورًا مؤثرًا وقدرات وميسِّرات ساعدتها على توزيع خطابها حول الهوية الإسلامية المصرية، وذلك طيلة حكم مبارك.

أسهمت أيضًا الحركة الإسلامية الراديكالية -الجهاد، والجماعة الإسلامية- والسلفيون في التركيز على مسألة الهوية، وإشاعة ثقافة الانقسام الداخلي الرأسي على أساس ديني، في صراعهم مع الدولة، وتوظيف المشكلات الدينية على أساس “طائفي”، وهو ما فاقم من مسألة الهوية(14).

**

فعندما يتم اختصار الدولة في إطار النظام السياسي التسلطي، الذي يتمحور حول النمط القيادي المسيطر عند قمة النظام ومراكز القوة حوله، يتم في غالب الأحيان توظيف مسألة الهوية في الصراع السياسي الداخلي، والإقليمي. فتغدو سياسة الهوية مضطربة، ويشوبها الاهتزاز، وعدم الاستقرار. ومن ثم تدور في دوائر الأزمة، كما حدث في عهد مبارك طيلة الثلاثين عامًا التي مضت، وازدادت تفاقمًا بعد الانتفاضة الشعبية الكبرى في يناير 2011، وما بعدها، وحتى وصول الإخوان والسلفيين إلى سُدَّة السلطة. حيث إن الخطاب الديني (السياسي) عمومًا، وحول الهوية المصرية خصوصًا يتسم بالأحادية، واللاتاريخية (وذلك لأن تشكلات الهوية، ومصادرها التكوينية الحداثية أساسًا، تطورت مع الدولة القومية).

كما أنه يحاول استبعاد الطابع الحركي المتغير في تشكلات الهوية (السياسي والثقافي والديني والاجتماعي والرمزي.. إلخ)، وتجميد هذا التحديد للهوية عند أحد مصادر تكوينها (على أهميته، ودوره)، وحول مراحل تاريخية تجسدت في الماضي في مراحل تشكلات البني الفقهية الوضعية والتأسيسية التاريخية حول النصوص المقدسة والسُّنَّوَية، مع استبعاد مفهوم الهوية الحداثية بامتياز.

وقد ازدادت مسألة الهوية تعقيدًا، مع عمليات تآكل الموحِّدات القومية وسياسات التكامل الداخلي (السياسية والتعليمية والثقافية والتنموية) على نحو ما تم طيلة نظامي السادات ومبارك التسلُّطيين.

**

من ناحية أخرى أسهمت التطورات الكونية والإقليمية في عمليات التشظِّي والتفكيك للهوية في ضوء تحولات ما بعد الحداثة وما بعد بعدها في تغيرات تمس موضوع الهوية، وخاصة بعد أن تراجع التنظير السوسيو- سياسي منذ عقود طويلة في القرن الماضي لمفهوم الشخصية القومية في الأدبيات السوسيولوجية والأنثربولوجية(15). من هنا يبدو إعادة تجديد الهوية المصرية، لابدَّ أن يكون في إهاب إنسانوي مفتوح على مكوناتها وهوياتها المتعددة، وعلى عالمها، والإقليم (خاصة في ظل أزمة مفهوم العروبة، والفكرة العربية الجامعة) لعديد الأسباب الموضوعية التي تمت في دول ومجتمعات الإقليم العربي.

3- الكتب الثلاثة التي نعيد نشرها هي جزء من محاولات تحليل تغيرات وتحولات السياسة والمجتمع المصري، ومن بينها مسألة الهوية والصراعات عليها وبها لاسيما في الثقافة، والصراع الديني السياسي. هي إذًا جزء من كتابة مرحلة السيولة وبعض التحولات والاضطرابات والأزمات ومحملة بها. ومن ثم تغدو جزءًا من النظرة السوسيو- تاريخية، والسياسية والثقافية للسيولة وبعض التحولات، وبعض ما ورد بها من أفكار، أو تنظيرات لا يزال حاملًا بعض الجدة في فهم جذور الحاضر الثقافي والسياسي المصري الراهن، لاسيما العقل السياسي وإنتاجه وتجلياته وأزماته، وأوضاع الثقافة المصرية وتراجع دورها الداخلي والإقليمي.

وركزت خلالها على نقد التمركز حول الذات الجماعية المصرية، ومحاولة تفكيك، الأوهام والأساطير السائدة حولها، وزعم بعضهم امتلاكه الحقائق المطلقة الوضعية وفوق التاريخية. وغلب عليها الطابع التفكيكي والتحليلي النقدي للأفكار السائدة والسرديات التأويلية الكبرى خاصة تلك التي يصفها إيزايا برلين بـ”قيم أخلاقية ثابتة وخالدة وكلية تحتاج إلى مراجعة بمثل تلك الحدة”(16). إنها أقرب إلى صرخات نقدية إزاء تآكل الحداثة المبتسرة، والهجينة بالمفاهيم التقليدية الموروثة، على نحو بدت معه، وكأنها أشباحٌ حداثية في ظل الفوضى الفكرية والقِيمية العشوائية التي تأسَّست على ظاهرة موت السياسة الممتدَّة منذ تأسيس التسلطية السياسية، على نحو أثر على سياسة الهوية المصرية، والاندماج بين مكوِّناتها المتعدِّدة والمتجددة.

**

إن أخطر ما يواجه الهوية المصرية الجامعة منذ خمسة عقود يتمثَّل في انفجار بعض الهويات الفرعية الدينية والعرقية والمناطقية، خاصة في ظل مجتمع التفكُّك والعشوائية واللاقانون، والتجاور بين بعض من هيمنة الديني على المدني وتوظيفاته وفوائضه، وبعض من حداثة معاقة، وبعض من ما بعد حداثة حول التشظي للسرديات القومية المصرية، وبعض من فوضى الرقمنة.

سردياتٌ انهارت، وسرديات دينية لا تزال سائدة، وتتفكَّك في إطار جماعات سياسية ودينية متعددة (ويتم نقد بعضها)، وتآكل للموحِّدات القومية خارج الدين والمذهب، وتدهور في مستويات التعليم المدني والديني ومناهجهم ومقرَّراتهم، في التعليم العام والجامعي وما بعده، وكذلك في التعليم الأزهري، وكلياته ودراساته العليا. تراجع الإنتاج الثقافي المصري، وتأثيره في الداخل والإقليم، وتآكل المكانة والدور الثقافي في الإقليم، في حين صعدت مراكز ثقافية أخرى في الإقليم العربي (إقليم النفط والمنطقة المغاربية حول المغرب، وتونس). من ناحية أخرى تراجع أدوار المشرق العربي الثقافية (حول لبنان وسوريا والعراق).

**

على المستوى الداخلي، حدثت تغيرات في السينما والموسيقى والغناء لصالح أشكال وتعبيرات عن الفجوات الاجتماعية بين الأثرياء عند قمة النظام الاجتماعي، وتآكل في نمط حياة ودخول الفئات الوسطى. مع تدهور مكانة وقيمة التعليم والثقافة في آليات الحراك الاجتماعي لأعلى، إلا لبعضهم من ذوى التعليم الأجنبي، والتخصصات الجديدة التي يحتاجها سوق العمل مع إقصاءات لفئات اجتماعية عريضة على نحو أدى إلى اجتياح احتياجاتها وتعبيراتها المحمولة على ترييف المدن وثقافاتها وقيمها، ومعها تشكيلها الاجتماعي. الملاحظ أن الذوق العام الموسيقي والغنائي تراجع لدى بعضهم عند قمة النظام الاجتماعي، وتوافق مع الفئات الشعبية وأصبح بعضهم يستهلكون ذات الإنتاج.

ثمة أيضًا تمدُّد لأنماط من العنف الاجتماعي والديني واللفظي. لاشك أن هذه الحالة التي تنطوي على ارتباكات وتناقضات، تكرَّست مع موت السياسة والقيود على حريات التعبير والضمير وأدت إلى صعود سلطة الداعية الديني والناشط السياسي والحقوقي-وهى مصطلحات مستعارة لا تتوافق مع الواقع الموضوعي- على نحوٍ أدى إلى تراجع دور المثقف (بالمعنى الشائع وغير الدقيق) في تقاليدنا وأوضاعنا الشائعة!

هذا التراجع في دور المثقف –وفق ما هو شائع من تعبير مجازى لا يجد تجسيداته إلا في قلة قليلة في عديد المجالات- وقد ترافق مع حالة من الصمت والخوف، على نحو أدى إلى انهمار سرديات عديدة، مع سوق تعكس طلبًا اجتماعيًّا غلابًا من فئات وشرائح اجتماعية عديدة (وسطى وسطى صغيرة وشعبية)، انعكس على الإنتاج الثقافي وتدهور مستوياته.

ما سبق من أوضاع انعكس سلبيًّا أيضًا على خطاب الهوية المصرية، خاصة في ظل التحول إلى الأسواق الرقمية والرغبات العارمة للمشاركين فيها إلى إثبات وكشف الذات -غير المتحقِّقة في الواقع الفعلي- والانكشاف والبوح والتعري والسعي إلى تحقُّقها وإشباعها رقميًّا، في ظل اللامبالاة بالجوانب والموحِّدات الجمعية حول الهوية الجامعة العابرة للهويات الأخرى المتجاورة والمتوترة والصراعية مع الهويات الذاتية أو الدينية أو العرقية أو القبلية أو العائلية الممتدة أو المناطقية، أو الهوية الذاتية! تشظيات وتذريات أثرت في الواقع الموضوعي الفعلي، أو الرقمي على الهوية القومية.

**

نحن إذًا أمام حالة من التذري الهوياتي، مع بقايا وفوائض الهوية القومية الجامعة، تظهر وتشيع في ظل انهيار المدرسة والجامعة المصرية، وفي ظل تعدد النظام التعليمي بين المدني والأجنبي والديني، وحالات التفكك والترييف الثقافي والديني للمدن والحياة الاجتماعية مع تفاعلات وأشكال رقمية وتقنية، وذلك في ظل سياقات تخُّلف تاريخي مركب، وموت للسياسة، على نحوٍ به بعضٌ من انكسار وتذري وتفكك للجماعة السياسية ووهنها الشديد، وهو ما ينطوي على بعضٍ من المغايرة مع ما تحدَّث عنه جان فرنسوا ليوتار عن بعض من الوضع السياسي الحداثي الموروث والحي من الحداثة الغربية، حيث ذهب إلى أن “الثورات الفلسفية والأيديولوجية أنهت بدورها ما يمكن تسميته “بالجماعة السياسية” و”الجماعة الأخلاقية” فلا وجود اليوم لجماعات، لها القيم نفسها وتتوارثها بالشكل والنمط نفسه. كما لا وجود لعلاقة حقيقية يمكن أن تربط بين الأمر الأخلاقي، و”النمط المعرفي” و”القانون السياسي”، لأن لكل منها إيديوميه الخاص Idiome”(17).

أن موت السياسة وانعكاساتها على الواقع الموضوعي في بلادنا شيء، وما يتحدث عنه ليوتار شيء آخر في إطار التحول إلى الشرط ما بعد الحديث فإن الظاهر أن مفهوم الهوية ومصادره ومكوناته كإنتاج (دولتي – حياتي)، يتغير في ظل الواقع ما بعد الحداثي، وما بعد بعده، خاصة في إطار التحولات الرقمية، والثورة الصناعية الرابعة، ومؤشرات التحول إلى ما بعد الإنساني. وهو ما يتطلب مراجعة مفهوم الهوية، وعديد من المفاهيم المرتبطة بالعلوم الاجتماعية التي تم إنتاجها في ظل هذه العوالم الفكرية والنظرية المتحولة. وكيف ستكون أوضاعنا وهويتنا -وهوياتنا الأخرى داخل مكوناتها- في إطارها المتحول والسريع والمكثف، وموقعنا في إطار التخلف التاريخي تجاهها؟!

عمومًا، نحن في حاجة إلى تجديدات فكرية ونظرية ومفاهيمية كبرى عند هذا المنعطف التاريخي، وضرورة النظر في أساطير وأوهام مستمرة، متمركزة حول ذات جماعية، تتشظَّى وتتفكَّك، ونحتاج إلى مراجعات نقدية لموروثنا وواقعنا التاريخي، بما فيها الصراع حول الهوية كجزء من الصراع السياسي والديني والمذهبي.

اقرأ أيضا

نبيل عبدالفتاح يكتب: البحث عن لغة جديدة تخترق غابة اللغة المسيطرة

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى