نبيل عبدالفتاح يكتب: البحث عن لغة جديدة تخترق غابة اللغة المسيطرة

خص المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح «باب مصر» بنشر مقدمته المهمة التي كتبها لكتابه الجديد «تفكيـك الوهـم: مصـر والبحث عن المعنى في عالَم متحوِّل» الصادر مؤخرا عن هيئة قصور الثقافة. في المقدمة يناقش عبدالفتاح العديد من القضايا الإشكالية الهامة، ويطرح أسئلة عن اللغة وهوية مصر، والواقع الثقافي، ولغة الخطاب الدينى والقانونى والثقافي، محاولا أن ينفض التراب عن العديد من الأوهام. ننشر على مدي يومين أجزاء من هذه المقدمة الهامة. آملين في فتح نقاش ثقافي حول مختلف القضايا التي يناقشها الكاتب، وخاصة مع افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب بعد غد والذي تدور محاور النقاش في برنامجه الرئيسي حول هوية مصر. هنا الحلقة الأولي من المقدمة. 

**

مولعٌ باللغة وأساليبها ومجازاتها، وتطور حياتها، منذ مطالع التكوين والقراءات، والتمرينات الكتابية، والممارسات البحثية، بوصفها التجلِّى الأعظم لحرية العقل والتفكير والتعبير، لأن اللغة هي العالم. من خلالها يمكن معرفة بعض خفايا الشخصية الإنسانية عمومًا، وفعاليتها وبواطنها العميقة، وهي كاشفة لها من خلال المشافهة أو الكتابة.

الكاتب المبدع أيًّا كان مجال تخصصه وإبداعه وبحثه، تكشفه لغته وحساسيته اللغوية، من هنا كان الاهتمام الاستثنائى بها. حيث تبدو الأهمية الخاصة باللغة فى درس الأنظمة اللغوية وقواميسها، من حيث قدرتها وكفاءتها على التطور والتكيُّف السريع مع العوالم المتحولة، في التقنيات والعلوم الطبيعية، والاجتماعية، والأهم الآن مع الثورة الرقمية والذكاء الصناعي.

هذا التلاقح، والاستعارات اللغوية، بين اللغات والثقافات الكبرى، هو سمْت تفاعلات وحوارات زماننا. من ثم تبرز أهمية اللغات الكبرى التى تسود الكتل اللغوية الأساسية مثل اللغة الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والصينية.. إلخ.

وتزداد أهمية الاستعارات في بعض الأحزمة اللغوية التي لا تزال دولها ومجتمعاتها تدور على هامش التاريخ أو خارجه؛ لأنها غير مواكبة لتطورات العلوم الطبيعية والاجتماعية والتقنية، ولأنها أيضًا لاتزال تعاني من مشكلات التخلف الاجتماعي والسياسى والثقافى بعامة. ومن تدهور أنظمة ومناهج التعليم مع تعدُّدها واختلافها بخاصة، فضلًا عن محاولة بعضهم تسييد نظرة دينية وضعية للغة وبنياتها الأسلوبية. من خلال تسييد الموروث اللغوى القديم وأساليبه في الحياة المعاصرة، على أهمية هذا التراث اللغوي والثقافي.

**

فتديين اللغة، واستخدام البلاغة القديمة (ذات التحديد الأحادي والمغلق والماضوى، وكذلك الخوف الرهابى على الموروث الدينى الوضعى من التبدُّد فى بعض الأحيان) من بعض الغلاة، تحت مدعاة للخوف على الهوية يمثل عائقًا ضد تطورها، وذلك لأسباب سياسية، ودينية وضعية بامتياز في غالب الأحيان. وهو أمر يتسم بالمبالغة الشديدة لدى بعضهم من حسنى النية. إلا أن التطور اللغوي والأسلوبي فىيالمفردات، وعبر الترجمات، والاستعارات اللفظية والاصطلاحية والتجديد لا يعنى قط التفريط في هذا الموروث الذى يظلُّ لديه حراسه اللغويون العارفون بأسراره البلاغية. تزداد خطورة هذه الوضعية اللغوية/ الدينية مع تسييس الموروث وتوظيفه في الصراعات السياسية في مصر والمجتمعات العربية، وهو ما يسهم في فرض قيود على اللغة والفكر، تعيق مواكبتها لزماننا، وقيود وإكراهات سلطوية أخرى على حرية العقل والفكر والتعبير والضمير.

من ناحية أخرى، اللغة الموروثة من متون كتب الفقه التأسيسية وشروحها، والشروح على الشروح، تعيد “إعادة إنتاج” الوعى والمعانى والإدراك الجمعى بعالمها القديم، وتحاول إحياءه في الحاضر، وتتداخل فى أنسجته، وتسهم فى إرباكه واضطرابه وتوتراته. كما تشكل السياسات الشمولية والتسلطية قيدًا شديدًا على اللغة وإمكانيات تحررها لاسيما السياسية والدينية، من خلال قمع العقل والضمير والتعبير الحر.

**

على الرغم من ذلك تظل اللغة طاقةَ تحرُّرٍ وتحريرٍ وانطلاق وأداة كلية القدرة على إبداع المعرفة وسبْر الواقع الموضوعي في تغيراته وتحولاته. وفي أحيان تغدو اللغة أداةَ سيطرةٍ على العقل والضمير. وفي بعض الحالات تقف البلاغة التقليدية حاجزًا وقيدًا أمام تطور الفكر وحركيته مع المتغير والمتحول في الحياة. في تجلياته، وفي لغة الخطابات ومعانيها ودلالاتها، وانعكاساتها على الوعى الاجتماعي والسياسي والديني.

في مجال العلوم الاجتماعية تنتج اللغة مفاهيم واصطلاحات عن واقع استقرَّت بعض ملامحه وظواهره، ومع جمود اللغة/ الفكر، في الواقع الموضوعي لا يكون بعضُها قادرًا على تسمية، ووصف وتفكيك الظواهر والمشكلات المتغيرة.

تعيد اللغة السائدة إنتاج منظوماتها الاصطلاحية في عديد المجالات التى ارتبطت بهذه الظواهر والتشكلات، والتى استقرت في النظم الاجتماعية، والسياسية والثقافية والدينية الوضعية. تحدثُ هنا مفارقة بين اللغة الاصطلاحية، والواقع المتغير. حيث يمكن القول إن اللغة وأساليبها زمنية وتاريخية فى الغالب الأعم، وإن ما يكسرها -وهي ساكنة في حالة الجمود والرتابة- هو تحريرها من خلال انتهاك الديكتاتورية اللغوية السائدة، المتمركزة حول دوائر السلطة الحاكمة سياسيًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا وتعليميًّا، وإتباعها، وذلك من خلال التمرد والخروج عليها، بفرض سرديات وتخييلات وأساليب مغايرة، ومضادة.

**

في بعض المراحل الانتقالية، تظهر بعض تحوُّلات في اللغة ونظامها البياني من خلال الكتابات السياسية والاجتماعية والثقافية الانتقالية. فاللغة الانتقالية -إذا جاز التعبير- يتداخل فيها ويتوتر المهيمن، والجديد اللغوي والاستعاري والمجازي والكنائي معًا. مع توترات وتواشجات اللغة الانتقالية. وتنبثق ملامح اللغة الجديدة الحاملة لفكر جديد سرعان ما يسود، والذي يعتمد على التلاقح في لغات وثقافات أخرى أكثر تطورًا في التقنية والعلوم ومراكز البحث، ومع الإبداعات السردية في الرواية والشعر والمسرح والفنون البصرية.

هذا ما يتم من تطورات لغوية في اللغة الإنجليزية والإسبانية والفرنسية… إلخ. حيث تبدو سطوة اللغة الإنجليزية-ومآلات تطورها أنها ستكون رهينة إلى حد ما بصعود اللغة الصينية إلى المركز الأول كونيًّا خلال هذا القرن- والتي تتدفق مفرداتها وتعبيراتها واصطلاحاتها الجديدة كاستعارات وتلاقحات لغوية تنقل إلى الفرنسية والإسبانية…إلخ، ويتم دمجها داخل قواميس اللغات الأوروبية سنويًّا، على نحو يؤدى دائمًا إلى حركية اللغة والفكر في شمال العالم، هذا الدمج هو أحد سمات حياة اللغات الكبرى وديناميتها.

ومع ذلك، لا يزال القاموس والنظام اللغوي للعربية يحتاجان إلى تجديدات كبرى لمعالجة الفجوة بينها، وغيرها من اللغات الكبرى، في المفردات وضرورة تيسير البُنى النحوية، والميلُ إلى تبسيطها، ورفْدها بالمفردات الجديدة من خلال سياسة للترجمة لدمج المصطلحات الجديدة في العلوم الاجتماعية، وفي الرقمنة والذكاء الصناعى إلى داخل المعجم العربي، لإضفاء الحيوية على هذا النظام، ودفعه للانطلاق، على نحو يؤثر إيجابيًّا على الفكر والإبداع.

الركود اللغوى في بعض المراحل التاريخية يؤدى إلى عطالة لغوية في بعض الأحيان، ومن ثم يؤثِّر سلبًا على الإنتاج المعرفي والثقافي. من هنا تُشكِّل اللغة الجديدة وأساليبها التعبيرية اختراقات للركود اللغوي، وتدفع بها نحو إزاحات لبعض أساليب وسرديات اللغة المهيمنة، وفرض أنماط لغوية وأسلوبية جديدة ومغايرة. فهذه اللغة السائدة في العلوم الاجتماعية الحديثة وما بعدها وما بعد بعدها، تظلُّ في الغالب أسيرة قواميسها الاصطلاحية والمفاهيمية، إلى أن يتم اختراقها من اللغة الجديدة، وإزاحة بعضها، خاصة في ظل التحولات المتسارعة والمكثفة والمتغيرة.

**

بعض هذه التجديدات اللغوية تعتمد على حركية وديناميكية عملية التسمية للظواهر التى تمس الأفراد، والجماعات والطبقات، وطبيعة المشكلات والظواهر الاجتماعية وأثر التقنية على النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني. لذا نحتاج في مجتمعاتنا إلى بعض التحرر من سطوة اللغة والبلاغة المهيمنة، وعدم الانصياع الكلى للغة الاصطلاحية والمفاهيم والنظريات المترجمة والمستعارة من حقول العلوم الاجتماعية فحسب. وإنما إلى جسارة لغوية من خلال الوصف والتسمية والتنظير المباشر للواقع وظواهره المختلفة؛ وذلك للتباينات في مستويات التطور فيما بين واقع نظمنا وتخلفنا التاريخي المركب، وبين مستويات التطور الفائق في العالم الأكثر تطورًا.

للفنان: رينيه ماجريت
للفنان: رينيه ماجريت

فحركية اللغة في الكتل اللغوية الكبرى في شمال العالم –باستثناء حالة الصين وتطوراتها الفائقة نحو القمة – تعتمد على رسوخ حريات الفكر والتعبير والبحث فى العلوم الاجتماعية والطبيعية على نحو يمنح اللغة مواردَ متجددةً تمنحها الازدهار. مع انتظار ما ستحدثه الرقمنة والذكاء الصناعي على اللغة ونظامها وابتداع لغة أو لغات جديدة مرقمنة واصطلاحية مغايرة خاصة مع ثورة الذكاء الصناعي وعالم الإناسة الآلية (الروبوتات).

هذه اللغة الجديدة ومحمولاتها الفكرية، في مجتمعاتنا الأقل تطورًا تحدِث بعض الفجوات والتوترات بينها، وبين اللغة المهيمنة التي تتجاهلها بقوة وتشكِّك فيها، وتسعى إلى إقصائها، وإزاحتها، أو عدم الاهتمام بها وبكتابها وباحثيها، إلا أن ذلك يُعبِّر في بعض وجوهه عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والرمزية المسيطرة. في هذا الإطار من التوتر والصراع اللغوى والأسلوبي،  يرى بعضُ سدنةِ اللغة السائدة وحراسها والمعبرين عنها، أن اللغة الجديدة وأساليبها تشكل خطرًا وتهديدًا لمكانتهم، وللهوية من منظورهم.

**

الأخطر أن السلطة اللغوية، والسلطة السياسية القائمة، تُبدى خشية من بروز اللغة الجديدة، لاسيما في مجال السياسة، لأن اللغة السياسية السلطوية السائدة في لحظة أو في مرحلة تاريخية تُعد جزءًا من مفهوم الاستقرار السياسي السائد لدى حرَّاسها، وجزءًا رئيسًا من خطابها السياسى والشعارى، ومن أدوات السيطرة الرمزية.

يعود ذلك إلى أنها تعتمد على إخفاء وإضمار الواقع المعيش من قهر للأصوات والخطابات المعارضة والمستقلة وأصوات الجموع المعسورة. وتحاول التغطية على واقع القهر والإذعان والغلبة، من خلال الزعم بأنها حاملة للهوية والاندماج الوطني. ومن ثم هي لغة مفارقة لواقع الحياة وقامعة لها. وتبدو هيمنتها كإحدى أدوات الهيمنة الرمزية في مجتمع متخلف.

لذا فإن مهمة كسر سياجاتها عمل شجاع لتحرير اللغة من سيطرة السلطة –أيًّا كانت سياسية أو دينية أو بطريركية أو ذكورية أو عرفية – لانها ترمي إلى انتهاك محرَّماتها المهيمِنة. ومن ثم تحريرها، وبث اللغة والأساليب الجديدة المغايرة التي تهدف إلى التفكيك والهدم والبناء من جديد. من خلال استنبات المفردات والمجازات، والتنظيرات المباشرة للواقع الموضوعي ومحمولاته ورموزه وأساطيره ومحرماته الوضعية ومتخيلاته التي تسود المخيلات الجماعية لمكونات المجتمع وطبقاته؛ لتصبح لغة المغايرة، لغة الحرية والنقد والتفكيك والتحليل الرافضة للغة السلطوية المسيطرة ورموزها.

**

من هنا كان اهتمامي باللغة بوصفها العالم الذي أعيشه في مجتمعي، ومن خلالها وعبر الحرية الفكرية والتنظير المباشر لهذا الواقع المركب، يمكن لى ولغيرى من الباحثين والكتاب الخروج على سياجات العقل المحاصر، واللغة السائدة، من خلال السعى إلى لغة وأسلوب مغايرين. على نحو ما تبدو بعض هذه الملامح في الكتب الثلاثة التى نُعيدُ نشرها مجَّمعة تحت عنوان جديدة هو تفكيك الوهم، بعد نفاد طبعاتها الأولى، منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا مضت. هذه الكتب نشرت تحت العناوين التالية:

1- خطاب الزمن الرمادى: رؤى في أزمة الثقافة المصرية، يافا للدراسات والنشر، القاهرة 1990.

2- عقل الأزمة: تأملات نقدية في ثقافة العنف والغرائز والخيال المستور، دار سينا للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة 1993.

3- الوجه والقناع: الحركة الإسلامية والعنف والتطبيع، دار سينا للدراسات والنشر والتوزيع القاهرة 1995.

**

حاولت من خلال الكتب الثلاثة وما قبلها، وما بعدها، اجتراح السائد –من لغة وأفكار وبنيات وقيم وسياسات- من أجل فهم واقعنا وإقليمنا وعالمنا، من خلال ما يمكن أن نطلق عليه اللغة الانتقالية الجديدة مع اللغة المابعدية التي واكبت التغير والتحول السياسي والثقافي.

من هنا أتصور أن هذه الكتب الثلاثة، هي أقرب إلى التزاوج بين اللغة الانتقالية التي تحدثنا عنها، ولغة المابعديات التي بدأت في الحضور في أنسجة فكر جديد لقلة قليلة من مفكري جيلنا – جيل السبعينيات (وفق التقسيم إلى عشر سنوات السائد مصريًّا)، وليس فى أدبيات دراسة الأجيال الغربية في التراث النظري العلمي الغربي- حاولت فيها مع بعضهم، فتح آفاق لغوية تتجاوز وتنتقد منظومات الأفكار المتكلِّسة والسائدة، التي تُعيد إنتاج ذاتها مع بعض التحويرات والتعديلات لكى تؤكِّد على مقولاتها ومرجعياتها، وتأويلاتها التي تجاوزها عالمنا وواقع حياتنا المتغير.

**

كان التركيز على اللغة الجديدة في قلب اللغة الانتقالية في المقال والبحث والكتاب، جزءًا من السعى وراء إنتاج الفردية والذاتية الكتابية في إطار المقاربات الموضوعية للقضايا والإشكاليات التي تتناول في الكتابة، أي إنهاء محاولة لحضور الأنا اللغوية واختياراتها في واقع سياسي واجتماعي تسوده التسلطيات السياسية والدينية والعرفية التي تحاول نفي الذوات “الفردية”-وإعاقة ميلاد الفرد في حياتنا لصالح الجموع وتهميشها وإستبعادها والنطق بأسمها، والحيلولة دون وجود الفرد كفاعل اجتماعي حر ومستقل وذي خصوصية، وحضور في الحياة ومناشطها كافة، وإنما العمل على تكريس مفهوم الجموع/ الشعب، وتحويل “الأفراد” إلى أشياء. من خلال الإقصاء والتهميش والإقصاء في هذه السياجات المحاصرة، والأطر الأخرى الشمولية في التجارب السياسية في القرن العشرين.

يرى الكاتب المجَرى امرؤ كرتيز في محاضرته بعد نيل جائزة نوبل للأدب -7 ديسمبر 2002- أنه “إذا كان العالم واقعًا موضوعيًّا موجودًا بالاستقلال عنّا، فالفرد إذًا ليس سوى تسلسل متفكك من الأشياء -بما في ذلك لنفسه- وتاريخ حياته ليس سوى تسلسل متفكّكٍ من الصدف التاريخية، التي يمكن بالتأكيد التأمُّل فيها، لكنّها لا تعنيه. ولن يستفيد شيئًا من ترتيبها ضمن مجموعة متجانسة، لأن الأنا الضدية لديه غير قادرة على تحمُّل مسؤولية العناصر شديدة الموضوعية التي قد توجد فيها”( ).إنها حالة الكتابة في ظل التشكل التاريخي والاجتماعي للفرد لكن في ظل الحصار والعزلة والإقصاء والخوف، وقمع الفرد دون فاعلية في علاقته بالواقع الموضوعي في ظل نظام شمولى بالغ القسوة.

ففي ظل التسلطيات، ثمة بعض من إمكانيات المناورة والتحرك النسبى داخل القيود المفروضة. من خلال هتك اللغة السائدة، وأنسجتها الهشة ومعانيها التافهة التى تآكلت، وذلك عبر المزاوجة بين اللغة الانتقالية واللغة الجديدة، والمناورات اللغوية، واللعب اللغوى مع السائد. ثم تركه وحيدًا مزهوًّا بقوته الزائفة وسيادته على التفكير والكتابة.

**

من هنا كشفت التجربة والتعلم والقراءة أن اللغة هي الوجود، وتتحقق من خلالها الذات الفردية العالمة، وتتبلور ذاتيتها الأسلوبية والتعبيرية. في ظل عدم القدرة نظرًا للقيود على حرية الفكر والتعبير على إمكانية ما في المساهمة على إحداث تغيير ما سياسى واجتماعى. أو تبديد الأوهام والأساطير النخبوية والشعبية الشائعة في الواقع الموضوعي الذي يبدو محمَّلًا بإرث التخلف التاريخي المركب. وذلك لسطوة الحواجز والسياسات القمعية والدينية الفقهية واللاهوتية الوضعية التابعة والمسيطرة التي تستهدف الحيلولة بين الكاتب، وقدرته ومحاولة السعي للمساهمة مع آخرين فى التفاعل مع واقعه الموضوعي، وربما المساهمة الهادفة إلى تغييره.

خلال فترة كتابة هذه الكتب الثلاثة المجمعة في هذا الكتاب، وما بعدها، بدا البُعد عن اللغة السائدة وجمودها وهشاشتها، أمر ضرورى لأنها ذات طابع خشبى محمول على الفراغ والخواء الفكري. ناهيك عن عجزها التعبيرى المكبل بأصفاد الموالاة والقيود المسيطرة. من هنا كانت إستراتيجية تهريب المعاني الجديدة عبر الاصطلاحات المستمدَّة من العلوم الاجتماعية، وتطوراتها، ودمج مقارباتها مع التنظير المباشر للواقع.

كان حراس البوابات في الصحيفة ينظرون إلى هذه اللغة الجديدة على أنها معقدة لا تُقرأ! وأن أساليبها تتسم بالغرابة، ومن ثم التعامل معها بحذر، أو بتجاهل أو بالصمت أو السخرية. وكأنها صادرة من “لاتينى لا يقرأ”، وفق مقولة الأستاذ العميد طه حسين الساخرة من بعضهم. ومع الصمت كنا لا نبالي على الرغم من تصورنا البسيط حول أن الكتابة (بهذا التجديد في صياغة اللغة)، في الشؤون السياسية والدينية والثقافية، تمثل قاطرة تجريب، وربما تحوُّل.

**

كنا نستهدف نمطًا محددًا من القراء قليل العدد، وهم قراء الثقافة العالمة، من ذوي التكوين المعرفي الرفيع، ورأينا أن إمكانيات بعض التغيير في الواقع الموضوعي ربما تتم من خلال هؤلاء. يبدو لى –وأرجو ألا أكون مخطئًا- أن هذا النمط الأسلوبى ولغته وأفكاره أحدث شرخًا في اللغة والكتابة المسيطرة –في هذا المجال، وشارك في ذلك كتاب آخرون- لتغدو بعض مصطلحاته المستمدة من التنظير المباشر للواقع، حاضرة في عديد الدراسات العربية والأجنبية، وتراكمت وأدت إلى حركية وزحزحة ما في اللغة، ومقارباتها وأساليبها، على الرغم من هيمنة اللغة المدرسية السائدة في حقول البحث السياسي والاجتماعي.

كنت أسعى إلى البحث عن المعنى في عالم متغير وسائل، ينطوى على عدم اليقين، وأحاول الكشف عن السعي المصري للبحث عن المعنى في ظل هذه الأوضاع المضطربة في الإقليم والسيولة في عالمنا.

كنت مع قلة من زملائي نسعى وننبه إلى ضرورة تجديد الدولة المصرية وهياكلها. كان جل اهتمامنا آنذاك ولا يزال ضرورة تجديد المجتمع وأنساقه الثقافية والدينية والقيمية والاجتماعية وأنماط التدين السائدة.

من هنا تعددت قضايا وإشكاليات وموضوعات الكتب الثلاثة المجمعة في كتاب “تفكيك الوهم”. ومن أبرزها أزمة القانون والدولة، بالنظر إلى تحيزاته الاجتماعية وسهولة اللجوء إلى الآلة التشريعية. وسرعان ما يتبين عدم فعالية انهمار القوانين المعبِّرة عن مصالح القوى الاجتماعية المسيطرة في بعض الأحيان. ومن ثم تبدو تحيزات المصالح الغلابة لهذه القوى المسيطرة، والفجوات بين القوانين والواقع، والمخاطبين بها. كان سعينا ربما يهتدي بمقولة وليم شكسبير “لا تجعلوا القانون كخيال المآتة، يخيف الطيور الضعيفة، بل حافظوا عليه حتى يصبح عادة وليس سيفًا مسلَّطًا”. وذلك من خلال تعبيره عن مصالح اجتماعية أوسع نطاقًا من القوى المسيطرة.

**

ولقد أسهمت المصادر القرائية المتعددة في العلوم الاجتماعية، والأدب، والتكوين البصري مع متابعة الفنون التشكيلية، والموسيقى في تحريك لغتنا وعقلنا، على نحو أدى إلى تشكيل لغتنا الخاصة، وتغايرها الأسلوبى على نحو ما يظهر بعضها فى هذا الكتاب المجمع.

لم تكن قد ظهرت بعد وسائل التواصل الاجتماعى، واجتياح فيالق الحمقى وفق أمبرتو إيكو لهذه الوسائط -فيسبوك، وتويتر، وإنستجرام… إلخ، ومعهم فيضانات من الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة، والشائعات، واللغة العارية والبذيئة، والانتقادات المجانية، وأحكام القيمة المعيارية التافهة والتعميمية، وأشكال من اللغو والثرثرة، والحمق والتعصب والكراهية والسطحية التى تبدو من ثنايا الجهل. ما أحدث تغيرًا نوعيًّا في اللغة والكتابة بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعى. فأصبحنا نعيش وسط مسارح للغالبية تمارس تمثيلات الانكشاف والتعرِّى، والتعبير عن ذوات هشة، مولَعة بصورها وحضورها على الواقع الافتراضى.

لاشك أنها مرحلة في تطور حياة الكتابة، محمَّلة بسلبيات كثيفة، وستؤثِّر على اللغة بما فيها الرقمية، وهي حالة تشكِّل إعصارًا وراء آخر من محاولات تعبير مستخدمى هذه الوسائط للتعبير والحضور للذات في عديد الأشكال. في هذا الإطار ذهب آلآن باديو إلى أنه “وبالمناسبة سيحتاج المرء إلى أن يُظهر وبلا هوادة أن ما يسمى بـ”وسائل التواصل الاجتماعى” قد أثبتت مرة أخرى أنها تفوق –إلى جانب دورها في تثخين جيوب الأثرياء- كل مكان لنشر الشلل الذهنى، أو الشائعات غير المتحكم بها أو اكتشاف دور “المستجدَّات” القديمة أو حتى الظلامية الفاشية. دعونا لا نمنح المصداقية إلا للحقائق التي يمكن التحقُّق منها بواسطة العلم ومنظورات مؤسسة لسياسة جديدة ولتجاربها المحددة، وكذلك أهدافها الإستراتيجية”.

**

من هنا يبدو الوجل من قِبل بعض الفلاسفة والمفكرين من اجتياح التفاهة والأكاذيب والكراهية والعنف والإرهاب. ومن حالة هذه المواقع الراهنة، وما يجرى عليها وداخلها، وذلك على الرغم من أنها فتحت أبوبًا أمام حريات التعبير على المجال العام الافتراضى، وتداخل فيها رجال السياسة، وغيرهم. ثمة حاجة موضوعية إلى مقاربات ونظرات نقدية مغايرة، وبحوث وتحليلات مختلفة ومستمرة قادرة على سبر الظواهر الرقمية وانعكاساتها سواء على المجال العام الافتراضى الكونى والإقليمى الوطنى، أو ارتداداتها على الواقع الرقمى ذاته والفاعلين في عوالمه المتعددة.

نحتاج أيضًا إلى متابعة التطورات فى الذكاء الصناعى وأثرها على الشرط الإنسانى والوجود والطبيعة الإنسانية، خاصة مع نمو الآناسة الآلية Robots، في إنتاج أفكار وظواهر جديدة تمامًا على حياة اللغة والفكر والكتابة، ودخولها مجال الكتابة والتفكير، وانعكاسات ذلك على الظواهر السياسية والاجتماعية. وفي مجال التطور الجيني، وإنماء الذكاء الإنسانى مع ابتكارات الذكاء الصناعى وتداخلها في الجسد الإنسانى، وأثرها على الفكر واللغة والصحة… إلخ، خاصة في ظل التحول إلى ما بعد الأناسىّ، وفق بعض الفلاسفة والعلماء.

عالم مختلف يتخلَّق فى ظل الغموض وعدم اليقين، والسؤال الذى لا إجابة له:

أين نحن من كل هذه التغيرات والتحولات؟!

اقرأ ايضا:

عماد أبو صالح: معرض الكتاب المضاد

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى