حكاوي

من أمريكا: رسائل صلاح جاهين إلى «درش»

كان صلاح جاهين متعدد المواهب فقد طرق شتى مجالات الكتابة شعر، زجل، رباعيات، مسرحيات، سيناريو، بالإضافة إلى كتابة المقال النثري وقد كانت أكثر فترة تطرق فيها جاهين للمقال النثري هى فترة رئاسته لتحرير مجلة “صباح الخير” عامي (1966- 1967) وجمعت مؤخرا معظم ما كتب من تلك المقالات في الأعمال الكاملة لصلاح جاهين، ولكن قبل مقالات صباح الخير كان لجاهين تجربة نثرية في الأهرام، فقد بدأ جاهين عمله في الأهرام عام 1962 كأول رسام كاريكاتير يلتحق بالصحيفة العريقة وكان عمله مقتصر على الرسوم الكاريكاتيرية التي يعالج بها كعادته شتى القضايا.

وحدث أنه في عام 1964 سافر جاهين لأول مرة إلى أمريكا ومن هناك بدأ في إرسال انطباعات نثرية تنشر في نفس مساحته الكاريكاتورية مصحوبة برسومات، هذه المقالات النثرية أو الرسائل لم تجمع ولم تنشر بعد ذلك ولم تكن تلك التجربة النثرية الثرية هي الأخيرة في الأهرام، فقد سافر مرة أخرى إلى أمريكا عام 1983 وكرر نفس التجربة فكتب 12 مقالا عام 1983 وسبقهم 14 مقالا عام 1964، كتب صلاح جاهين جميع المقالات على شكل رسائل مرسلة إلى شخص يدعى “درش” وفي نهاية الرسائل كتب موضحا حقيقة درش قائلا: “من لحظة وصولي إلى القاهرة والكل يسألني من هو درش هذا الذي كنت توجه إليه خطاباتك من أمريكا؟، إن درش هو رجل الشارع العادي الذي يمثلنا جميعا، ويشبهنا جميعا ومن لم يكن منا “درشا” بنفسه فلابد وأن يكون في حياته “درش” يعرفه جيدا”.

أثناء تواجد صلاح جاهين في أمريكا في المرة الأولى عام 1964 كانت الحملة الانتخابية الرئاسية على أشدها بين المرشح الديمقراطي جونسون والجمهوري جولد وتر، وقد كتب جاهين انطباعته ببساطة شديدة عن تلك الحملات الانتخابية وكذلك عن إعادة اكتشافه لأمريكا من جديد من عادات وتقاليد وثقافات.. إلخ، كما أبدع بتخيل حوار بين جونسون وجولدوتر وحوار آخر بين صلاح جاهين وبين مواطن أمريكي، كما شهدت تلك الرسائل النشر الأول لمقطوعة “التفريقة ” التي أعاد نشرها في ديوانه “قصاقيص ورق” عام 1966، ولم يترك رسائله دون أن يتحدث عن داء السمنة وهو الذي رافقه طويلا في حياته وانتقد أيضا وبشدة أسلوب تعامل الحكومة مع البعثات المصرية في أمريكا وفرض الحكومة عليهم إقامة تنظيمات بالأمر، وعندما عاد جاهين بعد ما يقرب من عشرين عاما وكتب رسائله مرة أخرى من أمريكا إلى درش عام 1983 تحدث مرة أخرى عن الوزن الزائد والسمنة، ومن المفارقات أنه كتب أن العلماء سيتوصلون لدواء يحل مشكلة السمنة وموعد ظهور الدواء هو عام 1986 وهو العام الذي توفى فيه صلاح جاهين. ننشر هنا بعض من رسائله التي تستحق أن تنشر كاملة في كتاب.

من رسائل عام 1964

عزيزي درش

متأخر عليك في الجوابات؟، لا مؤاخذة مشغول باستكشاف أمريكا، ح تقولي استكشفها كولومبس قبلك.. أبدا ده استكشف حاجة تانية كانت مليانة هنود حمر وسارحين على كيفهم في الملكوت، كانت مليانة غزال وخيول وحشية وطواويس وجاموس بري، ما كنتش لا عضوة في الأمم المتحدة ولا حلف الأطلنطي ولا فيها ولا نقطة كوكاكولا!

فاتت أسابيع من غير ما أفهم لها راس من رجلين ما أنت عارفني راجل عامي ومش دارس علم البولوتيكا، ح أتفلسف أقولك إيه؟ أمريكا بلاد الحرية؟ كلمة عبيطة ولا تودي ولا تجيب، أمريكا بلاد الرأسمالية البرجوازية؟ مصاصة الدم وأكالة اللحمة البشري؟ مابقاش ينفع يتقال كده ع الناس بالجملة! قلت يا واد استني لما تشوف أخرتها، لفيت لفيت ووصلت لحد مدينة سان فرانسيسكو وأجرت لي أوضة في شارع السوق، وشوية وفات تحت الشباك ألوفات عينك ما تشوف إلا رجالة وستات وعجايز وكلاب وصبيان وبنات وعيال بتتشال على الكتوفات.. أشكال وألوان أبيض، أسمر، أصفر كل بيهتف تحيا المساواة، تحيا الأخوية في الأمرة الشقر السمر الصفرا الزنجية ح نفوز بحقوقنا المدنية جولد وتر أفكاره نازية.

بيني وبينك متقولش لحد ما أقدرتش أحوش الدمعة اللي انفجرت وقتها من أعصابي.. أمريكا انفردت قدامي وجت بالمعدول واستكشف يا أبوصلاح وأنت مرحرح وماسك فنجان قهوة وسجارة وبص وقول.

ح أبعتلك أوصاف الناس دول فردا فردا وكمان أوصاف الناس اللي الناس دول بيعارضوهم والجو وحبة تحابيش فرعية أبقى عملت اللي عليا. بس أنت عليك تبعت لي قزازة ملوخية.

أمريكا في 8- 8 – 1964 (ص. ج)

-2-

عزيزي درش

التخن مرض أصبح هنا زي البلهارسيا على شكل وباء.. بس بأسباب عكسية وهى كتر التغذية والناس مساكين ما عليهم لوم يعملوا إيه أكثر من رمي الأطعمة بالكوم! اللي بترميه أمريكا في يوم تقدر تتغذى عليه فنلندا بحالها في عشرين يوم، ومع ذلك الشعب بيتخن. آخر ما احتاسوا طلعت فتوى تريح قلب الستات أفتاها كبير الكهنة في دنيا الأزياء “أولج كازيني” قالك ما انتوش عارفين أن الجسم المليان هو الموضة؟ من دلوقتي ح تكون كل الفساتين للست التشة الهلابطة أما العصعوصة غضن اللبان فما تنفعناش مانيكان والسكة انفتحت للحكمة المأثورة “فلتأكل لتمتع نفسك” بنجامين فرانكلين..

الصبح النفر الواحد يشرب فنجان قهوة بسكر بكريمة تهد الحيل وفطاير مربة وزبدة ويبتدي يفطر بيض باللحمة الدهنية (مفهوم أيه هي) والضهر الساعة 12 قال أكلة خفيفة يطلب هامبورجر يطلع رطل مع شوب حليب بعديها الجرسونة تقول له: مش عايز الحلو؟ يشحط لك برميل جرانيطة بالجوز، وفي وقت الأكلة الرئيسية ساعة المغرب – صايمين يعني- الست تكون وقفت يمكن يجي ست دقايق شدت حاجة من التلاجة على طول ع الفرن والعيلة تصلي في ثانية وهوب تنزل حتتك بتتك فين لما الولد الأصغر يزهق ويقول الحلو!

واحدة ظريفة قالت لي ولادي يا سيدي ما يعجبهمش الحلو إلا لو فوقه حاجة حلوة ومن فوق الحاجة الحلوة حاجة حلوة وحاجة حلوة من فوق الحاجة الحلوة اللي فوق الحلو.. واتفضل يا سي صلاح دوق تعدمني.. وأنا راجل خايف على وزني قلت الدكتور السمري ح يضربني لما أرجع مصر في حجم الفيل.. قالوا: ماله الفيل؟ ده شعار الحزب الجمهوري.

(ص.ج) 11-8-1964

-3-

عزيزي درش

واقف كدة مرة في وسط مظاهرة في أمريكا من أجل حقوق السود المدنية، شميت ريحة طعمية! بصيت حواليا لقيت طالب مصري وطالبة مصرية وبعد ما شطبنا على الشنطة أم نقوش بلدي اللي ف يدها وشربنا كازوزة عشان نهضم وحمدنا الله.. جت مسيرة “الجمعية الثقافية لطلبة بعثات الجمهورية العربية المتحدة” شوف اسمها طول إيه؟ السم كبير والفكر جميلة صحيح، إنما مش مفهومة وسمعت كتير بيعارضوها فاكرينها ح تبعدهم عن باقي الطلبة العرب اللي معاهم والطلبة العرب التانيين فاكرينا مخاصمينهم مش عاوزين نلعب وياهم وكلام وحديت من غير آخر.

جمعية مفيدة ح ترفع مستوى طلبتنا وتعمل منهم قادة حاجة عظيمة لكن تقديمها مكنش في مستوى أهدافها “مش عايز اتكلم جد إنما مش قادر “الطالب من دول بينده له موظف رسمي ويديله بلاغ تكوين الجمعية، الواد يتخض وبتهيأله ده أمر حكومي ضروروي يطيعه، ويطيعه ويدخل سد خانات وخلاص ما هو مش فاضي، عنده مذاكرة ومواعيد غرامية ومحاضرات وبحوث علمية مافيهاش يامة حوشيني وسمي عليا، وتروح جوابات على مصر تمام يا أفندم، كونا الجمعية وضمينا جميع الطلبة بعون الله وعملناهم قادة ويفوت شهرين والفكرة تموت زي العادة ولا ناخد قادة ولا بيادة، خد بالك أنا كنت ساعتها في وسط مظاهرة في أمريكا من أجل حقوق السود المدنية ورفعت عينيا لقيت الشاب اللي بيخطب طالب جامعة صغنطوط وأبيض ونصير للمساواة وحاولت أتخيل إيه اللي جراله وع الغلب رماه؟ تيار شعبي! ناس زيه زيي وزيك عاوزة تخلي الزنجي يعيش إنسان كريم.. ساعة ما اتقابلت أفكارهم عملت تنظيم فيه كل مناضل قائد وزعيم.. وأفهم يا حدق.

(ص.ج) 16-8-1964

وبعض من رسائل عام 1983

-4-

عزيزي درش

الكوبري الطويل اللي بيعدي خليج سان فرنسيسكو اسمه كوبري الانتحار، لأن الناس ينتحرون من فوقه يوميا “مثل صخرة الروشة في عزيزتنا بيروت والتي لم يعد لها لزوم حاليا إذ يتولى اليهود القضاء على الناس أولا بأول”.

كان صديقنا الراحل زكريا الحجاوي يسمي الشعراء الرومانسيين من جيلنا “المنتحرون في الخيال” إذ يتخيلون رد فعل موتهم على أقاربهم وعلى البنات ومن المنتحرين الخيبانين أنطونيوس القائد الروماني إذ ضرب نفسه عقب هزيمته أمام أوكتافيوس بالسيف في بطنه فلم يمت وأصبحت مشكلة كليوباترا العثور على طبيب وإبرة وفتلة، ثم انتحرت هي انتحارها الرائع الموفق، ومن المنتحرين العالميين إدولف هتلر الذي نكل باليهود فنكلوا بنا هم كمان في مذابح صبرا وشاتيلا الصيف اللي فات، ثم هناك النجمة الأمريكية الناعمة مارلين مونرو وأنا أتذكرها دائما بالخير واتحسر على حسنها وجمالها، ركبت سيارة اليوم وعبرت كوبري سان فرنسسكو فلاحظت أن تغيير حدث منذ أن كنت هنا عام 1964 فقد وضعت السلطات شبكة من الصلب لمنع الناس من النط، وفي رأيي أن هذا التصرف يتنافى مع دعوة الحرية التي ينادي بها المجتمع الأمريكي فكيف يقال بعد ذلك أن كل واحد في أمريكا حر يفعل ما يشاء.

(ص ج) 12- 4- 1983

-5-

عزيزي درش

برنامج تليفزيوني مزعج قوي أذاعوه هنا إمبارح، بيقولك ثبت أن السمنة مرض وراثي وأن السمين يورث ابنه أو بنته مجموعة من الأوعية أو الحويصلات الفاضية اللي من طبيعتها أن تمتلئ بالدهن شيئا فشيئا بدلا من أن يحترق لإنتاج الطاقة للإنسان وتظل تقوم بعملية التخزين هذه حتى يتحول الزبون إلى كرة فيتنبه ويجمع قوة إرادته ويجوع نفسه ويتنطط طول النهار حتى ينخفض وزنه إلى القدر الطبيعي وتنتهي المشكلة ويعود إلى طعام الأصحاء.

ولكن هذه الأوعية تكون استموتت فقط والطعام الجديد يجعلها تفتح عينا بعد الأخرى إلى أن تتيقظ تماما وتعود إلى تخزين كل طعام في صورة دهون دون احتراقه وكأنك يا بوزيد ما غزيت، استضاف البرنامج مجموعة من التخان فأخذوا يتحدثون عن تعاستهم وعن ما يبذلونه من جهد وأموال يفقدون عشرات الكيلوجرامات ولكنهم يستعيدونها ثانية. وخيم عليهم جو من الشؤم والنحس والكآبة وكأنهم مرضى بالجزام لا السمنة. وظهر عدد من العلماء وأخذوا يرطنون بالإنجليزي وأخيرا!! أخيرا وأخشى أن يكون ما أعلنوه لمجرد رفع الروح المعنوية، أعلنوا أنهم سيتوصلون إلى دواء يحل هذه المشكلة حلا طبيا وحددوا موعد ظهور الدواء بعام 1986.. أتعشم ألا يعود زملاؤنا الريجيميون إلى إلتهام الأرز والمكرونة والحلاوة الطحينية وما أشبه اعتمادا عى أنهم سوف يعالجون سمنتهم سنة 1986..

باقول إيه.. ما تجيب حتة شكلاته

(ص ج) 19- 4- 1983

-6-

عزيزي درش

اكتب إليك من سان فرنسيسكو محطتي الأخيرة في أمريكا.. سان فرنسسكو هى عاصمة ولاية كاليفورنيا بالرغم من أهمية لوس أنجلوس وهوليود ذات الصيت الذائع والكلام الفاضي. لا شتاء هنا ولا صيف فالشتاء يدفئه تيار ساخن جاي من جنوب المحيط الهادئ و الصيف يلطفة تيار بارد قادم من ألاسكا أو شئ من هذا القبيل.

هذه البيوت البيضاء الوضاءة النابغة من قلب الكروم والبساتين عشقتها سريعا عندما جئت لأول مرة عام 64 هذا المزيج  الرقيق يشبه طرابلس الشام ومدينة أخرى لا نراها في قصائد الشعراء هى يافا.. هكذا وصفوهالي كما يصفون للكفيف ما هو البولدوزر مثلا.

والواقع أني عشقت كاليفورنيا كلها ما عدا لوس أنجلوس وهوليود وأعتذر لأصدقائي الذين يتغنون بديزني لاند حتى الآن. ديزني لاند شئ جميل حقا وهدية فخمة لأطفال أمريكا من فنان الكارتون الخالد والت ديزني أو المؤسسة التي تحمل اسمه ولكن الأحسن هو والت ديزني الرسام وأفلام الرسوم المتحركة التي هي أعظم إضافات أمريكا البيضاء إلى الفن في العالم ولا يماثلها إلا عطاء أمريكا السوداء الموسيقى الراقصة الحديثة والتي يلخصها اللي ما يعرفش في كلمة الجاز. وذلك بالطبع قبل حقب طويلة في ظهور العطاء الأمريكي الأخير الذي هو عرائس التليفزيون “المايت شو” عجيب حثا هذا المايت شو. أنه مزيج من المسرح والكاريكاتير والسينما والتليفزيون تتناسب فيه الأجزاء بشكل لا يمكن يكونوا وصلوا إليه عن عمد ولا يمكن حصل إلا إستروبيا.

اقرأ أيضا

الذهب.. قصة صلاح جاهين المجهولة

ملف| صلاح جاهين في أوراقه المنسية: أقول الحق ورزقي على الله

صلاح جاهين فى معارك منسية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى