من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟
في صحراء أسيوط يكمن عالم طبيعي نادر، حيث تحتضن «محمية الوادي الأسيوطي» حياة برية ونباتية وجيولوجية فريدة، ومتحفا حيا يوثق تنوع البيئة والصخور والحفريات، ليقدم للزائر رؤية دقيقة وعلمية عن الصحراء كما هي. كل زاوية من هذا المكان تحكي قصة عن التكيف والبقاء والتوازن البيئي، ما يجعل المحمية نموذجا فريدا لفهم الطبيعة وحمايتها للأجيال القادمة.
متحف صغير
يقول الدكتور إبراهيم محمود أحمد نفادي، أستاذ قسم النباتات والميكروبيولوجي بكلية العلوم – جامعة أسيوط ومدير محمية الوادي الأسيوطي، إن المتحف الصغير الموجود داخل المحمية، والخاص بالحيوانات المحنطة، جاء نتيجة اجتهادات شخصية من الباحثين بهدف الحفاظ على الحيوانات المحنطة والعينات النادرة التي تحتوي عليها المحمية، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل محاولة جادة لتوثيق التنوع البيئي وحمايته من الاندثار.
ويضيف لـ«باب مصر»: “حرصنا على الحيوانات المحنطة باعتبارها عينات حقيقية من الحياة البرية داخل المحمية. ويشرف على هذا العمل مجموعة من الباحثين المتخصصين. وقد تقدمنا بالفعل بطلب إلى الوزارة لإنشاء متحف كبير يضم جميع العينات النادرة والمحنطة الموجودة بالمحمية. لتكون نموذجًا حيويًا وفريدًا على مستوى المحميات الطبيعية في مصر”.
وأوضح نفادي أن هذا المتحف، رغم صغره، يضم محتوى علميًا وبيئيًا ثريًا. يعكس قيمة محمية الوادي الأسيوطي كموقع فريد للتنوع البيولوجي.
حيوانات برية نادرة
تحتضن محمية الوادي الأسيوطي ستة أنواع رئيسية من الحيوانات البرية. من بينها الغزال المصري، الذئاب، الضباع، الثعالب، الأرانب، النمس، إلى جانب عدد من القوارض.
ومن بين القوارض يبرز فأر ريشي الذيل، وهو أحد الحيوانات المحنطة المعروضة داخل المتحف. ويعد من الكائنات التي تعيش في الصحراء فقط، ما يعكس خصوصية البيئة الصحراوية للمحمية. كما يحتوي المتحف على فك لنوع من الأبقار كانت قد افترستها الذئاب داخل المحمية. وتم تحنيط بقاياها وعرضها باعتبارها دليلًا طبيعيًا على السلسلة الغذائية والتفاعل البيئي داخل المحمية. كما توجد جمجمة لذئب يعرف باسم “ابن آوى”، وهو أحد الحيوانات المفترسة من فصيلة الكلبيات.
ويوضح الدكتور نفادي أن آبن أوى يتميز برشاقته وذكائه الشديد، وله صوت حاد، وينتشر بكثافة دخل المحمية. ويؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن البيئي. ويضيف أن “ابن آوى”، حيوان ليلي، يظهر غالبًا للبحث عن فريسته. ولا يهاجم الإنسان إلا في حالات نادرة جدًا، كأن يكون الإنسان منفردًا في الصحراء. أو إذا كانت مجموعة من الذئاب تعاني من الجوع الشديد.
تنوع مذهل للكائنات
لا يقتصر المتحف على الثدييات فقط، بل يضم مجموعة واسعة من الكائنات المحنطة. من بينها القنفذ، وهو من الحيوانات المنتشرة في مصر، إلى جانب الضب المصري، أحد الزواحف المتوطنة في الصحاري المصرية. كما يحتوي المتحف على خفافيش محنطة، وهي كائنات تعيش داخل كهف أو مغارة. بالإضافة إلى نوع آخر من الزواحف يعرف بـ”الطريشة”، وقد تم رصد 15 نوعًا منها داخل المحمية.
ومن أخطر المعروضات الكوبرا المحنطة، وهي من الزواحف السامة شديدة الخطورة، ما يعكس تنوع البيئة الصحراوية وقسوتها في آن واحد. كما يضم المتحف حيوان النمس، المعروف بحاسة شم قوية جدًا. إضافة إلى فك لحصان تم تحنيطه، وهو الآخر من بقايا طعام الذئاب داخل المحمية. ليقدم المتحف صورة واقعية لدورة الحياة والصراع من أجل البقاء في البيئة البرية.
قصة الحفريات
من القطع النادرة داخل المتحف حفرية محنطة توضح رحلة تحول الكائن الحي إلى حفرية، وهي عملية تستغرق آلاف السنيين. ويشرح الدكتور نفادي أن الحيوانات تُدفن في نوع خاص من الرمال، لتحل مادة “السيليكا” محل المياه والمواد العصارية داخل الجسم. فيتحول الكائن تدريجيُا إلى صخر، وهو أحد أشكال الحفريات الطبيعية.
ولا تقتصر معروضات المتحف على الكائنات الحية فقط، بل تشمل أيضًا تنوعًا فريدًا من الصخور التي تم جمعها من داخل المحمية وعرضها في قاعة مخصصة.
ومن بين هذه الصخور شعاب مرجانية، ما يثير تساؤل الزائر: كيف توجد شعاب مرجانية داخل محمية صحراوية؟ والإجابة، كما أوضح الباحثون، أن محمية الوادي الأسيوطي كانت قديمًا قاع بحر. حيث كان البحر الأبيض المتوسط يمتد حتى قنا خلال العصر المطير، منذ ملايين السنيين.
ووجود هذه الشعاب المرجانية يؤكد أن المنطقة كانت مغمورة بمياه مالحة، وهي البيئة الوحيدة التي تعيش فيها الشعاب المرجانية. كما يضم المتحف نوعًا نادرًا من الألباستر “المرمر”. وهو الحجر الذي كان يستخدمه الفراعنة في صناعة التماثيل والتحف، ويتميز بقدرته على التحول بصريًا عند تسليط الضوء عليه.
الغزال المصري
يقول نفادي إن من أهم الكائنات الحية داخل المحمية الغزال المصري، وهو من الحيوانات المهددة بالانقراض، ويعد أحد الكنوز البيئية النادرة بالمحمية. وقد تم رصد 13 غزالة داخل نطاق المحمية، تظهر أحيانًا منفردة وأحيانًا في مجموعات صغيرة تضم ثلاثة أو خمسة أفراد، في مشهد يعكس هشاشة هذا النوع وضرورة حمايته.
ويوضح أن المحمية تعمل على إكثار الغزال المصري، فهو بمثابة النوع المستهدف (Targt species) بالنسبة للأنواع الحيوانية بالمحمية. حيث توفر إدارة المحمية الظروف الطبيعية لمعيشته. من خلال توفير المياه بإقامة العديد من الأحواض المائية في أماكن مختلفة بعمق المحمية، وتوفير الغذاء بزراعة نباتات يفضلها كالمرخ والسنط. وذلك في ظل التغيرات المناخية التي أثرت على معيشة هذا النوع. فضلًا عن الحماية التي توفرها إدارة المحمية من أي أعمال من شأنها تهديده في بيئته الطبيعية أو المساس بموائله الطبيعة.
بذور نادرة ونباتات طبية
يتابع الدكتور نفادي أن المتحف أيضا يضم نماذج من بذور النباتات البرية، بلغ عددها 66 نوعًا نادرًا، جمعت على يد باحثين متخصصين. وتم حفظها وعرضها لزوار المحمية. وتعد هذه النباتات ذات أهمية كبيرة. لما لها من فوائد طبية وعلاجية، ما يفتح آفاقًا للبحث العلمي والاستفادة المستدامة منها من قبل الباحثين والمهتمين بها.
وينتشر هذا النوع من السلاحف في الصحاري المصرية الساحلية المطلة على البحر المتوسط وسيناء. وتشير البيانات إلى أنها أصبحت نادرة جدًا، أو قد تكون انقرضت تمامًا بالصحاري الساحلية الغربية لمصر. ويقطن هذا النوع الصحاري الرملية ذات الكساء النباتي المطلة على ساحل البحر المتوسط، شرق وغرب دلتا النيل. ويتغذى على النباتات الموجودة في تلك الصحاري، ويضع بيضه في شهر يونيو من كل عام.
نتائج عمليات الرصد بالمحمية
يقول نفادي إنه تم حتى الآن رصد 357 نوعا داخل المحمية، وجاري استكمال عمليات الرصد. وقد تم تحديد 66 نوعا من النباتات البرية، و6 أنواع من الثدييات تشمل الغزال، الضباع، الذئاب، الثعالب، الأرانب، والقوارض. كما تم رصد 15 نوعا من الزواحف، تشمل 4 أنواع من الثعابين، 4 أنواع من السحالي، 4 أنواع من الأبراص، نوعين من الحرادين، ونوع من الورل.
وتابع أنه تم أيضًا رصد 78 نوعا من الطيور المقيمة والمهاجرة، و87 نوعا من الحشرات، و105 أنواع من الفطريات. ما يعكس التنوع البيئي الغني بالمحمية. ويؤكد أن متحف التحنيط بالمحمية يشهد إقبالًا يوميًا من الزائرين. خاصة طلاب المدارس والجامعات، الذين يحرصون على التعرف عن قرب على مكونات المحمية وما تضمه من حيوانات محنطة ونماذج جيولوجية ونباتية نادرة.
ويختتم مدير المحمية حديثه بأن الزيارات لا تقتصر على الجانب التعليمي فقط، بل تمثل تجربة ممتعة للطلاب. حيث يتفاعلون مع الطبيعة ويستمتعون بكل ما تحتويه المحمية من توعية بيئية فريدة. ما يسهم في رفع الوعي البيئي لدى الأجيال الجديدة وتعزيز ارتباطهم بالطبيعة.
اقرأ أيضا:
«النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين
«صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية
غرفة صغيرة وأحلام كبيرة.. تجربة «شيماء عز العرب» في صناعة الشموع






