مهنة تقاوم الاندثار.. فن صناعة السروج في شارع الصوفي بالفيوم

قطع مبعثرة من الجلود بعضها وضع فوق بعضه، حوائط الورشة قديمة تختلط فيها رائحة الرطوبة برائحة الجلود الممزوجة برائحة قش الأرز التي تنبعث من المكان، وأمام أدوات يدوية يجلس بعض العمال، يؤدي كل واحد منهم مهمة معينة، في منطقة الصوفي القديمة، والتي تعمل فيها أسر كاملة في صناعة السروج.

شارع الصوفي

تقع أغلب الورش التي تعمل في تصنيع السروج منذ فترات طويلة في منطقة الصوفي بالفيوم، وتحديدا شارع الصوفي العريق الذي يقع على امتداد درب الروبي من الجهة الغربية، والذي ورد ذكره في خريطة الفيوم عام 1933م، فقد ذكرت أسماء شوارع ثلاثة في هذه المنطقة وهم شارع  الصوفي الغربي، وشارع الصوفي البحري، وشارع الصوفي الأوسط وهو المشار إليه في الوثائق الشرعية.

أحمد حمدي صوفي سروجي
أحمد حمدي صوفي سروجي – تصوير منال محمود

يقول أحمد حمدي صوفي 29 سنة، وحاصل على دبلوم فني، أعمل في هذه المهنة مع والدي منذ طفولتي ولا أعرف مهنة أو حرفة غيرها، لذلك أري أن من واجبي المحافظة عليها من الاندثار فنحن في صراع مع الزمن، أعمل في الورشة مع والدي أنا وأخوتي لإنتاج كل احتياجات السروج البلدية أي تلك التي تستخدم للخيول والبغال والحمير التي تجر عربات الكارو.

ويضيف، يتنوع إنتاجنا ما بين الرقبية، وهي التي توضع حول رقبة الحصان أو الحمار، والتكاية والسرج والسرع والنظارة، مشيرًا إلى أن منتجهم يختلف عن منتج السروجي الأفرنجي أو سروجي الخيل وهو الذي يعمل فقط في تصنيع السروج الخاصة بالخيل والفروسية.

مواصلات الفيوم قديمًا

كانت الدواب في الفيوم هي وسيلة المواصلات الأولي ليس في القرى فحسب بل في المدينة أيضًا، ثم تطور الأمر وظهرت الكارتة فقد تم العثور على صور قديمة للفيوم تظهر سير كارته في الشارع إلى جانب امتطاء البعض للدواب، وكان منظرًا مألوفًا رجلًا يمتطي حمارًا ويسير به في أحد شوارع المدينة، لكن المظهر الأحدث والذي ارتبط بالمكانة الاجتماعية هو اقتناء بعض الأسر للكارته لكن الحنطور كان وسيلة نقل هامة لباقي المواطنين.

وفي عام 1870 بدأ دخول السكة الحديد إلى الفيوم، حسبما ذكر في كتاب “تاريخ الفيوم” لإبراهيم رمزي، وكانت البداية خط يصل ما بين الفيوم والواسطى، ثم تم إنشاء الخطوط الداخلية بالمحافظة مثل محطة سيلا وابشواي وسينرو والعدوة وسنورس، ولكن لم يمنع القطار كوسيلة مواصلات حديثة من استمرار استخدام الدواب والحناطير داخل مدينة الفيوم قديمًا، إلى أن تطور الزمن وتطورت المدينة ومنذ بداية ظهور السرفيس ودخول التاكسي في بداية الألفينات أصبح الحنطور الآن للسياحة والتنزه فقط.

أبو عبدالله جمعة السروجي
أبو عبدالله جمعة السروجي – تصوير منال محمود
متحف للمهن التراثية

ينادي المعلم صاحب الورشة على أحد العمال، مع الإشارة إليه بأنه مثقف وهو من سيجيب على ما تريدون معرفته، حيث يدخل الورشة رجل أربعيني، قدمه عمال أصغر منع عمرا بلقب أبو عبدالله جمعة، مدرس بالأزهر وصنايعي قديم بالورشة، قبل أن يقول “أنا من منطقة الصوفي، نشأت في شارع كانت فيه العيد من ورش السرج والبرادع، تعلمت تلك الحرفة منذ الصغر، كنت أشاهد الإقبال الكثيف على شراء ما ننتجه، زبائن وعملاء الورشة لم يكونوا من الفيوم فقط بل كان لدينا عملاء من محافظات الصعيد وبحري أيضا”.

ويضيف جمعة أنه بعد ظهور الترويسكل وعربات النقل الصغيرة لم يعد الطلب على عربات الكارو لاستخدامها في النقل كما كان في السابق، وهو ما أجبر بعض العربجية على شراء جرار زراعي صغير يستخدم في العزيق ليكون جرار يجر خلفة العربة الكارو، وبالتالي قل الشراء، والآن نعمل فقط على تلبية احتياجات الفلاحين في القرى، وعلى سائقي الكارو أو “العربجي” الذي يبيع الفاكهة على العربة الكارو.

ويطالب جمعه بضرورة الحفاظ على تلك الحرفة من الاندثار والحفاظ عليها كمهنة تراثية، مشيرا إلى أن ابنه في الجامعة ويعمل في هذه الحرفة أيضا، وأنه شاهد خلال زيارة للمتحف الزراعي نماذج من السرج ومستلزمات الخيول، وتبادر إلى ذهنه ضرورة أن تقوم جهة تنفيذية ما بعمل متحف للمهن التراثية الفيومية.

حمدي صوفي صاحب ورشة سروجي بالفيوم
حمدي صوفي صاحب ورشة سروجي بالفيوم – تصوير منال محمود
قش الأرز يهدد المهنة

يجلس حمدي صوفي، صاحب إحدى ورش السرج القديمة في الفيوم، في آخر الورشة في هدوء المعلم الكبير الذي تسير الحركة داخل الورشة بإشارات من يديه وإيماءات من رأسه وبعض الأوامر قليلة الكلمات، وفي يده بعض من قش الأرز، يقربه منا وهو يقول “مهنتنا فيها فن فهي يدوية في المقام الأول، وتخرج من هذه الورشة على يدي أكثر من 120 صنايعي سروجي، صنعتنا تعتمد على خامات وأدوات لم تتغير منذ القدم مثل الجلود وقش الأرز وهما أساسيان، ولكن لارتفاع أسعار الجلود  نستخدم أحيانا خامات أقل مثل المشمع، والبلاستيك، والقماش، وفضلات مصانع السجاد، لأن جميعها يناسب أحوال بعض الزبائن كونها أقل في السعر.

ويكمل صوفي، أكثر ما نعاني منه هو قلة قش الأرز حيث إن زراعة الأرز ممنوعة في الفيوم حسب قرار وزارة الزراعة للحفاظ على مياه الري، فقد كنا في الماضي نذهب إلى الحقول ونقوم بشرائه بأسعار قليلة جدا، حيث كان غالبية الفلاحين يقومون بحرقه، الآن نضطر إلى شرائه من محافظات وجه بحري، حيث أن استخدام الكارينا بديلا عنه مكلف جدا في السعر إضافة إلى عدم جودة المنتج.

الست أم أحمد تعمل في مهنة السروجي بالفيوم
الست أم أحمد تعمل في مهنة السروجي بالفيوم – تصوير منال محمود

“بساعد جوزي والشغل مش عيبه”.. تقول أم أحمد زوجة المعلم حمدي عندما سألناها عن تلك المهنة التي لا يعمل بها سوى الرجال، مضيفة “أقوم بمهمة الخياطة فقط وعملي على ماكينة الخياطة، وهي من الأشياء الحديثة التي تم إدخالها على الحرفة، حيث أقوم بعمل الجزء الغير يدوي في السرج، وأعمل ما يقرب من 9 ساعات داخل الورشة، كما تعمل أبنتي أيضًا.

خالد أحمد على صاحب ورشة سروجي بالفيوم
خالد أحمد على صاحب ورشة سروجي بالفيوم – تصوير منال محمود

سروجي خيل” الأدب” والفروسية

خالد أحمد على، صاحب الورشة الوحيدة في الفيوم التي تنتج سرج الخيل، يقول “أعمل في تلك المهنة منذ الصغر، وفضلت إنتاج  سرج  خيل”الأدب” والفروسية، مشيرا إلى اختلاف زبون سرج الخيل عن زبون السرج البلدي حيث يشتري الأول السرج كنوع من الفخامة للحصان، فقد يكون مطعمًا بفضة أو بمعدن، كما أن شغل الخيل مختلف فالذي يصلح لخيل الفروسية لا يصلح لخيل الركوب العادي، ويتم تصنيع السرج بشكل نهائي بعد استخدام بعض منتجات النجار والحداد وصانع الجلود والمدابغ، فأنا أصنع داخل الورشة الرأس والسرع، الأصعة ، الفوطة ،الركاب ،الزخمة، الحزام، الصدرية ، وغيرها من أدوات.

وعن مراحل إنتاج سرج يقول خالد “يمر إنتاج أي سرج بعدة خطوات، تبدأ بتجهيز قالب الخيش، ثم يتم تركيب القالب علي هيكل من الخشب أو الحديد، ثم يعبأ القالب بالأسفنج أو القطن، ثم تبدأ عملية تركيب اللباد الذي تتم خياطته، وتوضع عليه طبقة من الجلد أو القطيفة، ونقوم بعد ذلك بزخرفتها  برسم رسوم شعبية يدوية رائعة، وأحيانا يطلب البعض وضع قطع معدنية ذهبية أو فضية، وهناك من يريد كتابة اسم معين على السرج مثل اسم العائلة أو الفارس.

أما عن الألوان المستخدمة يشير خالد إلى أن اللونين الأسود والبني من السرج المصنعة من  الجلد الطبيعي واللباد يستخدمان دائما لخيل الفروسية، بينما الألوان الزاهية مثل الأحمر والأزرق والبنفسجي وغيرها فهي الألوان التي يفضلها بعض اللذين يقتنون خيولًا ويحبون ركوبها ويسعون إلى إضفاء مظهرًا مميزا لخيولهم، كما يفضل تلك الألوان أيضًا من يتعاملون مع خيل الأدب” الخيل الراقص” مع إضافة بعض الحلي مثل  الخلاخيل والأعقاد للحصان لتحسين مظهره والتباهي به كما يزين ايضًا السرج ببعض الخيوط والعقد اليدوية والدلايات.

وعن مهنة السروجي الأفرنجي، يقول الأسطي خالد “ابني محمد طالب جامعي بعمل في هذه المهنة وقام بإنشاء صفحة على الفيسبوك لنشر إنتاجنا وتعريف الناس به، وسأعلم كل أولادي هذه المهنة ولن نتركها ما حيينا”.

صور| درب الروبي.. أقدم مناطق الفيوم

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى