دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

مهرجان التدوين السينمائي.. كيف سجّل المخرج «سعد نديم» التحولات التاريخية والإنسانية؟

افتتح أمس الأربعاء مهرجان منصات للأفلام بوسط البلد، من خلال معرض «التدوين السينمائي» الذي يستضيفه فضاء The Factory. المعرض، الذي يستمر حتى يوم السبت 23 من الشهر الجاري، لا يقف عند حدود استدعاء النوستالجيا، بل يقدم قراءة بصرية حول ممارسات الأرشيفات المستقلة في مصر، إذ يطرح أسئلة حول كيفية تحويل المواد البصرية والورقية المهملة إلى وثائق يمكن من خلالها إعادة تأريخ السينما المصرية، وذلك من خلال عرض وثائق ومقتنيات نادرة من «سيماتيك – مركز الفيلم البديل»، و«وكالة بهنا للأفلام» بالإسكندرية، و«مؤسسة نديم للتراث».

مساحات مشتركة

تأتي فلسفة المعرض باعتبارها محاولة لاستدعاء الأرشيفات القديمة، والتعامل مع السينما ككائن حي ومساحة مشتركة تجمع بين الذاكرة والخيال، لربط الماضي بالمستقبل. حيث يطرح القائمون على المعرض رسائل مفادها أن السينما المصرية لم تكن، منذ لحظة ولادتها في نهايات القرن التاسع عشر، مجرد وسيط لالتقاط الحركة، بل نتاج قرون من التراكمات المعرفية والاختراعات البصرية والتبادلات الثقافية.

فمنذ أن مهدت ثورات الاتصال والمواصلات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر العين البشرية لمفاهيم النسخ الميكانيكي وإدراك الحركة، بدا أن هناك استعدادًا لتلقي الصور المتحركة والتعامل معها كأداة لتسجيل الواقع وإعادة تخيله في الوقت نفسه. ولم تمر سوى أشهر قليلة على العروض التجريبية الأولى للأفلام التسجيلية والإخبارية في باريس، حتى وصلت هذه الوسائط إلى القاهرة، لتنطلق داخل مجتمع منفتح على الوسائط الجديدة، حيث بدأ الرواد والمؤسسات الأهلية في تشكيل هوية السينما، قبل أن تتحول السينما التسجيلية في مرحلة ما بعد الاستعمار إلى أداة مركزية للمقاومة، لصون الهوية، ومقاومة كافة أشكال الاستعمار.

اقرأ أيضا:مأساة الأزبكية والإمام الشافعي.. كيف تعيد العمارة قراءة تاريخنا؟

مقاومة سلطة الحجب

تأتي فكرة المعرض على فرضية أساسية مفادها أن السينما لم تكن معزولة عن محيطها. فالأرشيف، وفقًا لهذه الرؤية، ليس مستودعًا رسميًا مغلقًا، ولا يخضع لسلطة الحجب، بل هو عملية مستمرة وممارسة نقدية واجتماعية تتشكل كلما أُعيد استخدام الوثيقة وقراءتها.

ويظهر ذلك بوضوح في جناح “سيماتيك – مركز الفيلم البديل”، الذي تأسس في القاهرة عام 2012 كمنصة مستقلة متعددة الاستخدامات، تؤمن بتنوع السينما كشكل فني وتبحث عن خلق بيئة مفتوحة للتعلم والتبادل. ولا يكتفي “سيماتيك” بحفظ النيجاتيف والشرائط القديمة. بل يبرز أيضًا الأرشيفات الشخصية والعائلية التي نجحت المبادرات المستقلة في إنقاذها.

اقرأ أيضًا: بين درب اللبانة وشارع النبي دانيال.. تجارب معاصرة في ترميم المدن التاريخية

ذاكرة سعد نديم الحية

تعرض “مؤسسة نديم للتراث” صورًا فوتوغرافية لقطات من أفلام مصرية أثناء عمل سعد نديم كمساعد مونتير في ستوديو مصر خلال منتصف الأربعينيات وحتى الخمسينيات. كما تعرض مجموعة صور من فيلم “عدوان على الوطن العربي”، وهو فيلم من إخراج سعد نديم، وتُظهر الصور نزوح اللاجئين الفلسطينيين عبر نهر الأردن عام 1967.

وتظهر كذلك لوحات لفنانين مثل عبد الغني أبو العينين، ولوحة “أبو سمبل البلد” للفنان أحمد رفعت، وأخرى لبيكار وناجي كامل، والتي جرى استخدامها في فيلم “حكاية من النوبة”، الذي صُوّر بتكليف من وزارة الثقافة بهدف توثيق الفن والحياة في النوبة، وهو أيضًا من إخراج سعد نديم عام 1963.

ومن ضمن أرشيف نديم يظهر تصريح مصلحة السياحة والدعاية لتصوير فيلم عن مصيف الإسكندرية، من إخراج سعد نديم عام 1950، إلى جانب شارات تحمل اسمه أثناء انضمامه للجنة التحكيم بمهرجان لايبزيج بألمانيا في ستينيات القرن الماضي.

كما يوثق المعرض تجربة مهمة تتمثل في “وكالة بهنا”، والتي كانت في الأصل مقرًا لشركة “بهنا فيلمز”، إحدى أهم شركات إنتاج وتوزيع الأفلام خلال القرن العشرين.

ذاكرة السينما

لا يغفل المعرض الممارسات المستقلة، إذ يلتفت إلى الأفراد والرواد الذين خاضوا معارك مبكرة ومجهولة لحفظ ذاكرة السينما، حيث يتم الاحتفاء بالناقد الراحل عبد الحميد سعيد (1915–2007)، الذي عمل منذ مطلع الخمسينيات في المركز القومي للسينما التابع لوزارة الثقافة، وعُرف بمحاولاته المستمرة لتأسيس أرشيف سينمائي قومي في مصر. ولم تنفصل جهوده المؤسسية عن نشاطه المستقل كعضو مؤسس لنادي السينما، وفاعل بارز في جمعية نقاد السينما المصريين.

ويضم المعرض أيضًا مراجعة لأهم المطبوعات والكتب والمجلات التي شكّلت الوعي السينمائي في مصر والمنطقة العربية عبر عقود، إذ يتاح للزائر الاطلاع على أمهات الكتب والموسوعات مثل “موسوعة الأفلام العربية” و”القاموس الموسوعي للمصطلحات الثقافية” للدكتور ثروت عكاشة.

كما تشمل المعروضات دراسات نقدية مثل كتاب “السينما عبر الثقافية” لديفيد ماكدوغال، و”كيف تناور: النصوص متغيرة الأشكال وتكتيكات النشر الأخرى”، إلى جانب كتب تؤرخ للسينما الصغرى وسينما الهواة في شمال إفريقيا وتونس في أوائل السبعينيات، مثل أبحاث رافائيل كومو وماريا بوريو، ودراسات تاريخية تتناول قضايا المرأة والنجمات في العصر الذهبي، مثل كتاب “منتصف الليل في القاهرة: نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة” لرافائيل كورماك، فضلًا عن كتب نقدية مثل “النقد السينمائي في الصحافة المصرية” لمؤمن المحمدي، وكتاب “50 سنة نقاد السينما المصريين.. في حراك الثقافة السينمائية” الصادر عن جمعية نقاد السينما المصريين.

اقرأ أيضًا:بين«الأبوكريفا» والوصفات الطبية القديمة.. قراءة في مخطوطات جامعة مانشستر

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.