من زيورخ إلى نيويورك.. كيف وصلت 12 قطعة آثار مصرية مسروقة إلى متحف المتروبوليتان؟
كشفت القطع الأثرية الثلاث عشرة التي استعادتها مصر من الولايات المتحدة خيوطًا جديدة في شبكة معقدة من الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، امتدت عبر قارات عدة واستمرت لعقود. وبينما أعلنت السلطات الأمريكية إعادة القطع، التي تُقدر قيمتها بنحو مليوني دولار، برز اسم متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك مجددًا، بعدما تبين أن 12 قطعة من الآثار المستردة كانت ضمن مقتنياته قبل أن تصادرها السلطات المختصة.
وتقود مسارات الملكية الخاصة ببعض هذه القطع إلى شخصيات وتجار آثار سبق أن ارتبطت أسماؤهم بتحقيقات وقضايا مثيرة للجدل، كما تكشف عن دور صالات عرض أوروبية ظلت لسنوات طويلة نقطة عبور لآثار منهوبة وصولًا إلى متاحف ومجموعات خاصة حول العالم. ومن بين هذه الأسماء تبرز «جاليري نيفر» في زيورخ، التي ظهر اسمها في ملفات استرداد آثار مصرية وإيطالية.
12 قطعة في متحف المتروبوليتان
أعلن المدعي العام لمنطقة مانهاتن، ألفين إل. براج الابن، عن استعادة مصر 13 قطعة أثرية تُقدر قيمتها الإجمالية بنحو مليوني دولار. وكانت 12 قطعة منها ضمن مقتنيات متحف المتروبوليتان للفنون قبل أن يصادرها مكتب المدعي العام في وقت سابق من هذا العام.
وبحسب البيان الرسمي لمنطقة مانهاتن، جاءت مصادرة القطع الثلاث عشرة نتيجة تحقيقات جنائية في ثلاث شبكات منفصلة لتهريب الآثار. ويشير البيان إلى أنه، رغم التقدم الكبير الذي أحرزه المكتب في تفكيك شبكات الاتجار الواسعة، فإنه لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به.
لم يوضح البيان المقصود من هذه العبارة، لكن لفت إلى وجود المزيد من الآثار المنهوبة التي يتوجب إعادتها إلى بلادها. وجاء في البيان: “لا ينبغي أن تمتلئ المتاحف والمعارض في مانهاتن بالقطع الأثرية الثقافية المنهوبة أو المسروقة”. وجاء استرداد هذه القطع في ظل شراكة التعاون بين الولايات المتحدة ومصر، التي استمرت على مدار 15 عامًا، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
اقرأ أيضًا:عشرات الآثار المصرية تغادر المتحف البريطاني للهند.. وحجر رشيد في الواجهة| ما القصة؟
قطع استردتها مصر
من بين القطع التي أعيدت إلى مصر تمثال “عنخ إن نفر” المصنوع من قطعة واحدة من الخشب، والذي يعود تاريخه إلى الفترة ما بين 690 و650 قبل الميلاد.
ويصور التمثال أحد المسؤولين المصريين القدماء، وبحسب مقاطعة مانهاتن، جرى تهريبه من مصر في أواخر ثمانينيات القرن الماضي على يد تاجر الآثار الباريسي جان لويس دوميرك. ثم نُقل إلى نيويورك على يد تاجر الآثار المدان إد ميرين، قبل أن يُباع في نهاية المطاف إلى متحف المتروبوليتان للفنون عام 1993.
يعود التحقيق مع تاجري التحف والفنون إدوارد ميرين ونجله صامويل ميرين، مالكي معرض «ميرين» في نيويورك، إلى عام 2005. وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ذا آرت نيوزبيبر” عام 2005، تعلقت التهم بالاحتيال على عملاء كبار والاستيلاء على ملايين الدولارات عبر صفقات بيع أعمال فنية.
زيادة العمولات
بحسب لائحة الاتهام، باع التاجران قاما على مدار نحو عشر سنوات قطعًا فنية لزوجين من جامعي التحف مقابل أكثر من 63 مليون دولار، مع تقديم معلومات غير دقيقة بشأن التكلفة الحقيقية للأعمال الفنية المباعة.
وأكد الادعاء أن المتهمين كانا يبالغان في قيمة أسعار الشراء الأصلية للقطع الفنية، ما أدى إلى زيادة العمولات والمبالغ التي دفعها المشترون. وتضمنت الاتهامات تهمة التآمر لارتكاب احتيال بريدي، وثلاث تهم احتيال مرتبطة باستخدام وسائل النقل والتراسل التجاري بين الولايات الأمريكية. ولم تكشف وثائق المحكمة عن هوية المشترين، إلا أنهم وُصفوا بأنهم من كبار جامعي التحف في نيويورك.
وأشارت التحقيقات إلى وجود اتفاق بين الطرفين منذ أواخر الثمانينيات يقضي بأن يدفع المشترون التكلفة الفعلية للعمل الفني مضافًا إليها عمولة محددة تتراوح بين 10% و20%، غير أن الادعاء أكد أن التاجرين خالفا هذا الاتفاق عبر تضخيم أسعار الشراء الحقيقية لعدد من القطع الأثرية.
اقرأ أيضًا: صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات
إيزيس- أفروديت
من بين القطع التي استردتها مصر تمثال “إيزيس-أفروديت“، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي تقريبًا، هو تمثال من الطين المحروق يجسد مزيجًا بين الإلهة المصرية إيزيس والإلهة اليونانية الرومانية أفروديت. وعُرض التمثال لأول مرة عام 1991 في “جاليري نيفر” قبل بيعه إلى متحف المتروبوليتان للفنون.
أما القطعة الثانية التي استردتها مصر فهي أنبوب كحل على شكل قرد، يعود تاريخه إلى الفترة ما بين 1550 و1450 قبل الميلاد، وهو عبارة عن وعاء لمستحضرات التجميل مصنوع من الحجر المزجج. وبحسب بيان مقاطعة مانهاتن، ظهر الأنبوب لأول مرة في معرض «جاليري نيفر» السويسري، المملوك لفريدا تشاكوس، عام 1985، ثم اشتراه نوربرت شيميل، الذي تبرع به لمتحف المتروبوليتان للفنون عام 1989.
“جاليري نيفر”.. عقود من الآثار المنهوبة
الرابط المشترك بين قطعتي الآثار المصرية، اللتين أثبتت التحقيقات أنهما كانتا ضمن آثار منهوبة في متحف المتروبوليتان، هو أن تاريخ ملكيتهما يعود إلى “جاليري نيفر” في زيورخ.
واتبع المعرض نفسه نمطًا متكررًا ظهر في العديد من القضايا المرتبطة ببيع القطع الأثرية المسروقة والمهربة. وأثبتت تحقيقات سابقة ارتباط المعرض ببيع عدد من القطع المنهوبة، التي أُعيدت لاحقًا من متحف جيه بول جيتي إلى إيطاليا. وتتبع مسار هذه القطع الأثرية البروفيسور ديفيد جيل، الأستاذ الفخري بمركز التراث في جامعة كنت، والزميل الفخري بكلية التاريخ وتاريخ الفن في جامعة إيست أنجليا.
ومن أبرز هذه القطع “كأس أتيكي” ذو الرسوم الحمراء، الذي يحمل توقيع الخزّاف إيفرونيوس ويُنسب إلى الرسام أونيسيموس. والمثير للجدل أن الكأس كان عبارة عن شظايا وأجزاء متفرقة تم جمعها بين عامي 1983 و1985 من مصادر متعددة، من بينها “جاليري نيفر” و”جاليري هيدرا”.
وبحسب البروفيسور ديفيد جيل، فإن الكأس مُهدى إلى إركلي، رغم أن معبد إركلي في تشيرفيتيري لم ينقب عنه إلا عام 1993. واستردت إيطاليا الكأس في العام نفسه، وفي عام 2005 أُضيفت إليه قطعتان أخريان عندما أعادهما جياكومو ميديشي.

جاليري نيفر ومزاد كريستيز
ضمت القائمة أيضًا قطعة كورنثية مجزأة من نوع «أولبه»، ارتبطت كذلك بفيرنر نوسبرجر عام 1981. ومن القطع التي أثارت الاهتمام كأس محفوظة حاليًا في مدريد، تُنسب إلى الرسام إيورجيدس. وبحسب البروفيسور ديفيد جل، تُظهر مشهدًا لشاب يتسلق داخل جرة. وقد ظهرت القطعة في كتالوج “جاليري نيفر” عام 1992 ضمن معرض «الفن القديم». قبل أن تُباع لاحقًا في مزاد “كريستيز” بنيويورك في 30 مايو 1997. ولا تزال تفاصيل ملكيتها أو تاريخ اقتنائها قبل عام 1992 غير معلنة.
ولم يكن جامع التحف فاريز فيسا الوحيد الذي اقتنى أعمالًا مرت عبر “جاليري نيفر”، إذ تشير سجلات أخرى إلى وجود قطع مماثلة ضمن مجموعة ستانفورد بليس.
ويُذكر أن “جاليري نيفر” كانت في مرحلة سابقة عضوًا في الرابطة الدولية لتجار الفن القديم (IADAA)، كما ارتبط اسمها في مناسبات أخرى بقضية «إنجيل يهوذا»، المعروفة أيضًا باسم “مخطوطة تشاكوس”.
استعادة 6200 قطعة أثرية
نجحت وحدة مكافحة تهريب الآثار حتى الآن في استعادة أكثر من 6200 قطعة أثرية، تشمل كتبًا نادرة وأعمالًا فنية وتحفًا أثرية، تُقدر قيمتها بأكثر من 485 مليون دولار، وأعادت منها أكثر من 5900 قطعة إلى 36 دولة.
كما أدانت الوحدة 18 شخصًا بتهم تتعلق بالممتلكات الثقافية، وتجري حاليًا إجراءات تسليم سبعة متهمين آخرين في قضايا الاتجار بالآثار.
وأُجريت التحقيقات من قبل رئيس وحدة مكافحة تهريب الآثار وكبير مستشاري المحاكمة، ماثيو بوجدانوس، ومحللي التحقيقات جوديثا جيارديني ومايكل تشابين، ومحقق المدعي العام جون بول لاباط، ومحللة التحقيقات السابقة شارلوت لورام.

وثائق المتحف ومسار القطعة
يقدم متحف المتروبوليتان معلومات عن كل قطعة يقتنيها، متضمنة تتبع مسار ملكيتها وتاريخها. وفي حالة تمثال “إيزيس – أفروديت”، الذي أثبتت التحقيقات أنه كان من بين القطع المنهوبة التي أعيدت إلى مصر، يوضح موقع المتحف أن التمثال يرجع إلى العصر الروماني، وتحديدًا إلى القرن الثاني الميلادي.
ويمثل هذا التمثال الإلهة إيزيس في هيئة تجمع بين رموز الخصوبة والجمال المرتبطة بالإلهة أفروديت. فقد ارتبطت إيزيس في المعتقدات القديمة بالحياة الزوجية والولادة، كما ارتبطت، وفقًا للتقاليد المصرية، بفكرة البعث والتجدد.
ويعزز الطابع الرمزي للتمثال عدد من الزخارف والإكسسوارات الدقيقة، أبرزها تاج «الكالاثوس» الضخم، وهو أحد التيجان الشائعة لدى الآلهة المصرية واليونانية والرومانية، ويعلوه قرص صغير تحيط به قرون إيزيس، ما يضفي مزيدًا من الهيبة على الهيئة العارية للتمثال.
وقد عُثر على نماذج مشابهة لهذه التماثيل في مواقع سكنية وجنائزية على حد سواء، ما يعكس انتشار عبادتها في الحياة اليومية والطقوس الدينية. وازدهر إنتاج هذه التماثيل خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، واستمر خلال العصر الروماني.
وبحسب متحف المتروبوليتان، تشير الدراسات الفنية وأساليب التأريخ إلى أن هذا التمثال يرجع إلى العصر الروماني، ويُرجح أنه صُنع نحو عام 150 ميلادية. كما أن ملامحه، ولا سيما الوجه الطويل النحيل والتعبير الهادئ الجامد، تتوافق مع السمات الفنية السائدة في تلك الفترة.
تتبع الملكية
دخلت القطعة إلى مجموعة متحف المتروبوليتان للفنون عام 1991، بتمويل من المتحف وبدعم من هدية قدمتها ليلا أتشيسون والاس. وكانت قد اقتُنيت في العام نفسه من “جاليري نيفر” في زيورخ، قبل أن تُنشر في عدد خريف 1991 من نشرة متحف المتروبوليتان، وتُعرض بصورة متواصلة ضمن مقتنيات قسم الفن بالمتحف.
وقد تناولت الباحثتان دوروثيا أرنولد ومارشا هيل القطعة في دراسة بعنوان «الفن المصري»، نُشرت في نشرة متحف المتروبوليتان للفنون (المجلد 49، العدد 2، خريف 1991)، حيث وردت ضمن الأعمال المعروضة بالمتحف.
كما عادت مارشا هيل إلى الإشارة إليها في كتاب «السنة الأولى: فن العالم القديم شرقًا وغربًا» الصادر عام 2000، ضمن فصل «مصر الرومانية»، الذي تناول نماذج من الإنتاج الفني المصري خلال الحقبة الرومانية، مع تضمين صورة للقطعة وإحالات توثيقية خاصة بها.
اقرأ أيضًا: رسالة من النفايات تكشف لغز«الملك قشقاش» وتعيد كتابة تاريخ دنقلا في السودان








